FacebookTwitterGoogle Bookmarks

مسيحيو الشرق السوري بحاجة لسلطة الدولة السورية المركزية

06 أيلول/سبتمبر 2018

بيت نهرين- عن اليوم الثالث: ما جرى مؤخراً في الجزيرة السورية شرق الفرات من استهدافٍ للمدارس المسيحية، الخاصة أو التابعة للمؤسسات الدينية المسيحية، يدخل من ضمن مسلسلٍ واسع من استهداف المسيحيين ووجودهم في الشرق، وليس فقط في سوريا، ولا يمكن وضعه بتاتاً كما صوّره البعض، خلافاً تربوياً أو إدارياً أو تنظيمياً بين سلطة الأمر الواقع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) أو "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد) من جهة، وبين المدارس المسيحية من جهة أخرى، بل يمثّل مرحلة أساسية ورئيسة في استهداف الثقافة المسيحية في الشرق، كدين أو كعلم أو كنظام حياة.

استهداف الثقافة المسيحية في شرق سوريا

ما كشفته السيدة صوروخان مديرة التربية في الحسكة السورية مؤخراً، حول ظاهرة إغلاق المدارس المسيحية في تحقيق نشره "اليوم الثالث" (راجع تحقيق سركيس قصارجيان على الموقع في 2018/8/30)، يعطي فكرة عن حجم التحدي وحساسيته الذي تعيشه الثقافة المسيحية في شرق الفرات. فإقدام ما يسمى بالإدارة الذاتية الكردية على إقفال 35 مدرسة للحلقتين الاولى والثانية، يمثِّل كارثةً كبرى، ليس فقط على صعيد النظام التربوي والأكاديمي وحتى المهني، إنما على صعيد الثقافة المسيحية التي تجذّرت وانتشرت وثبتت عبر التاريخ بشكل أساسي بفضل تلك المدارس.

وانطلاقاً مما كشفته السيدة صوروخان، التي أشارت الى أن ما بقيت عاملة من تلك المدارس المسيحية، هي فقط تلك الموجودة في مناطق سيطرة الحكومة السورية، والتي لا تتجاوز نسبتها الخمسة في المئة من مساحة الجزيرة شرق الفرات، وهنا بيت القصيد في إشكالية الموضوع، يطرح السؤال التالي: هل من قدرة للمدارس المسيحية على الثبات ومواجهة التحديات في شرق سوريا بغياب سلطة فاعلة للدولة المركزية؟؟

ربما السؤال الذي يطرح نفسه من باب واسع وشامل وهو: هل من إمكانية لاستمرار المؤسسات المدنية، التجارية، الثقافية أو التعليمية بشكل عام، وليس فقط التربوية المسيحية، بغياب السلطة المركزية؟

قد تكون هذه المشكلة التي ظهرت مؤخراً في الشرق السوري، لناحية محاولة إقفال جميع المدارس المسيحية، جرس إنذار حساس وخطر، يجب أن يتنبه له الجميع وخاصة المسيحيين في الشرق السوري، بمختلف توجهاتهم السياسية والمذهبية، أو حتى بمختلف تموضعاتهم السياسية الحالية، أي من هم ضد النظام أو من هم مع النظام، لأن الموضوع لم يعد موضوعاً تقنياً يتعلق بتغيير مناهج أو ما شابه.

فالأكراد بأغلبهم كانوا سابقاً يُرسلون أبناءهم للتعليم في المدارس المسيحية في تلك المنطقة، وهم بذلك يعترفون بمستوى وبمهنية المناهج التعليمية في تلك المدارس، ومن لا يفعل ذلك منهم اليوم، وأقدم على توجيه أبنائه للتعلم في مدارسهم الكردية الخاصة، فذلك لأسباب أمنية أو لأسباب ارتباط هؤلاء الأهالي بعمل أو بتنظيم كردي (حزبي أو مهني) معين، وذلك استناداً لما أشارت به السيدة صوروخان.

الموضوع لا يختلف بخطورته عن المجازر أو الإستهداف الجسدي أو الإرغام على النزوح، والذي مارسه تنظيم داعش الإرهابي قبل تحرير القسم الأكبر من الشرق السوري منه، لا بل ربما يعتبر عملاً أقسى وأشد تأثيراً وخطورة من ممارسات داعش، ولذلك لناحية امتداده الثقافي والديني والوجودي مستقبلاً.

إخراج المسيحيين من شرق سوريا والتواطؤ الأميركي

الموضوع وبكل صراحة، تكمن خطورته في أنه يهدف الى إخراج الثقافة المسيحية من سوريا، وبالتالي من الشرق، والتي هي أقوى وأكثر امتداداً عبر التاريخ من الوجود الرسمي أو الإداري أو المدني المتعلق بالمؤسسات والمدن والمجتمع والتجارة...

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: ما هو موقف قوى الأمر الواقع من الممارسات الكردية بحق الثقافة المسيحية، أي الأميركيين الذين يحتلّون الشرق السوري؟ وهل هم غافلون عن تلك الممارسات وغير منتبهين لها؟

طبعاً هم غير غافلين، لأنهم يمسكون بكامل مفاصل الأمن والسياسة والإدارة والإستعلام في الشرق السوري، والإدارة الذاتية الكردية مرتهنة بالكامل لسياستهم ولتوجههاتهم. وهنا تكمن الخطورة أيضاً، في التواطؤ الأميركي المؤدي الى إفراغ الثقافة المسيحية في الشرق السوري من نواتها الأساسية أو من لبنتها الرئيسة، والتي هي المدارس ومناهجها الممتدة عبر التاريخ، والسبب لا يمكن إبعاده عن العمل في مخطط يخدم اسرائيل واستراتيجيتها الواسعة الشاملة، والتي هي إضعاف الوجود المسيحي في االشرق، والعمل شيئاً فشيئاً على اضمحلاله، وبالتالي قتل التنوع والإختلاف الحضاري والثقافي، وذلك لمصلحة مشروع اسرائيل العنصري، والذي ظهرت بعض بوادره في قانون يهودية دولة اسرائيل.

دور الدولة السورية

وأخيراً، لا يبدو أنَّ هناك قدرة للمسيحيين في الشرق السوري على مواجهة التحديات التي تستهدف ثقافتهم ومدارسهم وحتى وجودهم في الشرق السوري بمعزل عن سلطة الدولة السورية المركزية الشرعية، والتي تبقى مسؤولة عن حماية الأقليات وغير الأقليات في كامل تنوعاتهم واختلافاتهم، وتحت سقف القانون وحقوق المواطن، وتبقى المشاريع التقسيمية والإنفصالية، بمعزل عن مضمونها (صوابيتها أو عدم صوابتها)، مشروع مشكلة وخطر داهم على الوجود المسيحي.

وهذا بكل الأحوال لا يمكن أن يعفي السلطة المركزية الرسمية السورية -طبعاً بعد أن تستعيد سيطرتها وسلطتها على الشرق السوري- من وجوب تحمل مسؤولياتها لناحية العمل على تشريع وتحديث القوانين التي تصون وتحمي كل ما يمكن أن يؤمن استمرارية ثبات وتجذر المسيحيين في الشرق السوري، لأنهم نواة ومحور الوجود المسيحي في الشرق.

* شارل أبي نادر؛ عميد متقاعد من الجيش اللبناني وخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية.