FacebookTwitterGoogle Bookmarks

أقدم كنيسة في العراق تلفظ أنفاسها الأخيرة.. تعرف على ما تبقى منها

07 حزيران/يونيو 2018

بيت نهرين- عن وان نيوز: على الرغم من أهمية محافظة كربلاء للمسلمين إذ تضم مرقدي الإمامين الحسين وأخيه العباس نجلا الإمام علي بن أبي طالب أول الأئمة المعصومين، إلا أنها مهمة أيضاً للمسيحين إذ تحتضن هذه المحافظة أقدم الكنائس في العالم والذي يعود تاريخ بنائها الى القرن الخامس الميلادي، تدعى بكنيسة الأقيصر أو القيصر في قضاء عين التمر وعلى مسافة 70 كم من مركز المدينة.

قبل 1500 عام اختار مسيحيون الأوائل صحراء هذه المدينة لبناء كنيسة الأقيصر، والتي أتخذت القدس قبلة لها، وكان هذا الموقع مدينة متكاملة تزخر بالحياة منذ قرون بعيدة، ولم يبقى منها اليوم سوى أطلال تحت تأثير العواصف الرملية.

اكتشافها

اكتشفت هذه الكنيسة أثناء التنقيبات التي أجريت عام 1967-1977، وبعد اكتشافها قام المسيحيون الكلدان بزيارتها سنوياً في فترة أعياد الميلاد لإحياء قداديس فيها. تمتلئ جدران هذه الكنيسة برسوم متعددة للصليب، فضلاً عن كتابات آرامية في جدرانها.

العوامل البيئية عرضت الكنيسة الى التخريب وكذلك اتخاذها هدفاً للتدريب العسكري من قبل نظام حزب البعث، بالإضافة الى عمليات نبش بعد احتلال العراق ألحقت 30 قبراً من القبور التي تعود الى رهبان الكنيسة ورجال دينها، من قبل سراق الآثار كل ذلك ساهم بشكل وبآخر بتخريب هذا المعلم الأثري، الذي هدد بالاندثار نتيجة الإهمال.

 

بنائها المعماري

بُنيت هذه الكنيسة من الطابوق المفخور أو الفرشي، تحتوي على سبعة مداخل متناظرة الأضلع الطولية، وتوزيع هذه المداخل تتميز به الكنيسة العراقية عن البيزنطينية، وتوجد قبة ضخمة في قاعة الطقوس التي كانت دفينة، جدار المذبح الذي يتوسط الجدار الشرقي يحتوي باطنه على زخارف، كما احتوى الضلع الجنوبي من الجزء الشرقي للكنيسة على كوة نافذة احتوت على عقد بيضوي.

ويحيطها سور مبني من الطين وفيها 4 أبراج ويوجد في السور 15 باباً للدخول وهي مقوسة من الأعلى فيما يبلغ طول بناء الكنيسة 16 متراً وعرضها 4 أمتار. وحددت أعمال التنقيب المخطط بالكامل للكنيسة، والآثار التي كشف عنها تعود الى مملكة المناذرة والحيرة وجزء من مستوطنة مشيدة على مساحة نحو 800 دونم مربع.

أهميتها السياحية

لا تقتصر الأهمية السياحية لكنيسة القصير على كونها أثراً تاريخياً فحسب، بل تعتبر معلماً دينياً مهماً للمسيحيين خصوصاً إذا تم إعادة ترميم قبة المذبح وباقي ملحقات الكنيسة وتشجير المنطقة وتعبيد الطريق المؤدي إليها. لكن مما يؤسف له ان عمليات التنقيب والترميم الخاصة بالكنيسة قد توقفت لتوقف التخصيصات المالية الخاصة بذلك.

عضو مجلس محافظة كربلاء سابقاً ورئيس كتلة الحكمة حالياً، حبيب الطرفي، يقول في حديثه لـ(وان نيوز) إن: "لم يتم الاهتمام بكنيسة (الأقيصر) في كربلاء فستندثر، وبذلك ستفقد المحافظة ميزة من وجهها الآخر، ويفقد العراق معلماً تاريخياً وسياحياً مهماً".

ويضيف ان :"الجهات المعنية لديها أولويات، ويبدو ان الكنيسة ليست من أولوياتهم، في الوقت الذي يفترض أن تكون على رأس اهتماماتهم نظراً لأهميتها التاريخية والحضارية".

ووعد (وان نيوز) بالاهتمام شخصياً بالموضوع بقوله: "أنا بدوري سأتصل بالحكومة المحلية للوصول الى حلول وخطط لإنقاذ هذا المعلم، وسأطالب حكومة كربلاء المحلية للقيام بواجبها بشكل كامل".

 

وشدد قائلاً: "ان الآثار ولاسيما آثار الديانات الأخرى شيء مهم جداً، يدل على ان العراق مهبط الديانات القديمة، وان وجود الديانات القديمة يعني وجود حالة من التعايش آنذاك، وتسليط الضوء على هذا الموضوع يكون له إفراز ايجابي على وضعنا الحالي".

ويسترسل: "ان إعادة إعمارها سيضيف مردودات اقتصادية للبلد، وهذا من شأنه أن يقتل أحادية الواردات العراقية، بالإضافة الى خلق نوع جديد للسياحة داخل كربلاء، لاسيما وان الكثيرين من دول العالم سيهتمون بالإطلاع على هذا المعلم الحضاري، وستصبح قبلة يلجئ لها المختصون لمواصلة البحث في الآثار العراقية".

موقف الجهات المعنية

من جانبه أشار رئيس لجنة السياحة والآثار، جاسم المالكي، خلال حديثه سابق له الى ان "هذه الكنيسة تعرضت للكثير من التخريب وخاصة في زمن النظام البائد فقد جعل موقعها لتدريب الجنود ولا زالت آثار الرصاص والقذائف على الجدران وفي موقع الكنيسة وتحتاج الى تأهيل كامل من رفع الركام وإعادة ترميمها وبناء مرافق ترفيهية بجنبها وتعبيد الطريق بالأسفلت وهذا كله ضمن خطة وضعت لإعادة تأهيل كافة الآثار في كربلاء".

وبين ان "هيئة السياحة والآثار لم تخصص الأموال لإعادة تأهيل أي من الآثار في كربلاء وحتى لو خصص لها أموال فإنها لا تكفي ولابد أن يتم تخصيص الأموال لها لإعادة التأهيل".

وأضاف، انه "في السابق كان يقدم إليها الأخوة المسيحيين لإقامة الصلاة في مذبح الكنيسة وحتى في هذا العام قدموا أيضاً وهذا هو التعايش بين كافة الأديان ونحن نرحب بهم دائماً".

 

مواطنون يعلقون

لم يكن يعلم المواطن جاسم خلف، وهو من أهالي محافظة كربلاء بوجود كنيسة في مدينته ويرى ان: "الإعلام العراقي لا يسلط الضوء على هذه الأماكن الأثرية، ومشغول بالقضايا السياسية فقط".

ويضيف لـ(وان نيوز) قائلاً ان: "الإهمال الحكومي المستمر ينهش الكثير من المعالم الأثرية في العراق، وان السكوت عن هذا التهاون سيؤدي الى فقدان العراق معالم كثيرة من شأنها أن تزيد الموارد الاقتصادية للبلد، وان الاهتمام بهذا المعلم قد يزيد من فرصة إدراجها في قائمة التراث العالمي الذي بدوره سيعزز السياحة في العراق".

أما الشاب سعد شاكر يقول "لقد زرت هذه الكنيسة لكن لم أجد سوى بقايا آثار، ونباتات وأوساخ محاطة بجدرانها، وان الكثير منها رخو قد يتهدم في أي لحظة".

ويتابع في حديثه لـ(وان نيوز) ان: "إعادة إعمار هذا المعلم سيزيد من الترابط الأخوي بين المسلمين والمسيحيين، فضلاً عن خلق حالة من التعايش الذي نحتاجه في الوقت الحالي، لاسيما وانها تقع في منطقة ذات غالبية مسلمة". مطالباً وزارة السياحة والآثار إعادة تأهيل هذا الصرح الأثري ليستقطب الأخوة المسيحيين مجدداً.

 

فيما حذر ماجد الخزاعي المدير السابق لهيئة السياحة في كربلاء في وقت سابق من اندثار هذا المعلم إذ قال: "ان العوامل البيئية عرضت الكنيسة الى الكثير من التخريب من خلال ما تعرضت له من كوارث.. ونرى ذلك واضحاً من خلال أبواب الكنيسة التي أغلقت من الخارج بالحجر والجص".

ولفت: "إذا ما بقيت مهملة فان عوامل الزمن قد تعرضها الى الكثير من المشاكل لأن الترميم الصحيح هو السبيل الوحيد لكي تبقى الكنيسة صامدة على أن تعاد قبة المذبح التي سقطت ويعاد ترميم الغرف المهدمة المحيطة بالكنيسة المخصصة للكهنة". مطالباً بحملة لتشجير المكان وجعله أكثر جمالاً.

وحذر: "استمرار الإهمال سيؤدي الى اندثار حتمي للكنيسة، وسنخسر واحدة من المعالم الأثرية المهمة في العراق مثلما نخسر موقعاً سياحياً رائعاً سيأتي إليه آلاف السياح من المسيحيين وغيرهم من كل أرجاء العالم".