FacebookTwitterGoogle Bookmarks

مبادرة في رمضان تجمع المسلمين والمسيحيين لإحياء كنيسة تاريخيّة

09 حزيران/يونيو 2018

بيت نهرين- عن المونيتور: نظّمت كنائس محلّيّة عراقيّة زيارة في 25 أيّار/مايو لعدد من المسيحيّين في بغداد، الى كنيسة كوخي التاريخيّة التي تعود الى القرن الأوّل الميلاديّ، والتي لم يستطع المسيحيّون زيارتها في العشرين سنة الماضية بسبب تدهور الوضع الأمنيّ في بغداد.

وفي المقابل، نظّم السكّان المسلمون في المنطقة المحيطة بكنيسة كوخي غداء للمسيحيّين أثناء زيارتهم الى الكنيسة التاريخيّة.

وانتهى التجمّع المسيحيّ– الإسلاميّ الى إطلاق مبادرة لإحياء هذه الكنيسة التاريخيّة، حسب ما كشف راعي كنيسة مار كوركيس الكلدانيّة الأب ميسّر المخلّصيّ لـ"المونيتور". إنّ المبادرة لإحياء هذه الكنيسة التي تقع على بعد 35 كم جنوب بغداد في منطقة المدائن، تلقي الضوء على روحيّة جديدة لرمضان يمكنها أن تجمع المسلمين والمسيحيّين بعدما فرّقتهم فظاعات تنظيم "داعش" والعنف خلال السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، أشرف الأب ميسّر على تنظيم فطور للصائمين من المسلمين في كنيسته (كنيسة مار كوركيس) في 27 أيّار/مايو كتعبير عن مشترك ايمانيّ بين المسلمين والمسيحيّين ينطوي على رسالة محبّة.

ويعلّق الأب ميسّر على هذه المبادرة بالقول إنّها "لم تكن ردّاً على المبادرة الأولى، بل انطلقت من الايمان الذي يجمع العراقيّين بطوائفهم كافّة، وربّما يكون إحياء هذه الكنيسة نقطة انطلاق جديدة تجمع المسلمين والمسيحيّين معاً في شهر رمضان المقدّس عند المسلمين".

أمّا الشيخ سعد ثابت الجبّوري، وهو أبرز زعماء العشائر في المنطقة التي تقع فيها الكنيسة، فقد قام بالإشراف على مبادرة لاستقبال الزوّار المسيحيّين وتنظيم غداء جماعيّ لهم من السمك المسكوف (السمك المشوي على الطريقة الشعبيّة العراقيّة). وبرّر الجبّوري دعم المبادرة من قبل سكّان المنطقة المسلمين بأنّها "تتضمّن رسالة ايجابيّة على أنّ المنطقة تشهد استقراراً وأنّ ما دمّره الإرهاب يمكن بناؤه، سواء تعلّق الأمر بالمباني أم بالعلاقات الاجتماعيّة بين الطوائف الدينيّة العراقيّة". وأضاف الجبّوري الذي تعرّض منزله سابقاً الى التفجير من قبل إرهابيّين أنّ "ما فعلته أقلّيّة من الإرهابيّين لا يمكن تعميمه على جميع سكّان المنطقة، وأنّ شهر رمضان المقدّس عند المسلمين سيكون نقطة انطلاق جديدة لجمع المسلمين والمسيحيّين على تحقيق أهداف مشتركة، ومنها إحياء أهمية الكنيسة التاريخيّة".

وكان مؤسس مركز الدراسات المشرقية في كنيسة الروم الكاثوليك في بغداد ومديره الأب منصور المخلّصيّ قد اصطحب الزوّار المسيحيّين في رحلتهم الى كنيسة كوخي عبر مناطق عانت من الدمار والعنف خلال السنوات العشر الماضية. مضت السيّارات بموازاة سور ساليق الذي يعود الى القرن الأوّل الميلاديّ وسط ثكنات عسكريّة تعود الى الجيش العراقيّ الذي كثّف نقاط الحراسة لضبط العنف في هذه المنطقة. وأوضح الأب منصور وهو يشرح للزوّار عن الموقع الحاليّ للكنيسة في تلّ قصر بنت القاضي، أنّ "اكتشافها قد تمّ من قبل بعثة أثريّة ألمانيّة نحو عام 1929، وما تزال آثار عمليّة تنقيبهم بادية للعيان، وفي المكان نفسه، وعلى مستوى أعمق، توجد آثار كنيسة أخرى أصغر وأعمق مبنيّة على النمط نفسه يمكن إجراء حفريّات لاكتشافها أيضاً".

كتب عن أهميّة هذه الكنيسة التاريخيّة (كنيسة كوخي) لاهوتيّون مسيحيّون عراقيّون مثل الأب يوسف حبي والأب البير أبونا، إلا أنّ كتاباتهم لم تتحوّل الى خطّة عمل لإحياء الكنيسة وإطلاقها كمركز روحيّ مسيحيّ عالميّ، لكنّ الأب منصور المخلّصيّ يحدوه أمل بأن تستعيد هذه الكنيسة أهمّيّتها الروحيّة لمسيحيّي العراق والعالم، فالكنيسة كانت المقرّ البطريركيّ لكنيسة المشرق، ودفن فيها 24 بطريركاً، ومن هنا أهمّيّتها الروحيّة للمسيحيّة والمسيحيّين، فقد "كان المرجع الروحيّ الأكبر لكنيسة المشرق يحكم مسيحيّي العالم القديم من هذا المكان النائي، ومنه انطلقت المسيحيّة لتغزو آسيا، ووصلت الى الصين والهند" على حدّ تعبير الأب منصور.

وعلى صعيد ذي صلة، يرى الآثاريّ العراقيّ ومدير إدارة الآثار في محافظة ذي قار بين عامي 2003 و2010 عبد الأمير الحمداني أنّ هذه المبادرة مهمّة وتستحقّ الدعم في سبيل "إعادة تأهيل الكنيسة وملحقاتها وترميمها، خصوصاً أنّ أسسها المبنيّة بالآجر ما زالت قائمة، كي تصبح مثالاً وأنموذجاً للتعايش السلميّ بين أديان الشعب العراقيّ وثقافاته ومكوّناته. ويضيف في حديثه الى "المونيتور" أنّ "من شأن هذا العمل أن يسهم بالتأكيد، في تعزيز الشعور بالهويّة الوطنيّة الرافدينيّة التي يمكن للجميع أن يستظلّ بها. فلا يمكن الحديث عن عودة المكوّنات الأصيلة للعراق من دون رعاية التراث الثقافيّ لها، وتقديم إشارات واضحة على احترام ثقافة المكوّنات".

ويتّفق مدير مكتب رئيس ديوان أوقاف الديانات المسيحيّة والإيزيديّة والصابئة المندائية في جمهوريّة العراق هاني قسطو مع رؤية الحمداني، ويضيف أنّه على الرغم من أنّ الأوقاف المسيحيّة ليست لها مسؤوليّة مباشرة على هذه المنطقة من حيث أنّها من اختصاص دائرة الآثار في وزارة الثقافة العراقيّة، إلا أنّ هذا لم يمنع من أن يعمل الديوان لإحياء هذا المعلم الأثريّ وإبراز أهمّيّته بالنسبة الى المسيحيّين، وهناك بداية تنسيق بين الديوان ووزارة الثقافة من أجل تطوير خطط للمنطقة تعود بفائدتها على سكّان المنطقة واقتصاد البلد في شكل عام.

وتتضمّن المبادرة رسالة مهمّة الى الحكومة العراقيّة حول أهمية هذا التراث القديم بوصفه مصدراً لثروة دائمة، إذ أنّ تنظيم الرحلات على نحو منهجيّ ودوامها وإعادة بناء البنية التحتيّة للمنطقة واستثمار مزيد من الأموال في تطويرها، سيجعل منها مقصداً للسياحة الدينيّة ليس للمسيحيّين العراقيّين فحسب، بل لجميع مسيحيّي المنطقة والعالم بوصفها أحد أقدم الأماكن التراثيّة الدينيّة للمسيحيّين في العالم، كما أنّ ذلك سيفسح المجال أمام المسيحيّين للتواصل مع هويّتهم وتراثهم الدينيّ وذاكرتهم بعدما تعرّض هذا التراث الى تدمير منهجيّ من قبل تنظيم "داعش".

وأخيراً، تظهر المبادرة أهمّيّة المناسبات الدينيّة مثل شهر رمضان لتعزيز التعاون المشترك بين المسلمين والمسيحيّين، لتوفير إمكانات العيش المشترك في فترة ما بعد "داعش".