FacebookTwitterGoogle Bookmarks

"تراب الغربة".. كتاب يروي قصة أهالي نينوى والموصل مع التهجير

07 شباط/فبراير 2019

بيت نهرين- عن أبونا: كتاب "تراب الغربة" للزميلة الإعلامية ليا عادل معماري، يروي فيه قصة أهالي نينوى والموصل مع التهجير. كتاب أبصر النور ليروي بتفاصيله هذه الحكاية الأليمة التي انتهت بفجر القيامة. واليكم أبرز ما كتبت الزميلة معماري في مضامين كتابها:

"مسيحيو العراق لا يريدون مساواة انما امتيازات".

"1400 سنة اضطهاد ومقايضة، ١٤٠٠ سنة غفران، ١٤٠٠ سنة حل وترحال" ماذا بعد؟ لا أجوبة تلوح في الأفق طالما داعش انتهى لكن الدولة الخلافية لم تنته".

بهذه الكلمات أطلت الزميلة الإعلامية ليا عادل معماري لتجيب على جملة تساؤلات تثير قلق المسيحي المهجر من أرضه أو العائد اليها بعد درب آلام طويل تحت عنوان كتاب: "تراب الغربة" الذي ينقل شهادات حياة الأخوة العراقيين العائدين الى شمال العراق "نينوى - الموصل"، وما رافق هذا التهجير من تدمير للحجر والبشر، وانتهاك حقوق الانسان والمقدسات، والمقابر حيث يرقد الانسان في مثواه الأخير.

بداية، تحدثت معماري عن الأوضاع المعيشية التي رافقت المهجر في مرحلة تهجيره قائلاً: "لقد وقفت الكنيسة الى جانب المهجرين وتضامن الكثير معهم، فضلاً عن المساعدات التي قدمتها المنظمات الكنسية والمجالس الأسقفية، كل هذه المساعدات قد أسهمت في تخفيف الضيقات عن المهجرين سواء في مخيمات أربيل أو دهوك. وفي نهاية المطاف: التهجير هو تهجير والعودة يجب أن تتحقق".

وعن الأسباب التي دفعت المهجرين للعودة الى قراهم، لفتت الى ان نسبة الدمار في القرى المدمرة هي ما بين ٢٠ الى ٨٠ بالمئة، عاد المهجرون اليها من دون حماية ومن دون ضمانات وهذا الأمر من مسؤولية الدولة التي يجب عليها أن تطلب حماية لأن هذا الأمر هو ليس من مسؤولية الكنيسة.

وتابعت، ان طريق العودة كان شبه إجباري انطلاقاً من الهاجس الدائر بأن تعود الحياة الى تلك القرى لا سيما بعد أن توقفت المنظمات عن تقديم برامج الإغاثة في المخيمات وخصصتها للقرى المدمرة ولمساعدة الأهالي الذين قرروا العودة. وبالتالي نقول: "هل هناك أمان أو ضمانات؟ الجواب لا. هل هناك مخاوف الجواب نعم. لأن وجودنا في تلك القرى هو وجود واقع بين الحكومات المتنازع عليها بين حكومتي العراق وأربيل، كما ان هذه القرى ليس لديها القدرة في أن تتحمل الصراعات العسكرية لأن هذه الأخيرة تؤدي الى إنهاء الوجود المسيحي في القرى المتنازع عليها.

وأشار أيضاً الى أن الانسان المسيحي في هذا البلد لا يمكنه أن يطالب بتطبيق حقوق المساواة مع الٱخرين، إنما يجب عليه أن يطالب بامتيازات تعطيه حق الأصالة والتأصيل في هذا البلد لا سيما ان المسيحيين معرضون للمضايقات والاضطهادات ولكن ليس باليد حيلة والى من نلتجىء؟

أضف الى ذلك، ان الذين هاجروا الى لبنان والأردن وتركيا يعانون أيضاً من أوضاع صعبة وتبقى العودة هي الحل. لأن الاضطهاد ليس جديداً على المسيحي العراقي بل هو اضطهاد يومي. لأن الفكر الطائفي موجود وما يدل على ذلك حياة الانسان اليومية المعاشة والمضايقات ولكن علينا أن نقول كلمة كفى. لكن ما هو الحل؟ سؤال لا جواب عليه. لا سيما ان فكرة المصالحة والمبادرات التي أطلقت لم تجد نفعاً ولم ترتق الى مستوى الحقيقة بل اقتصرت على اعتلاء المنابر فقط. فأي مصالحة نتحدث عنها اليوم؟ أي مساواة نريدها في ظل انتهاء كرامة الانسان؟

