FacebookTwitterGoogle Bookmarks

عمو بابا شاعر الكرة العراقية وأسطورتها الأبدية

05 كانون2/يناير 2019

أبناؤه وصلوا الى مونديال الريو دي جانيرو مشياً على وصاياه

بيت نهرين- عن العرب: تأهل المنتخب الأولمبي العراقي لكرة القدم الى دورة الألعاب الأولمبية التي ستقام بريو دي جانيرو الصيف المقبل، وذلك بعد فوزه على نظيره القطري بهدفين مقابل هدف في المباراة التي أقيمت بينهما بنادي السد في مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع ببطولة الاتحاد الآسيوي بالعاصمة القطرية الدوحة.

وليس غريباً أن يكنّى منتخب عريق كالمنتخب العراقي، بإسم شخص ويتصدر اسمه صفحات الصحف مع كل إنجاز للمنتخب؛ "أبناء عمو بابا" أو "رجال عمو بابا". فهو الذي وضع بصمته الأولى وسطر اسم العراق دولياً، كصاحب أول هدف دولي سجل بإسم المنتخب العراقي الأول في سجلات الفيفا. وصاحب أول هدف أولمبي عرفه العراق في ستينات القرن الماضي. لذلك لم يكن مبالغاً أن يكرّم بكتاب حمل عنوان "عمو بابا شاعر الكرة العراقية" في بلد اشتهر بكثرة شعرائه. بالمقابل كانت مقولة عمو بابا الشهيرة "لا أستطيع العيش خارج الفضاء العراقي" برهاناً صريحاً على وطنية الأسطورة.

عمو بابا والملك وقاسم

ولد عمانوئيل بابا داود في السابع والعشرين من نوفمبر عام 1934. وهو أصغر إخوته بعد شقيقيه جورج وينان وشقيقتيه بنول وألبيرت. هناك في الحبانية غرب بغداد، نشأت موهبة عمو بابا، وقدّر له أن يكون منذ البداية بطلاً، لكن ليس في كرة القدم بل في ألعاب القوى أيضاً، عندما توج بلقب 400 م موانع.

نال بطولة الرصافة في كرة المضرب، حين لم تكن كرة القدم موجودة في قاموس الطفل الذي أصبح فيما بعد رمزاً للكرة العراقية. وعندما أصبح في الرابعة عشرة من عمره بدأت كرة القدم تستهويه. ثم لفتت موهبته نظر المعلق الرياضي العراقي إسماعيل محمد الذي شاهده في البطولة المدرسية التي أقيمت في الكشافة، وكان حينها عمانوئيل لاعباً ضمن صفوف فريق مدرسته الابتدائية. ليتم اختياره بناءً على توصية من إسماعيل محمد لينضم الى التشكيلة المشاركة في البطولة المدرسية العربية في القاهرة، ومثّل المنتخب العراقي أمام المنتخب المصري بما يقارب الـ45 دقيقة.

كان إسماعيل محمد متأثراً بالطريقة الغربية للمعلقين. حينما يختصرون الأسماء الطويلة بإسم قصير يصبح فيما بعد كالماركة المسجلة. فاختار له اسم عمو بابا بدلاً من عمانوئيل بابا، وتنبأ له حينها بأن يصبح يوماً لاعباً مشهوراً.

لعب عمو بابا مع فرق القاعدة الإنكليزية في العراق، وتلقى عرضاً من نادي نوتس كاونتي الإنكليزي للانضمام إليه. وأوفده الملك فيصل الى لندن، وعندما حصل الانقلاب العسكري على النظام الملكي كان عمو بابا قريباً من الانضمام لناديي فولهام وليفربول، قبل أن تبلغه السفارة العراقية رغبة الرئيس العراقي الجديد بعودته الى العراق.

انتقل عمو بابا الى العاصمة العراقية بغداد لينضم الى فريق الحرس الملكي، ومثّل المنتخب العسكري العراقي. وتنقل خلال مواسم قليلة بين عدة أندية كالقوة الجوية العراقي وفريق الكلية العسكرية والنادي الآشوري.

في السابع من يناير من العام 1957 سجل عمو بابا اسمه في السجل الذهبي للكرة العراقية كأول لاعب يسجل هدفاً دولياً وذلك في الدورة الرياضية العربية في بيروت أمام المنتخب المغربي، وكان ذلك في المباراة التي انتهت بالتعادل الايجابي بثلاثة أهداف لمثلها وافتتحها عمو بابا. وبعد عامين وتحديداً في التصفيات المؤهلة لأولمبياد روما 1960 واصل عمو بابا تسجيل الأرقام الذهبية عندما سجّل أول هدف أولمبي لمنتخب العراق أمام المنتخب اللبناني والتي انتهت لصالح العراق بثلاثية نظيفة. ثم أجبرته الإصابة على الاعتزال مبكراً عام 1966 ليكمل مسيرته الكروية مدرباً خارج المستطيل الأخضر وخطوطه البيضاء.

نجح عمو بابا في صناعة الأمجاد التي عجز عن تحقيقها كلاعب، وبدأت مسيرته كمدرب مع نادي المواصلات العامة في بغداد. ثم تسلم قيادة دفة تدريب المنتخب العراقي العسكري لكرة القدم. وتربع معه على عرش البطولة الأكبر "كأس العالم العسكري لكرة القدم" في مناسبتين، في العراق 1971 والكويت عام 1979.

أهّلته تلك الإنجازات ليدرب المنتخب الأولمبي العراقي في ثلاث دورات للألعاب الأولمبية ابتداءً من 1980، والتي أقيمت في الاتحاد السوفييتي ووصولاً الى أولمبياد لوس أنجلوس 1984 وسول عام 1988. وكان الإنجاز الأبرز في حقبته الأولى قيادة المنتخب العراقي للقب كأس الخليج ثلاثة مرات (العراق 1979، الإمارات 1982، سلطنة عمان 1984). مسجلاً الرقم القياسي الذي لم يكسر حتى لحظة كتابة السطور، كأكثر مدرب نال لقب البطولة الخليجية. إضافة الى ذهبية دورة الألعاب الآسيوية في الهند 1982، ودورة الألعاب العربية في المغرب 1985.

بين البعثين العراقي والسوري

كُرّم عمو بابا ووقف الى جانب العديد من الملوك والرؤساء في منصات التتويج، ابتداءً من الملك فيصل الثاني الملك الأول للعراق ووصولاً الى آخر الرؤساء العراقيين في 2009، وكتب له أن يعاني من تسلّط السياسة وحكّامها على الرياضة، يذكر العراقيون جيداً كيف عانى مع المنتخب العراقي إبان الحقبة التي تأثرت فيها العلاقات السورية العراقية بين حزب البعث العراقي بقيادة رئيس العراق آنذاك صدام حسين والرئيس السوري متزعم حزب البعث السوري حافظ الأسد.

صادفت تلك الحقبة الإنجاز الأهم للكرة العراقية حين تأهل أسود الرافدين الى نهائيات المكسيك، وكان لا بدّ لهم من اللعب مع المنتخب السوري على أرضه، وتفرّغت صحف البلدين ووسائل إعلامهما لتحويل الملعب الى ساحة معركة. وتحول عمو بابا الى قائد لواء مشاة ولاعبوه الى جنود لا الى لاعبين يركلون الكرة داخل الملعب.

 

المنتخب الأولمبي العراقي لكرة القدم يحتفل بتأهله الى دورة الألعاب الأولمبية التي ستقام بريو دي جانيرو الصيف المقبل، وذلك بعد فوزه على نظيره القطري بهدفين مقابل هدف

حينها استقبل المنتخب العراقي وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس كنوع من الحرب النفسية، كما يذكر عمو بابا جيداً عدي صدام حسين الذي كان يمارس سياسة الترهيب عليه كمدرب وعلى لاعبيه، بإرسال تهديدات مباشرة في حال لم يتمكن المنتخب العراقي من تحقيق الفوز في المناسبات الخارجية.

كان على عمو بابا استيعاب تلك التهديدات وتحويل آثارها السلبية الى طاقة إيجابية. فكان يتحمل مسؤولية ما يقدمه لاعبوه وقيل إنه تعرض للضرب على يد مسؤول كبير، قبيل إحدى المباريات. أخفى ذلك عن لاعبيه حتى لا تؤثر الحادثة على نفسيتهم قبل النزول الى الملعب. وعلق عمو بابا على علاقته بعدي صدام حسين بالقول "لقد كنت أخالفه في كثير من الأحيان. وكان يستثنيني مع العقاب لشعبيتي، لكنه علق راتبي أكثر من 15 سنة. ولم أكن أستطيع حتى شراء سيارة لأصل بها الى مكان عملي، لم أنتم الى أيّ حزب، فأنا أعتبر العراق هو حزبي الوحيد، سألني مرة صدام حسين في إحدى لقاءاتنا: لماذا يشكو منك عدي دائماً؟ فأجبته إنني أنفذ ما يمليه عليّ واجبي كعراقي فضمّني وانتهى بيننا اللقاء بشكل ودي".

كان عمو بابا قويّ الشخصية يمارس دور الضابط على كتيبته الكروية، لم يكن يعرف المحاباة داخل المستطيل الأخضر. وكان عكس ذلك خارج الملعب، فقد عرفت عنه طيبة قلبه، فلا يكاد يخلو منزله من الرياضيين الذين تجمعهم أحاديث جنون الساحرة المستديرة، ويرون في آراء عمو بابا صكوكاً لا يمكن التشكيك في صحتها.

مثّل عمو بابا حالة استثنائية بتفوقه فكرياً ورياضياً على مستوى الزمان والمكان. فكان مدرباً محترفاً قبل أن يعرف الاحتراف طريقه الى المنطقة العربية. لقد نافس كبار المدربين في المنطقة العربية. فكانت أكاديميته المتواضعة مثالاً يحتذى به على الرغم من ضعف الإمكانيات.

إرادة عمو بابا وطموحاته لم تكن تعرف المستحيل، فهو الذي طالب دوماً بجعل الكرة معشوقة الأطفال، وبناء الملاعب في كل حيّ ومدينة وقرية، لتصبح في متناول الجميع. كان يتحدث بحرقة قلب كلما شاهد طفلاً أو موهبةً لم تستغل. تفرغ ليبني جيلاً رياضياً يستلم منه شعلة كتلك التي يسلمها العداء الأولمبي لينير ويوقد الأهداف الرياضية السامية والأخلاق التي ميزت الرياضة عن سواها.

أحمد راضي وشنيشيل وعدنان درجال وكريم علاوي وسمير شاكر وآخرون كان عمو بابا من رسم لهم طريقهم نحو التألق ثم سلّم الراية أخيراً لجيل أسياد آسيا يونس محمود وقصي منير وهوار منلا محمد وعلي حسين رحيمة. ما يجمع بين جيل أسياد آسيا وعمو بابا أن كليهما وحّد قلوب العراقيين على اختلاف آرائهم. لقد رمّم جروحهم الممزقة واجتمع كل أطياف بلاد الرافدين على اسم واحد، لا يمكن لأحد أن يساوم على إنجازاته التي قدمها للعراق. يكفي أن نذكر أنه قدم للمنتخبات العراقية أكثر من 60 لاعباً تخرجوا من أكاديميته.

أكاديمية عمو بابا

تزوج عمو بابا عام 1960 من ابنة خالته جوزفين عزيز، والتي كانت تعمل معلمة. أنجب منها ابنه الكبير سامي وابنتيه مي ومنى. وهاجرت عائلته خارج العراق بسبب الظروف التي يعيشها. إلا أنه أعلنها صراحة "لا يمكنني أن أخون أحبائي واللاعبين الذي ينتظرون منّي العون. سأبقى هنا وسأموت هنا. وعندما أموت أوصيكم أن تدفنوا معي معشوقتي؛ كرة القدم".

لم تعد أمّ سامي التي كان تواقاً لانتظارها كما كان تواقاً لإنجاز جديد مع الكرة العراقية. كان يشتاق لأسرته، لكنه عوّض ذلك الشوق بحبه ورعايته لأطفال أكاديمية عمو بابا التي أدارها بتكليف من الاتحاد العراقي. وكان يرافق لاعبيه بأدق تفاصيل حياتهم كالأب الذي يوجّه ابنه المراهق. يقسو عليه حيناً ويعطف عليه أحيانا أخرى.

لم يرضخ عمو بابا لمغريات العروض الكبيرة التي وصلته من أستراليا والسويد وفرنسا والعديد من الدول الأوروبية، وقرر البقاء وصناعة الأمجاد. كانت الكرة بالنسبة إليه كل شيء. فهو المتيم الذي لم يعد يرى من نعيم الحياة سوى كرة بلاستيكية مليئة بالهواء كالأوكسجين الذي يتنفّسه وينقطع بين فترة وأخرى مع تدهور حالته الصحية.

ضريح وكتاب لشيخ المدربين

 

ضريح ومتحف يقيمان في العراق بجوار ملعب الشعب

بدأت حالة عمو بابا الصحية تسوء مطلع الألفية الثانية. أخذت تقسو عليه الآلام، ولم تأبه بحال العجوز الذي لم يملك من تكاليف العلاج سوى القليل؛ منزل صغير يؤويه كان كل ما يملك، باع منزله وتوجّه للعلاج في الأردن، وصدر حكم الأطباء بضرورة استئصال أصابع من قدمه الذهبية.

عاد الى العراق وكان يعلم أن أيامه تتناقص وأنه بات في خريف العمر، تكاثرت عليه الأمراض ولم تعد ركبتاه تقويان على حمله الى ملعب الشعب الذي يرى فيه جنته الدنيوية. وفي السابع والعشرين من شهر مايو عام 2009، استسلم الأسطورة العراقية أمام الأمراض التي غزت جسده. وأعلن الخبر الذي فجع العراقيين "شيخ المدربين في ذمة الله" عن عمر ناهز 75 عاماً في دهوك شمال العراق.

نفّذ محبوه ما أوصى به، بأن يدفن في ملعب الشعب مع كرة وضعها أحد أطفال أكاديميته حتى لا تفارقه صيحات الجماهير وأصوات أقدام اللاعبين وهي تركل الكرة في ملعب الشعب، ذلك الإيقاع الذي يعتبره عمو بابا كالموسيقى التي تطربه ويهوى سماعها في كل الأوقات.

أقيم له ضريحٌ ومتحفٌ هناك بجوار ملعب الشعب، ومنح عام 2000 لقب شيخ المدربين العراقيين، بعد أن قاد المنتخب العراقي في 158 مباراة. وهو رقم قياسي لم يكسره مدرب عراقي حتى الآن، وكرمه الصحفي العراقي هشام السلمان بكتاب يوثق سيرته حمل عنوان "عمو بابا شاعر الكرة العراقية"، الذي صدر بعد وفاته بثلاث سنوات.