FacebookTwitterGoogle Bookmarks

المشرقية التي انبعثت من رحم الحرب السورية...

12 نيسان/أبريل 2019

بيت نهرين- عن اليوم الثالث: شغل الوجود المسيحي واستمراره في المشرق حيّزاً هاماً في دراسة أوضاع المنطقة ومعالجتها من قبل العديد من الباحثين على مدي السنوات الأخيرة، إذ اعتبرها المجتمع الغربي المنطقة الأخطر لتواجد المسيحيين، ومن هنا تم إلقاء اللوم على المجتمع الدولي لفشله في التعامل مع كل النكبات التي طاولت هذه المنطقة وخصوصا في العقد الأخير.

عندما نتحدث عن المشرقية التي أصبحت مستهدفة بطريقة لا تدع مجالاً للشك، تعلو صيحات الإستنكار لتصف كل من يتحدث عن الموضوع بالتعصب والشوفينية المبالغ فيها بتكريس المشرقية كهوية وقومية جامعة وتبدأ حملات التشهير وتزوير التاريخ لدحض هذا المفهوم لغايات ليس فقط دينية وإنما سياسية لا تخفى على أحد.

ارتباط الطرح المشرقي بالحرب في سوريا

مما لا شك فيه أن الأحداث في سوريا هي التي أضفت على القومية المشرقية محوراً جديداً للتموضع ضمن نسق فكري يستمد قوته من الواقع التاريخي، وقوامه حجم التفاعلات والتداخلات بين مكونات هذا الفضاء الجيوسياسي المشرقي، ومركزية سوريا في وسطه. ولأن أسس هذا المشروع الفكرية ما زالت في إطار التشكل محاولةً طرح رؤية شاملة تستند الى المضامين الدينية المسيحية إن جاز التعبير كما والتاريخية والسياسية الناظمة لهذا المشروع، فإن الأسئلة التي تطرحها بعض التيارات تشكك بهذا الفكر والإنتماء، متبجحة بأن المشروع المشرقي نواة لمشروع قائم على التعصب والتقوقع عن البيئة العربية المحيطة مما يمهد لفصل مشرق هذه الأمة عن باقي أجزائها متشدقة بحجج واهية. أضف الى ذلك الارتياب من العلاقة الاستراتيجة التي رسختها الأحداث بين سوريا كمركز لهذا المشرق، واعتبار المشرقية إطاراً فكرياً مسيحياً جامعاً تجلى عبر التاريخ كما في سنوات الحرب.

ويبدو أن هذه الصيحات التي حاربت المشروع المشرقي عبر تاريخه ولا زالت قد نجحت ولو جزئياً بأهدافها عبر سقوط حالة التعايش في المجتمعات المشرقية عموماً، إضافة الى تنامي الإرهاب التكفيري الديني، الذي أسهم في انحسار الوجود المسيحي انحساراً واضحاً.

أسباب تراجع الحضور المسيحي

وعلى الرغم من وجود أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية تفرض الهجرة على جميع عناصر المجتمع دون استثناء، إلا أن ازدياد الهجرة المسيحية لا يمكن تصنيفها بالقضية السياسية حصراً كما يحلو للبعض التحدث عنها للتغاضي عن الأسباب الدينية الأصولية في جوهرها، فهي لا ترتبط بطبيعة الأنظمة عموماً، ولا يشكّل المسيحيون أي تهديد أمني أو سياسي لأوطانهم بل على العكس تماماً لطالما كانوا عبر تاريخهم النواة الجامعة التي لا تفرق، وليست اقتصادية صرفة فالهجرة تشمل حتى الطبقة الميسورة، وإنما تعود لأسباب مختلفة سوف أحاول تسليط الضوء عليها بايجاز.

أولاً: انعدام منظومة التعايش المشترك القائم على الاحترام والندية بين الطوائف والقوميات والتي تعتبر حجر الأساس للتقارب والمواطنة، وتحالف العديد من الأنظمة العربية مع جماعات الإسلام السياسي، وتبني شرعية دينية في حكم بعض دول المنطقة وخصوصاً بعد "الشتاء" العربي وما شهدته هذه المنطقة من عودة الى راديكاليات إقصائية والتي تجلّت في أسلمة المناهج المدرسية والتشريعات والقوانين، مما أدى الى المساس المباشر بالحقوق المدنية للمسيحيين بما لا يقبل الشك.

ثانياً: الربط التاريخي في المعتقد بين المسيحيين المشرقيين والاستعمار الغربي سواء الصليبي أو الفرنسي وسياساته في المنطقة. إذ كان ولا يزال الدفاع عن حقوق المسيحيين ذريعة للتدخل الغربي عند البعض، هذا الربط الذي من شأنه أن يغذي الكراهية والعداء وينفي عنهم ولاءهم لدولهم ولهويتهم، ويتم نسب ولائهم للغرب وهذه كذبة عقيمة أثبتت عدم مصداقيتها وخصوصاً بعد الأذى الذي طال المسيحيين على أيدي الغرب الداعم للحركات التكفيرية في المنطقة.

ثالثاً: انفجار وتفشي الحركات التكفيرية بشراسة، مما ساهم في إحياء الذاكرة الجمعية الأليمة لمسيحيي المشرق نتيجة تعرضهم للاضطهاد وللإبادة وقتل مئات الآلاف من المواطنين المسيحيين على مدار التاريخ من (مجازر لبنان وسوريا 1860، الى المجازر العثمانية بين عامي 1894 و1896 وكذلك ما يعرف بمجازر أضنة 1908، وكذلك العراق 1933) وما حدث ويحدث اليوم ونشاهده بأم العين مما لا يقبل الشك في مصداقيته. ان هذه الذاكرة الجمعية، وما يتعرض له المسيحيون من تطهير اقصائي كالقتل والسبي والتهجير ودفع الجزية التي رافقت تأسيس الحركات الإرهابية في المنطقة، زادت وتيرة مخاوفهم من التحول هدفاً للإبادة، ولعل الهجرة كانت هي خشبة الخلاص الوحيدة في وسط هذا الأتون المتأجج.

تهجير المسيحيين يضرب التعددية المشرقية

ان تفريغ هذا المشرق، النواة الأولى للمسيحية، من مسيحييه وتحويل وجودهم الى مجرد أطلال، يشكل خطورة كبيرة على صيرورة المشرقية كقومية دينية مسيحية وثقافية فكرية ترتبط بتركيبة هذا المشرق وخصوصيته وتميزه عبر تاريخه وتطرح إشكالية التعايش بين المسيحية كدين والأديان الأخرى، مما يدعم التوظيف الغربي لتسهيل هجرة المسيحيين المشرقيين، ويعزز الصورة النمطية عند البعض بأن التعايش في المشرق مستحيل وفكرة قبول الاخر مرفوضة، وهذا من شأنه أن يغذي الإسلاموفوبيا ويرفع نسبة العداء والكراهية لهذه الجغرافيا وهذا التاريخ، والخطورة الأكبر كونها تنبع من إنعدام الشعور الجمعي لدى البعض بخطر هذه الهجرة على هوية المشرق ذي الصبغة المسيحية.

وهنا لا أتحدث فقط دينياً، لكن انطلاقاً من المشرقية كهوية وكينونة وفقدان مكون أساسي تغذي هذه المجتمعات بثروة التنوع الديني والثقافي وضربها لا يصب في مصلحة هذا النسيج المجتمعي ككل بل يُنهي هذه الهوية "المتميزة والمتنورة".

* ميرنا داوود: أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث".