FacebookTwitterGoogle Bookmarks

السريان في تركيا: كنائسنا تحولت الى مساجد

07 أيلول/سبتمبر 2018

السريان تحولوا من أصحاب الأرض الى أقلية من أجل الذود عن ثقافتها

تاريخ السريان مرادف لتاريخ الاضطهاد الذي تعرضوا له، والحديث عن التسامح مع الأقليات يعد نوعاً من الاستخفاف بالعقول.

بيت نهرين- عن العرب: بقدر قدم وعراقة وجود السريان في المشرق العربي، وفي بلاد ما بين النهرين تحديداً، بقدر امتداد تاريخ اضطهادهم، فالسريان الذين يعتبرون من أقدم الشعوب التي اعتنقت المسيحية في العالم، تعاقبت عليهم المذابح والمجازر والتهجير بتعاقب الحضارات على المنطقة. السريان في تركيا تعرضوا الى المذابح والتهجير بين 1914 و1919، ولم يسعفهم تحول تركيا الى دولة علمانية في العام 1924، بل تواصلت معاملتهم بوصفهم أقلية. وتواصل الأمر في حكم حزب العدالة والتنمية مع تواصل الضغوط ومصادرة الأملاك والأراضي والتهجير والأسلمة.

تجمع ممثلون عن المجتمعات الدينية التركية غير المسلمة خلال هذا الصيف في إسطنبول لتوقيع بيان مشترك يُنكر أن تكون الأقليات تتعرض لأي ضغوط في البلاد. وفضلاً عن الزعماء الدينيين من المجتمعات اليهودية والأرمنية واليونانية، كان أورهان تشانلي -وهو بطريرك الكنيسة الكاثوليكية السريانية في تركيا- من بين الموقعين على البيان.

وعندما أجرى موقع أحوال تركية مقابلة مع رئيس اتحاد الجمعيات السريانية إفجيل توركار في مدينة ماردين جنوب شرق تركيا، كانت لديه رسالة مختلفة كثيراً.

قال توركار "أختلف تماماً مع البيان. الجمعية السريانية في إسطنبول تدعي أنها تشعر بالارتياح، لكنهم بحاجة لزيارة ماردين. هنا يجري الاستيلاء على ممتلكاتنا. قد تكون الحكومة لا تستهدفنا بشكل شخصي، لكن الاستيلاء على أصول مؤسساتنا ما زال يشكل ضغطاً كبيراً علينا. حقيقة إن الجمعيات في ماردين ومديات وإيدل والتي لم توقّع على هذا الإعلان تُظهر أننا لدينا مشكلة هنا".

عاش السريان في منطقة بلاد الرافدين، التي تضم جنوب شرق تركيا، على مدى خمسة آلاف سنة. ويقول توركار إن "تاريخ السريان في هذه الأرض يمتد الى حقبة الإمبراطورية الأكدية.. بعد ميلاد المسيحية، كان السريان من بين أوائل الناس الذي قبلوا بالدين الجديد. وبعد اعتناقهم هذه الديانة، نشروها أولاً في هذه المنطقة، ثم توسعوا في نشرها باتجاه الشرق الأقصى". وللأسف يمتد تاريخ اضطهاد السريان هناك أيضاً. "فالحروب الصليبية ألحقت الكثير من الأذى بالسريان. بدأ المسلمون في المنطقة بالحط من قدر السريان، الذين كانوا يتعرضون لضغوط ومذابح بشكل مستمر".

وفي مواجهة هذا الاضطهاد، كافح السريان من أجل الحفاظ على ثقافتهم وحمايتها. "على مدى 280 عاماً، حافظ السريان على مملكة لهم في أورفة؛ لكن اليوم لا يُنطق إسمنا حتى في المدينة. كنائسنا في أورفة تحولت الى مساجد أو مستودعات للتخزين. مسجد خليل الرحمن في باليكليغول هو في واقع الأمر كنيسة مريم العذراء. وبرج الناقوس القديم مازال سليما لم يُمَس الى اليوم". وأضاف توركار أن الزعماء الأتراك كانوا متواطئين أيضاً في أعمال الاضطهاد تلك، خاصة في نهاية الدولة العثمانية.

وعلى الرغم من أن السريان كانوا يُستَهدفون في مناطق بعينها طوال معظم تاريخهم، فنادراً ما كان الاضطهاد يؤثر على السكان بأكملهم. لكن هذا تغير في العام 1915 "كانت الإبادة الجماعية في العام 1915 المذبحة الأكثر مأساوية بين ما عانيناه. بدأت المذبحة بالأرمن وانتهت بالسريان. لقد غيرت ديموغرافية المنطقة ودمرت ثلثي عدد سكاننا. لقد مُحي السريان من على وجه الأرض في أجزاء كبيرة من المنطقة. لم تكن أجسادهم فقط هي ضحية الإبادة، وإنما ثقافتهم أيضاً". وبالنظر الى التاريخ الثري للشعب السرياني، يرى توركار أن الحديث عن التسامح مع الأقليات يعد نوعاً من الاستخفاف بالعقول.