وعلى خط مواز، وبلغة ملؤها الأسى، تحدثت الزميلة معماري بجرأة قائلة: "١٤٠٠سنة لم تخل من قصص الاضطهادات، وإذا ما أردنا التحدث عن موضوع المسامحة والعيش مع الأشخاص الذين ارتدوا على المسيحيين بعد جيرة دامت سنوات، لا بد أن نؤكد ان المسيحي فمن الممكن أن ينسى ما حصل أو يغفر للٱخر لكن من غير الممكن العيش معه لا سيما مع الأشخاص الذين تقاسموا معهم الخبز والملح ومن ثم انقلبوا عليهم في ليلة مظلمة، وما حصل في الموصل كان بمثابة "غزوة وغنيمة" وبالتالي يجب أن نكون على مستوى من الوعي الكامل وأن نتخذ العبر من درب الٱلام الطويل الذي عاشه أهالينا وأطفالنا".

وعن السؤال عن دور الفاتيكان، نوهت الزميلة معماري بالدور الفاتيكان لا سيما ما قام به البابا فرنسيس تجاه الأزمات الدائرة بحيث زار العراق خلال مرحلة التهجير أكثر من خمسة كرادلة وذلك بهدف تشجيع المنظمات الكاثوليكية لتقديم برامج دعم إنمائية في مجال الطبابة والخدمات اللازمة وكل ذلك يعود الى الدور الرائد الذي لعبه الفاتيكان.

وفي ما خص الوثائق والأوراق الثبوتية التي تعود للعائلات أكدت أنه لا توجد مشكلة في هذه المسائل وسوف يصار الى حلحلتها.

وفي الشق التربوي، رأت أيضاً انه لا توجد مشكلة في القطاع التربوي لا سيما ان الكنيسة قد أسست ١٤ مدرسة من أجل الثبات على تعليم الأطفال وتفاديا لعدم تأخرهم عن الدراسة.

وعن أوضاع أبناء الكنيسة في الخارج بعدما استحوذوا على تأشيرات للسفر، أوضحت ان أوضاعهم جيدة والتواصل معهم أكثر سلاسة من غيرهم، إنما الكنيسة تعاني في بعض الدول الأوروبية من نقص في الخدمة الرعوية وهذا مرده الى نقص الدعوات التي تثير قلقنا وتشغل بال الكنيسة.

مقابل ذلك، وإذا ما تعمقنا أكثر بمشهدية القيامة علينا أن نتحدث عن قرى سهل نينوى التي أحيت القيامة وسط التدمير الذي ألم بها. لكن شعبها نطق كما حجارة الايمان فيها بعبارة: المسيح قام.

كل شيء في هذه القرى "القوش، تللسقف، برطلة، قره قوش، كرمليس - الموصل..." شهد على قيامة المخلص، بدءاً من إعادة الإعمار، فتح المحال التجارية، عودة الحياة الاجتماعية بين الأهالي، إزالة العبارات المسيئة لكرامة الانسان وللكنيسة، إعادة زرع المحاصيل الزراعية وفتح المدارس، نعم إنها قيامة مطعمة بجرح كبير ولكنها تحققت بعد سنوات من التهجير القاسي. فهل ستبقى قيامة هذه القرى قائمة كقيامة السيد المسيح؟ لا سيما أنه "لم يكن من السهل على المهجرين العراقيين تقبل حقيقة أنهم نازحون، وما بين كفي التهجير القسري والرضوخ للواقع المؤلم، قرر المسيحيون العراقيون العودة الى أرض آبائهم وأجدادهم رغم عدم وجود حماية أو حصانة أمنية من الحكومات المعنية، عادوا لأنهم لاقوا في الكنيسة المرتجى والسفينة الخلاصية القادرة على احتواء محنهم وقساوة ظروفهم.

أما عصارة الألم الموجودة في مضامين كتاب "تراب الغربة" فتبرز جلية من شهادات الحياة التي روت قصص أهالي قرى نينوى والموصل والتي رصدتها الزميلة معماري بالصوت والصورة رغم مشقات الطرقات وخطورة الوضع، رصدتها لأنها أرادت أن تدافع عن قضية الوجود المسيحي الذي بات مهدداً في هذه المنطقة التي تعيش الغليان الإرهابي والتدمير الدامي، رصدتها لتقول: "ان مهنة الإعلام هي رسالة أكثر مما هي مهنة"، رصدتها لتبعث منها رسالة الى ذلك العالم القابع في غيبوته ومصالحه عله يستفيق قبل فوات الأوان. ومن هنا حملت الزميلة معماري عدتها الإعلامية في فصح العام 2018 وتركت عائلتها إسوة بسائر مهماتها الإعلامية في سوريا وسائر المنطقة لتشهد على فجر القيامة الجديد من جهة ولتؤكد أن خشبة الصليب التي رأى فيها الآخرون عاراً وشكاً، هي بالنسبة للمسيحيين خشبة خلاص وفداء.

وعن الصورة المشهدية الأولى التي رافقت الأهالي عند عودتهم لخصتها الزميلة معماري بالقول: "ان الأهالي قد اصيبوا بإحباط كبير لحظة مشاهدة منازلهم مدمرة مصابة بالخلع والتكسير والعبث بكل ذكرياتهم. لكنهم واجهوا الألم بالرجاء رغم الجرح الكبير وأعادوا بناء منازلهم كما يريدون. ويأملون أن يصار الى تغيير في نظام الحكم، وأن تتحقق حقوق المواطن وأن يستتب الأمن لأن إذا ما تفاقمت الأمور ولم تصلح سيغادر المسيحيون مجدداً"، متسائلين: الى متى ستبقى كرامة الانسان المسيحي مسلوبة طالما داعش هزم عسكريا لكنه بقي فكرياً؟

وعلى خط مواز، وبحسب كتاب "تراب الغربة" ان الأهالي عادوا الى أرضهم ولكن الخوف لا زال قائماً، لكن هذا الخوف ليس محصوراً بحسب رأيهم والاكليروس في بلدة دون أخرى، بل هو خوف بات يلف سائر منطقة الشرق الأوسط. وبالتالي عادت العائلات، لأن صليبها وايمانها أقوى من أي تهجير وخوف. لا سيما بعدما باتت الأنفاق التي حفرها تنظيم داعش واستخدمها للوصول الى المركز واأاحياء بات شاهدة اليوم على حقيقة واحدة ان المسيحي العراقي لا ينكسر بل يهزم الإرهاب بايمانه وصليبه. ومن هنا، سطر الأهالي درب آلام المسيح المستوحاة من آلامهم ليعلنوا للعالم كله: "انه كما تألم المسيح وقام. تألم الشعب العراقي وسينهض من تحت الركام وسيبزغ فجر القيامة".

ووسط المشهد المؤلم المحاط بالدمار القاسي والبيوت المدمرة التي تسأل أصحابها عن استكمال عودتهم الى أرضهم، تعمل الكنيسة ومن خلال لجان الإعمار التي تدعمها المنظمات الكنسية بالمساعدة على إعادة إعمار البيوت المدمرة للعائلات العائدة.

أما الخدمات من مياه وكهرباء واستشفاء وتعليم، فكلها مؤمنة رغم الوضع الاقتصادي الصعب، لا سيما ان الأهالي كانوا قد صرفوا أموالهم خلال مرحلة التهجير بعدما اقتلعوا قسراً وهرباً. كما أن هناك العديد من المستمسكات التي تخص أراضي العائلات قد انفقدتو يصار الى حلحلتها كما ان الفلاحين قد عادوا الى زراعة أراضيهم التي احترقت بيد داعش لكن عامل الجفاف هذه السنة قد قلص نسبة المحاصيل الزراعية.

وأشارت الزميلة معماري أيضاً الى ان عودة العائلات شكلت خطوة جريئة من شأنها أن تساعد على عودة العائلات المتبقية التي باتت بيوتها فارغة تنتظر أصحابها لينتشلوا منها الدمار، تنتظر أصحابها ليلملموا ذكرياتهم بها وتاريخهم. لافتة، الى ان التهجير هو أمر صعب لكن إرادة الحياة هي الأقوى وهذا ما لمسناه من عودة العائلات ومن ايمانها الراسخ التي لا تهزه الرياح العاتية. ولكن البيوت المدمرة تسأل أصحابها اليوم: هل ستعودون لترتبطوا بماضيكم أم ستعيشون في انقطاع عن الماضي؟

على خط آخر، دخلت تيلي لوميار الى الأحياء والبيوت التي جعل منها تنظيم "داعش" مقراً له من أجل محاكمة المسيحيين، ودون على جدرانها كلمات وعبارات تؤكد عمله الهمجي الجبان الذي لا دين له. كل شيء فيها مدمر، وإن اختلفت نسبة الدمار والخلع والتكسير. كل واحدة من السيدات لديها قصة ورواية تروي مرارة الألم وعذابات الحياة والضيقات التي عاشتها في مدينة الموصل أو في بلدات نينوى حيث لا أمان ولا استقرار ولا سكينة سوى الجرح الكبير الذي دفع بالأهالي الى المغادرة، والصورة الأليمة للمسنات المتروكات اللواتي لا سند لهن سوى الكنيسة والراهبات. وما يزيد من قساوة الألم، هي حقوق الطفولة التي ضاعت وسط إرهاب داعش، هذا الإرهاب الذي يتذكره كل طفل وترسخ في ذاكرته ولم ينساه ويكفي عندما نسأل كل طفل لماذا تهجرت؟ يجيب: "داعش هجرنا".

