FacebookTwitterGoogle Bookmarks

لبنان يجمع شتات مسيحيين فرقتهم الحرب

08 آب/أغسطس 2019

بيت نهرين – عن العرب: صامويل بطرس يجمع المسيحيين من لبنان وسوريا والعراق في الدير الواقع في واد ناء في جبال شمال لبنان، كانت آخر مرة تطأ فيها قدم صامويل بطرس أرض دير مار أنطونيوس قزحيا في العام 1978. كان حينها في الرابعة والعشرين من عمره وقد تزوج لتوه وكانت البلاد في غمار حرب أهلية شاملة. ورحل بطرس مثلما رحل كثيرون غيره من أبناء جيله. واستغرقت عودته إلى المكان 41 عاما.

ربما تكون الحرب الأهلية (1975-1990) قد انتهت في لبنان لكن الصراعات متواصلة في دول قريبة مثل سوريا والعراق عصفت بطوائف بأسرها في أماكن عاش فيها المسيحيون جنبا إلى جنب مع المسلمين. وأدى ذلك إلى موجة نزوح بين أبناء الديانتين وخاصة بين طوائف الأقلية، مثل الطائفة السريانية الأرثوذكسية التي ينتمي إليها بطرس، وتمتد جذورها إلى العصور الأولى للمسيحية.

وقد أصبح الدير الذي يقع في واد ناء في جبال شمال لبنان ويرجع تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي ملتقى للمسيحيين الذين فروا من الحرب.

وقال بطرس الممرض اللبناني المقيم في السويد أثناء زيارة للدير في إطار اجتماع كشفي لأبناء الطائفة السريانية يمثل أول تجمع لهم في المنطقة منذ الخمسينات الحرب التي خلفت هذا الدمار الهائل، جعلت جاليات عديدة من العالم تهاجر من لبنان.

وتضم الجمعية الكشفية السريانية الأرثوذكسية حوالي 150 عضوا يعيشون في لبنان والعراق وسوريا ومصر والأردن والأراضي الفلسطينية وغيرها. وقال بطرس إن لبنان كان البلد الوحيد الذي أمكن لهم جميعا التجمع فيه بسهولة وأمان.

ففي العراق تسببت سنوات الصراع، الذي كان أحدث فصوله مع تنظيم الدولة الإسلامية، في محو جانب كبير من التراث المسيحي في مدن قديمة مثل الموصل وسنجار في الشمال. وفي الحرب الأهلية السورية لحقت أضرار بالبعض من أقدم الكنائس في حلب وحمص ومدن أخرى.

ويوشك بطرس، الذي أصبح عمره الآن 65 عاما، على التقاعد في السويد التي استقر فيها منذ سنوات. ولبطرس أولاد وأحفاد لا يعرفون شيئا عن لبنان سوى من خلال الصور. وقال إنه يتمنى أن يزور أولاده وأحفاده لبنان حتى يكون لديهم ما يشدهم إليه بعد وفاته.

في أيام الأحد والعطلات العامة تكون الكنيسة الصغيرة الملحقة بالدير، ببرج جرسها وواجهتها المنحوتين في الصخر، مزدحمة بالناس منهم من يجلس في مقاعدها أو يقف في نهاية قاعتها ذات السقف المقوس.

والدير مكرس للقديس أنطونيوس، وهو راهب يعتقد أنه عاش في الريف المصري في القرن الرابع أو الخامس الميلادي. وقال الأب فادي عماد الذي يتولى إلقاء العظات عن الدير: كان الدير في قزحيا دائما بمثابة مزار.

وتقع قزحيا في قلب واد يعرف باسم وادي القديسين وهو جزء من شبكة أوسع من الأودية تسمى قاديشا لها تاريخ طويل كملاذ يلجأ إليه الرهبان. وفي وقت من الأوقات كان قاديشا موطنا للمئات من الصوامع والكنائس والكهوف والأديرة. ودير مار أنطونيوس هو آخر ما تبقى من هذه الهياكل.

وكان الوادي موطنا لأوائل الموارنة المسيحيين في لبنان الذين كانوا أول أتباع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في الشرق. وقال الأب عماد إن الموارنة والدروز في بعض الأحيان كانوا يلوذون بالجبال للابتعاد عن العائلات السياسية والدينية التي كانوا يختلفون معها، مشيرا إلى تعرض جميع الطوائف في لبنان إلى الاضطهاد.

وأردف قائلا بقلب قزحيا تاريخ عمره 1600 سنة. وهذا التاريخ ليس على ملك أحد.

وتحيط بالدير غابات من أشجار الصنوبر والأرز والبساتين لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال طريق ضيق متعرج. وفي فناء الدير كهف يوقد فيه الزوار الشموع ومتحف يضم أقدم مطبعة في الشرق الأوسط باللغة السريانية القديمة وقاعات للكهنة المقيمين.

ومن الزائرين في الوقت الحاضر سياح أجانب وعرب وسكان محليون بعضهم مسلمون يأتون طلبا للبركة في بعض الأحيان.

وقال الأب عماد إن الدير يشهد أكثر الأوضاع أمنا في تاريخه رغم أنه محاط بدول في حالة حرب أو تعاني من آثار الحرب. وأضاف الآن باتت لدينا ضمانات ليست فقط من قبل الدولة بل حتى من قبل الطوائف اللبنانية الأخرى.

وقبل أن يسافر بطرس ورفاقه اصطفوا لالتقاط صورة أخيرة خارج المبنى وخلفهم الوادي. وابتسم الجميع براياتهم وأوشحتهم الملفوفة حول أعناقهم وهللوا عندما انطلقت دقات الجرس. وأعرب بقوله: لن أنسى هذا اليوم ما حييت، ثم أردف حتى لو نبتعد عن أمهاتنا فسنعود إلى أحضانهن يوما ما كذلك الوطن فهو بمثابة الأم.