FacebookTwitterGoogle Bookmarks

"المسيحيون أصلاء وشهداء، مضطهدون ومهجَرون".. جديد المونسينيور قاشا

09 حزيران/يونيو 2018

بيت نهرين- عن أبونا: أصدر المونسنيور الدكتور بيوس قاشا، راعي كنيسة مار يوسف للسريان الكاثوليك في العاصمة العراقية بغداد، كتاباً جديداً تحت عنوان: "في العراق: المسيحيون أصلاء وشهداء، مضطهدون ومهجّرون"، أبرز فيه أوضاع المسيحيين في العراق، وواكب آلامهم نتيجة الإرهاب والاضهاد سيما خلال السنوات الماضية.

وقال في المقدّمة "المسيحيون هم جزء أصيل من مكونات المجتمع العراقي، ويشكلون عاملاً حيوياً في نسيج مجتمعه المتنوّع، فالى جانب هويتهم المسيحية لهم خصوصيتهم الإثنية والقومية، السريانية والكلدانية والآشورية والأرمنية، وهي هوية نهرينية ظهرت واستمرت على أرض النهرين منذ آلاف السنين حتى يومنا هذا. ويعتز المسيحيون بجذورهم وتاريخهم الموغل بالقدم، والعائد الى الحضارات العريقة للسومريين والأكديين والآشوريين والبابليين، وهم من أوائل الشعوب في المنطقة الذي تقبّلوا المسيحية على أيدي الرسل الأوائل ببشارة القديس توما الرسول. إن تعلّق المسيحية العراقيين بتراثهم ولغتهم السريانية، التي ترتكز قاعدتها العريضة على الآرامية التي تحدث بها يسوع المسيح، لم يقف أمام إنفتاحهم على المجتمعات المحيطة، وعلى تراث وثقافة الشعوب الأخرى العربية والغربية".

وتابع: "قبل أن نخوض بما يتعرض له المسيحيون اليوم، ينبغي أن نشير بشكل مختصر الى أن المسيحيين العراقيين قبل التغيير الذي حصل بعد عام 2003 لم يعيشوا في بحبوحة ورخاء، بل مورست ضدهم خلال الأنظمة المتعاقبة على الحكم بالعراق، منذ تأسيس الدولة العراقية، سياسات شوفينية مختلفة، أدت الى جعلهم أقليّة مستضعفة، فكانوا أولى المجموعات التي تعرضت الى عملية إبادة جماعية بعد تأسيس دول العراق الحديت في سمّيل عام 1933 في العهد الملكي، والتي راح ضحيتها ما يقارب ثلاثة آلاف شخص بينهم نساء وشيوخ وأطفال، ثم جاءت مذبحة صوريّا عام 1969 في عهد البعث، وهو العهد الذي شهد أسوأ الممارسات تجاه المسيحيين، حيث مورست سياسات التغيير الديموغرافي والاستيعاب القسري، وتدمير أكثر من 200 قرية وتهجير سكانها، وهدم عشرات الكنائس التي يعود تاريخها الى القرون الأولى للميلاد في شمال العراق تحت أذرع أمنية وعسكرية، ومصادرة الأرضي، وسياسات التعريب، بالإضافة الى عمليات الأنفال حيث غيّب مئات المسيحيين ودمّر أكثر من 120 قرية مسيحية".

وقال المونسنيور قاشا في مقدمة كتابه: "وبعد 2003 تكرر المشهد على يد الإرهاب والعصابات المسلّحة المنفلتة والخارجة عن القانون حيث يتم إستخدام الدين لتبرير الأعمال الإجرامية التي كلّفت المئات من حياة الأبرساء في مختلف منطاق بغداد والموصل والبصرة وكركوم، والإستيلاء على ممتلكات المسيحيين، مثلما وردن في العديد من كتب ورسائل التهديد التي تلقاها المسيحيون وأيضاً باقي الأقليات غير المسلمة. وقد أفرزت هذه الممارسات نتائج وخيمة على مستقبل الوجود المسيحي في العراق، خاصة في مناطق الجنوب والوسط، فقد خلت أحياء بكاملها من المسيحيين في بغداد بعد أن هجرها أهلها الى الشمال ودول الجوار، وتناقصت أعداد المسيحيين في بغداد الى أقل من 400 ألف بعد أن كانت أكثر من مليون ونصف المليون المسيحي فيها، وفرغت ديالى والرمادي والحبانية من المسيحيين ولم يبقى فيها إلا ما ندر. وإن أغلب الذين نزحوا من بغداد أو الجنوب توجّهوا الى مناطق سهل نينوى ومدن إقليم كوردستان العراق ودول الجوار كمحطات وسط للتهيئة للهجرة الى الخارج".

وتابع: "إن الهجمات التي واجهها المسيحيون والأيزيديون في كانون الأول 2011 في مدن شمال العراق وحرق محلاتهم وفنادقهم ومصالحم من قبل متشددين خيّبت آمال المسيحيين من أنه هل ممكن أن يكون الإقليم الملاذ الآمن لهم، وأصبح التفكير بهجرة الوطن هو الخيار المفروض أمامهم، بالرغم من أنه هو من الخيارات المريرة لهم، إلا أنه يبقى البديل الأفضل بالقياس أمام مواجهة خطر الإرهاب وفقدان الحياة. من المؤسف أن كل ما يتعرض له المسيحيون يوضع على شماعة الإرهالب بكل سهولة، وعلى الرغم من اعتراف مجموعات متطرفة بإقتراف بعضها إلا أن كثير من الأحداث الكبرة التي هي أشبه بعمليات إبادة جماعية لا يعرف من يقف وراءها، وبالرغم من تشكيل لجان تحقيقية فيها إلا أن النتائج بقيت غامضة، وإن أغلب الجرائم سجّلت ضد مجهولين، وغالباً يفلت المجرمون من العقاب".

وعرض المونسنيور قاشا بعضًا من التحديات التي يواجهها مسيحيو العراق اليوم، ومنها: "تنامي الخطاب الديني المتشدد مع وجود ضعف وفقدان لقوة فرض القانون في الدولة، ووجود قوى منفلتة تتحرك في مناطق معينة هي فيها أقوى من الدولة ومن الصعب السيطرة عليها"، إضافة الى "استمرار استحضار الإرث الصليبي والإحتلالات الغربية للشرق من قبل القائمين على الحكم والمتنفذين في كل أزمة، والتي يدفع ثمنها مسيحيو الشرق".

كما أشار الى "بقاء نفاذ القوانين القديمة للأنظمة السابقة والتي تمس غير المسلمين، والتي لم يحصل عليها إصلاح وتغيير مثل: قانون الأحوال الشخصية، وعدم التطبيق الفعلي لمبدأ "لا إكراه في الدين" حيث أسلمة الأطفال القاصرين قسراً حين إشهار أحد الأبوين إسلامه، إضافة الى قوانين توزيع الأراضي التي غايتها إحداث تغيير ديموغرافي في مناطق تواجد الأقليات، وهي العامل الأكثر خطورة في زوال الوجود المسيحي بزوال أراضيهم".

ومن أجل الحفاظ على ما تبقى من الوجود المسيحي في العراق، أورد المونسنيور قاشا عدداً من المتطلبات على الحكومة العراقية، وأبرزها وضع خطة استراتيجية شاملة لطمأنة المسيحيين بوجود إرادة حقيقية من الدولة في الدفاع عن حقوقهم وحماية وجودهم وضمان مشاركتهم بكافة مؤسساتها ودوائرها بما يضمن العدالة والمساواة، وكذلك توفير الأمن والاستقرار، والحدّ من استهداف الأقليات، وإشراكهم في الحياة العامة والأجهزة الأمنية بالآليات التي أشار إليها الدستور، وضمان التمثيل العادل للأقليات في مؤسسات الدولة المختلفة بما يتناسب أعدادعم ودورهم النوعي".

وتابع: "إصلاح القوانين التي تمسّ حقوقهم الإدراية والثقافية والتربوية خاصة فيما يخص قانون الأحوال الشخصية الذي يمسّ الأقليات غير المسلمة، وإصلاح القوانين الجائرة التي صدرت إبان النظام الديكتاتوري السابق فيما يتعلق بالتغيير الديموغرافي لمناطق الأقليات. وإيلاء الاهتمام الكبير في دعم مقومات بقاء الأقليات في مناطقهم وتقليل هجرتهم من خلال تنمية مناطقهم وتطويرها، وإقامة مشاريع إستراتيجية فيها بما يضمن تقليل البطالة وتطوير الواقع الصحي والتعليمي والبيئي".

وشدد كذلك بأن "النصوص الدستورية والقانونية لوحدها لا تكفي، بل يتطلب تنفيذها والإلتزام بها ايمان حقيقي من القائمين على الحكم بها، ولهم الرغبة في تنفيذها، ويملكون قناعة كاملة بمشروعية حقوق الأقليات، واحترامهم القيم الانسانية والأخلاقية والقانونية"، بالإضافة الى "ملاحقة ومحاسبة الجناة وكشف التحقيقات التي قامت بها اللجان في الأحداث الكبيرة التي تعرضت لحياة المسيحيين في العراق، وعدم إعطاء فرصة للمجرمين للإفلات من العقاب، ومحاسبة كل من يثير التمييز والتشويه للمسيحي".

وختم المونسنيور الدكتور بيوس قاشا مقدّمة كتابه الجديد بالقول: "في ظل فقدان المسيحيين قوتهم الإقتصادية والعلمية وأدوات مقومات تميزّهم في العراق، يبقى خيار بقائهم في العراق خياراً عربياً وإسلامياً، لأن ذلك يقترن بإرادة الغالبية وليس بإرادة المسيحيين الذين لا حول لهم ولا قوة. فإذا كانت للغالبية الرغبة والإرادة في بقائهم ينبغي التفكير في توفير الحماية ووضع الخطط لتحقيقها، أما في حالة العكس، فإن الدعوات التي تأتي من الغالبية لضرورة بقاء المسيحيين والتشبّث بالأرض والوطن تبقى دعوات لا معنى لها، ولا يمكن إعتبارها إلا لذّر الرماد في العيون".