وأمام كل ذلك، تقول معماري: "مفردتان تختصران، قيامة المخلص في قرى سهل نينوى والموصل، مفردتان تعبران عن درب آلام وجلجثة طويلة ولكن الجلجثة انتهت بدحرجة حجر الإرهاب والدمار الذي يدمي القلب الى قيامة شعب صمد بوجه هذه الجلجثة ليعلن بشارة الخلاص والفداء من خلال القيامة. وما بين ذكريات أهالي قرى سهل نينوى والموصل مع التهجير وقيامة المخلص، غصة كبيرة يتحدث عنها صوت فيروز الحزين "اليوم علق على خشبة"، هذه الترتيلة الحزينة تسأل: "ألن ينزل المعلق على خشبة؟ ألن يهاجر هو أيضاً؟ الجواب بحسب الأهالي: نعم لقد تألم المسيح على الصليب ومات وقبر وقام في اليوم الثالث. وهذا هو حال أهالي العراق الجريح الذين تهجروا وذاقوا لوعة خشبة الخلاص، واستشهد البعض منهم وغادر البعض الآخر، وضاعت حقوق الطفولة لكن القيامة تحققت انطلاقاً من مقولة: "من يهرب من الصليب، يهرب من القيامة".

نعم، لم تخل فرحة القيامة بالسيد المسيح من عبارات ملؤها الأسى، لم تخل تحرير قرى سهل نينوى من غصة أهاليها الذين لا زالوا يعيشون في مخيم آشتي "السلام" في أربيل - كوردستان وذلك بسبب عدم عودتهم الى قراهم كـ"باطنية" التي لا زالت مدمرة وتحت الركام الدامي وعدم قدرتهم على استئجار بيوت في القرى المحررة والآمنة. فقرروا البقاء في الكرافانات ورضخوا للواقع المعاش.

وللوقوف على أوضاع المهجرين في مخيم آشتي، قامت تيلي لوميار بزيارة تفقدية الى الأهالي فلمست الظروف الصعبة التي يعيشها المهجرون وسط نقص كبير بمستلزمات الحياة لاسيما ان المنظمات الكنسية قد اوقفت مد المهجرين في الكرافانات ببرامج الإغاثة وحولتها الى القرى المحررة من أجل مساعدة العائلات العائدة.

المهجرون لم ينسوا لغة داعش الإرهابية ولا الطريقة التي تهجروا فيها قائلين: "نعم إننا شهداء أحياء، مهجرون بدموع لا تجف، أيتام، أرامل مشردة، هذا هو ما يبقى لنا بعد سنوات من سقوط نينوى والموصل، لم ننس التجاوزات والاعتداءات من الجماعات المسلحة التي أجبرتنا على ترك قرانا وبيوتنا بلغة التهديد والانتقال للعيش في مخيمات وكرافانات، نعم تبهدلنا، انكسرنا، لكننا حافظنا على قيمنا وايماننا ولم نغادر لكننا نريد العودة الى ديارنا لنعيش بكرامة واستقرار".

وإذا ما نظرنا الى أوضاع المهجرين قبل تحرير قرى سهل نينوى والموصل، فنجد ان المسيحيين كانوا أمام خيارين لا ثالث لهما إما البقاء والعودة الى الديار مع توفير حماية دولية وإما الهجرة. أما اليوم فبات لهم خيار واحد هو العودة؟ لكن كيف تتحقق العودة في ظل عدم توفر إمكانيات مادية لاستئجار منازل في القرى الآمنة. كيف السبيل الى ذلك في ظل عدم القدرة على إعادة بناء البيوت المدمرة بالكامل؟ كيف السبيل الى العودة في ظل عدم توفر الحماية الدولية؟ أسئلة تثير قلق من أراد البقاء في الكرافانات.

وما بين المقلبين، عاش الأهالي فرحة القيامة وانهمكوا في تحضير المأكولات والضيافات الشعبية العراقية المستقاة من تراثهم ورفعوا الصلاة قائلين: "نحن أبناء وبنات المسيح مدعوون اليوم للقداسة أكثر من أي وقت مضى، لنكمل مشوار الحياة ولنكون شهوداً للرب بالرغم من التحديات".

وإذا ما أردنا التعقيب على كتاب "تراب الغربة"، لا نستطيع أن نقول سوى انه كنز مسيحي وعصارة ألم كبيرة أرادت أن تظهرها الزميلة معماري بشفافية مرفقة بفيلم وثائقي مصور لتكون هذه العصارة بمثابة رسالة انسانية علها تساهم في زرع بذور السلام انطلاقاً من مقولتها: "إذا أردنا أن نعيش في مجتمع مسالم علينا أن لا نقابل الشر بالشر".