يقول توركار "لقد حطوا من شأننا وقلصوا عددنا حتى صرنا أقلية. هذا مصطلح مؤذ. مازلنا نعاني من صدمة عام 1915، لأن هذه الإبادة الجماعية محتنا من على وجه الأرض التي كنا نسكنها في يوم من الأيام. والآن نحن خاضعون للتسامح. التسامح كلمة مُهينة في واقع الأمر… السريان من أقدم سكان هذه الأرض، ولقد أهدوا العالم حضارة عظيمة وهم الآن ممنونون ومدينون بالفضل لهذا التسامح. ما الذي تقوله تلك الكلمة في الواقع ‘أنتم قلة ونحن نحسن لكم’".

كما استهدفت السريان محاولاتُ ضم المسيحيين في تركيا خلال الأسلمة القسرية. ففي عام 1915، أجبر الكثير من الأسر على اعتناق العادات الإسلامية، وكانت الفتيات يُختطفن وتجري تربيتهن كمسلمات متدينات.

وبسبب هذه الضغوط الكبيرة، فضلاً عن الضرائب التي فرضتها الحكومة لاستهداف غير المسلمين، فر الكثير من السريان هرباً من البلاد. يقول توركار إن كل السريان الذين يعيشون في مدينة الحسكة السورية اليوم تقريباً هم من الأسر التي فرت من ماردين وضواحيها، لتعيش تحت الحماية الفرنسية. والكثير منهم يفرون الآن من تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من التنظيمات الجهادية وينتقلون الى أوروبا. ويعيش نحو ثلاثة آلاف سرياني في أوروبا، معظمهم ينحدرون من تركيا. أمضى توركار نفسه 24 عاماً في الخارج، ويقول إن تجربة العيش بعيداً عن الوطن كانت مؤلمة جداً.

"لا أحد يريد أن يرحل عن أرضه. يقول الناس إن الهجرة كانت نتاجاً للمشاكل الاقتصادية؛ لكن السريان صناعٌ مَهَرة، والسبب الحقيقي في هجرتهم هي المصاعب التي كان عليهم أن يتحملوها. وقد اضطرت السياسات القومية للحكومة الجمهورية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى السريانَ الى الرحيل".

ولد الأمل لدى السريان في العام 2013 عندما بدأت الحكومة التركية عملية سلام مع الأكراد في المنطقة، حتى إن الكثيرين عادوا الى تركيا وأعادوا بناء بلداتهم. لكن تجدد القتال بين القوات التركية والكردية في صيف عام 2015، فضلاً عن حالة الطوارئ التي أُعلنت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، جددت المخاوف من العودة.

"في وجود حالة الطوارئ، لا يمكن لأحد أن يعبر عن أفكاره وآرائه بحرية.. إحدى القضايا التي تثير قلقنا على وجه الخصوص هي قضية الاستيلاء على ممتلكات السريان. وعلى الرغم من أنه كان واضحاً أن الكيانات الخاصة كانت لديها مطالبات بالملكية، تعاملت الحكومة مع الأصول كما لو كان ليس لها صاحب، وجرى تحويل ملكيتها الى وزارة الشؤون الدينية والخزانة.. أُعيدت بعض الممتلكات التي كانت قد صُودرت، لكن بعض تلك الممتلكات مازالت خاضعة لسيطرة الحكومة". بيد أن توركار مازال عنده أملٌ في المستقبل.

ويحدو توركار الأمل في إمكانية إطلاق عملية سلام جديدة، بحيث تصبح العملية الديمقراطية ممكنة من جديد. وبعد ميلاد أجيال منذ أن أُجبر أسلافهم على التخلي عن ثقافتهم، يلتمس اليوم أحفاد السريان الذين خضعوا للأسلمة مساعدة توركار لكي يعودوا الى جذورهم. "حالما يتقرب أحد لنا، يصبح من الصعب عليه العودة. ولوهلة يقول أنا سرياني وأريد أن أكون مسيحيا. يقطع علاقته بمجتمعه الحالي وليس لديه أي ضمانات لقبوله في مجتمعه الجديد". لكنه أوضح أيضاً أن خلفياتهم لم تعد تهم كثيراً.

أضاف "ما يهم هو أن يمثل الناس الوحدة والأخوة بين الشعوب التي تعيش على هذه الأرض؛ أن يحموا الإرث الثقافي الذي تركه السريان وغيرهم من الشعوب. هذه الأراضي تنتمي للسريان والأرمن والأكراد، وكل الناس الذين يعيشون هنا. ما يهم هو أنهم يستطيعون العيش سويا في عدل وألفة".