FacebookTwitterGoogle Bookmarks

عن حالة إنكار خطاب العنف الطائفي الموجّه ضد المسيحيين

07 تشرين2/نوفمبر 2018

بيت نهرين- عن رصيفــ22: وكذلك أيضاً القبط دام ملكهم في الخليقة ثلاثة آلاف من السنين، فرسخت عوائد الحضارة في بلدهم مصر، وأعقبهم بها ملك اليونان والروم، ثم ملك الإسلام الناسخ للكل. فلم تزل عوائد الحضارة بها متصلة" – ابن خلدون.

مختصر الهوية المسيحية لمصر

يُعتقد أن بداية اعتناق المصريين للمسيحية يعود الى أيام القديس مرقص، ويرجح أنه وُلد بصحراء ليبيا ومن ثم انتقل الى فلسطين ليعود الى مصر ليكتب إنجيله المعروف بإنجيل مرقص. وفي غرفة ببيته وُلدت أوّل كنيسة، أيّ أن أوّل كنيسة في التاريخ كانت مصرية النشأة. هذه المركبات المسيحية للتاريخ الحضاري لمصر يضاف إليها لجوء المسيح الى مصر هرباً من الاضطهاد الروماني. وقد تحوّلت الكنيسة المصرية لكنيسة وطنية تدافع عن مصر في وجه الغزو الأجنبي. فوقفت ضد الغزو الروماني، غزو الفرنجة الذي حمل راية الصليب وتحرير بيت المقدس، ووقفت بوجه الغزو الإسلامي (وانهزمت واستسلمت له) وسجلت مواقف عملية مقاومة مناهضة للغزو الإنجليزي لمصر ولها مواقف تاريخية من الحركة الصهيونية وغزوها لفلسطين لغاية يومنا هذا.

قتل على الهويّة!

يتعرض الأقباط المصريون بشكل مستمر لاعتداءات على خلفية الانتماء الطائفي، وهويتهم المسيحية. إن الالتفات للواقع الموجع للمصريين الأقباط في مصر، غالباً ما يكون مؤقتاً وخاضعاً، بكل أسف، لهجوم دموي، لمذبحة فظيعة تستدعي وقفة إعلامية و"فيسبوكية" سرعان ما تتبخر مع تبخر الحدث من عناوين الأخبار. منذ ثمانينيات القرن الماضي تشهد مصر تصعيداً في العنف الطائفي بشتى أشكاله، أذكر منه أحداث الزاوية الحمراء في القاهرة في العام 1981. أكثر الأحداث دموية كانت حادثة القديسين، 2011 مذبحة ماسبيرو 2011 وتفجير البطرسية 2016، ومؤخراً شهد عريش مصر حملة دموية قادتها جماعات إسلامية مسلحة، بحسب المصادر المصرية كان نتيجتها قتلى وجرحى وعمليات تهجير واقتلاع لمسيحيين من بيوتهم. ناهيك بعشرات النزاعات التي لن آتي الى تفصيلها هنا.

كانت وما زالت الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية هي الراعي والحاضن الأساسي للألم القبطي، إذ تغيب الدولة ومؤسساتها لحد كبير عن القيام بواجباتها السيادية والوطنية تجاه أبناء مصر المسيحيين. واستهتار الدولة هذا بشرائح مليونية من أبنائه يبقي الباب مفتوحاً للاضطهاد الديني الإسلامي الموجه على أساس "الهوية الدينية".

 

حارة النصارة القدس

أين الدولة؟

كما أسلفت، فإن الدولة المصرية تلعب دور الغائب، في ردع الاعتداءات الطائفية، وهي مطالبة كدولة ليس بردعها فحسب، بل بأخذ دور ريادي في بناء ثقافة الدولة الوطنية والدولة المدنية لدى مواطنيها، بحيث يصبح التمييز على خلفية دينية أو أي هوياتية أخرى أمراً شاذاً وغريباً وليس اعتيادياً. وهنا لا بد أن أشير الى الإشكالية في واقعية هذه المطالبة. فالى جانب واقعيتها والاستحقاقات المفروضة على الدولة لحماية جميع مواطنيها، فإن الدولة المصرية بنظامها الحالي والسابق هي دولة تتغذى وتتمدد شرعيتها بإجازة الخطاب الديني الإقصائي في مدارس وجامعات ومساجد مصر، ولا تريد أن تصطدم مع المعتقد الديني الشعبي لعامة الناس وتتجنب الصدام مع المؤسسة الدينية العلمية الرسمية، الرافد الأساسي للخطاب الإقصائي للآخر (الأزهر) والتي خرّجت العديد من الشخصيات والناشطين في التنظيمات السلفية. وبهذا يصبح الدور الطبيعي المتوقع للدولة من حيث حضورها السيادي دوراً "انتهازياً" غائباً من بعض الساحات، مستفيداً من غيابه منتهجاً سياسة "فرق تسد".

إن تبني الدولة لخطاب ديني واحد، وتعريفها دستورياً بأنها تتبع الدين الإسلامي كدين رسمي للدولة، الأمر الذي يبدو طبيعياً واعتيادياً لدى الغالبية المسلمة، إضافة الى شبه غياب لدور تثقيفي وتوعوي لقيمة وأهمية المواطنة المصرية كهوية جمعية أولى، لا بدّ أن يخلق بيئة تراكمية يعتبر فيها المصري القبطي "ضيفًا" في بلده أو "أهل ذمة" تزج به في مكانة "دونية" أمام المواطن المسلم.

 

حارة النصارة البلدة القديمة القدس

تمزق في الانتماء الوطني الجمعي

علينا التشديد على أن ما يتعرض له المسيحيون العرب في مصر من عنف طائفي كان قد تعرض له المسيحيون في العراق وسوريا وأدت موجات العنف لتهجير وتشريد الآلاف منهم. ولا يقفز الخطاب الطائفي الإقصائي عن فلسطين، وان كانت بمستويات أقل وبأساليب مختلفة، إذ أن الخطاب الإسلامي حول إسلامية أرض فلسطين وإسلامية بيت المقدس هو خطاب حاضر وبقوة وهو بمضامينه يحيد المركب المسيحي من النسيج الفلسطيني لامتلاكه تصوراً إسلامياً للدولة.

يفتقد الشارع العربي عموماً والمصري خاصة لآليات وأشكال رد على موجات العنف الموجهة ضد المسيحيين العرب عامة والأقباط بشكل خاص. فالموقف الشعبي العارم الحاضن للأقباط كمركب أساسي في الهوية المصرية الحضارية التاريخية والحالية والذي يمكنه أن يشكل دعماً معنوياً لا يستهان به لهذه الشرائح الشعبية المستضعفة، هو موقف غائب الى حدّ كبير. يمكننا أن نسجل حالات عديدة تمت فيها اعتداءات "شعبية" لمسلمين على مسيحيين في مناطق مختلفة من مصر بسبب بناء كنيسة أو علاقة عاطفية بين مسلمة ومسيحي أو لنزاعات شخصية أخرى، سرعان ما تتحول الى نزاع طائفي، أيّ أن المزاج الشعبي ليس فقط غير جاهز للاحتضان فحسب، بل هو مزاج عدائي في كثير من الحالات. ردات الفعل المستنكرة محدودة ومحصورة أيضاً على مستوى الجمعيات والناشطين، الى جانب الشجب، فإن ما تمتاز به هذه الردات هو حالة الإنكار لمدى انتشار الخطاب الإقصائي والى مدى تغلغل تيارات العنف الديني داخل المجتمع، وكذلك حالة إنكار للتأييد التي تحظى به تلك العمليات الإرهابية محاولة تقزيمه وتحجيمه. وتتقوقع في حالات دفاع عن الذات: دفاع عن الإسلام والنص الديني والانشغال بمحاولات لتبرئة التراث الإسلامي من مظاهر العنف الطائفي. وبالتالي عمليات التحليل تبقى محصورة ومحاصرة. أذكر على سبيل المثال بعض الأبحاث والدراسات العربية حول هجرة المسيحيين من المشرق تحصر استنتاجاتها بأسباب اقتصادية واجتماعية دون الخوض بحساسيات الوضع الديني وتوتراته.

يمكن تقديم عدة تفسيرات لهذا الغياب والقصور في الدور الشعبي والمجتمعي للدفاع عن الأقليات الدينية الوطنية. يمكن الذهاب ببساطة الى القول إن العالم العربي يعاني من حالة انهيار ومن حالات حروب وعنف غير مقتصرة على العداء ضد المسيحيين، وإن المجتمعات والدول العربية برمتها تعاني من العنف وتطلق مقولات "فش حدا أحسن من حدا" و"كلوا بالهوا سوا"، وحالة الأقباط أو غيرهم من المسيحيين ليسوا استثناءً وليسوا الضحايا الوحيدين. لكن هذا التفسير الذي يتداول فعلاً هنا وهناك يبدو مريحاً لأصحابه، فهو يستند على عشوائية الحدث دون اللجوء لتفكيكه ولا الخوض بالأيديولوجيات والمرجعيات التي تؤسس لعمليات النبذ، الإقصاء والقتل على خلفية الهوية الطائفية (وإن كنا هنا بصدد واقع أقباط مصر لكن يمكن أن تكون الهوية المستهدفة هوية أخرى مثلاً الهوية العربية الشيعية أو العربية الدرزية ومن نفس المنطلقات الاقصائية".

 

بيت لحم

لا يمكن للتفسيرات أن تتجاهل ما قد لمحت له سابقاً من هيمنة خطابات دينية إقصائية في جميع مرافق التعليم المصرية. فالكتب الدينية الإسلامية في المدارس مليئة بالنصوص الدينية التي تتحدث عن فئات "المغضوب عليهم" و"الضالين" في النص القرآني باعتبارهم اليهود والمسيحيين. وآيات التكفير التي تُلقن لطلاب المدارس والمعاهد بمعانيها الحرفية مثل: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم..." هذه الخطابات التي تصاعدت في فترة السادات ومبارك والنظام الحالي استبدلت الخطاب الوطني الجمعي الذي حاولت الفترة الناصرية ترسيخه، وتساهم في تشويه أولويات الهوية الجمعية. التراجع الثقافي والفكري في الرؤية الجمعية يعود أيضاً الى "مسلمات" في قراءة التاريخ، إذ لم تتعرض القصص والروايات والمقولات الدينية التاريخية لقراءة نقدية وتنويرية لتساهم في تطوير الفكر المدني والديني. وبالتالي يصبح الانتماء للعقيدة الدينية الفردية المذهبية "قواماً" على الانتماء الجمعي الوطني الأكثر شمولية.

مع هيمنة الانتماء الديني وتطويع الانتماء الوطني لمصلحة الديني ضمن عملية تغلغل عميقة داخل المجتمع (ليس في مصر فقط) تتجه تنظيمات المجتمع المدني والنخب المثقفة والدينية الوسطية للدفاع عن النص الديني وتبرئته من أفعال "الداعشيين" دون الالتفات الى أن الضحايا تحت التراب لا يأبهون بلوائح الدفاع هذه بل كل ما يريدونه ببساطة هو أن لا يلقى أولادهم وبناتهم نفس المصير. ولكي يلقوا نفس المصير على "الأكثرية الدينية" بجميع مركباتها أن تقدم لائحة اتهام ذاتية، محاسبة ونقد وبوصلة للإصلاح نحو مجتمع مدني يؤسس للمواطنة المتساوية المتحررة من الهوية الدينية للفرد.

* فايد بدرانة: باحث وكاتب فلسطيني مقيم في القدس.