FacebookTwitterGoogle Bookmarks

مخاوف المسيحيين من "القانون 16": لا انفصال عن النظام

09 تشرين1/أكتوير 2018

بيت نهرين- عن المدن: بخلاف بعض الدعوات النادرة في "فايسبوك" للثورة ضد رئيس النظام السوري بشار الأسد، لا يمكن القول إن الغضب لدى مسيحيي سوريا من المرسوم التشريعي رقم 16 الخاص بوزارة الأوقاف، بلغ حد الانفصال عن النظام، لأن المرسوم، حسب المناقشات الدائرة في صفحات مسيحية، يشكل انقلاباً على النظام نفسه، بإعطاء سلطات واسعة لوزير الأوقاف "السني" بدلاً من الرئيس "العلوي".

وكان واضحاً مقدار الخوف السائد في الصفحات المسيحية في "فايسبوك" و"تويتر" منذ أواخر الشهر الماضي، مع غياب المواقف المسيحية الرسمية، وهو الخوف الوجودي نفسه الذي خلقه النظام واستخدمه كي يروج لنفسه دبلوماسياً وإعلامياً بوصفه حامي المسيحيين في سوريا والمشرق. وإذا كان الخوف نفسه موجوداً طوال عقود سابقة ضمنياً، إلا أنه بدأ يأخذ شكلاً جديداً اليوم، بانقسامه الى خوف من المسلمين السنة، حسب الدعاية الرسمية، والى خوف جديد من الدولة العلوية "الجديدة" التي تسعى لأسلمة سوريا على "الطريقة السعودية".

وقدمت الإعلامية الموالية للنظام ماغي خزام، مقطع فيديو غاضباً من القانون، دعت فيه للثورة من أجل حماية "سوريا العلمانية"، إلا أن خطابها قائم على خيبة الأمل فقط، بعد تبدد فكرة حماية النظام الأسدي للمسيحيين وبقية الأقليات في البلاد من "وحشية" السنة و"الدواعش"!، ورغم الغضب في حديثها من الأسد إلا أن المبررات بقيت قائمة في المضمون نفسه، لأنه "قد يكون مجبراً" على "أسلمة" سوريا بسبب ضغوط من دولة حليفة، هي ايران.

ورغم أن الحديث عن ثورة ثانية ضد النظام بسبب قانون الأوقاف تبدو هزلية، لأن الشعب السوري قام بتلك الثورة أصلاً، من أجل الحرية والديموقراطية العام 2011، إلا أن كلام خزام، الذي تكرر في منشورات وتعليقات كثيرة، يشير الى مدى الملل الذي أصاب الأقليات من المتاجرة بهم دبلوماسياً وإعلامياً خلال السنوات الماضية، قبل صدمتهم بالمشروع الذي يعطي امتيازات جديدة للسنة، عبر وزارة الأوقاف، تتنافى مع وقوفهم الى جانب "الدولة السورية" وما كانوا يأملون الحصول عليه من حريات أكبر بعد الوقوف الى جانب النظام.

وكان الخوف نفسه الدافع لصفحات مسيحية متعددة، لضخ خطاب مضاد، يقوم على دعم الرئيس "العلوي" ضد الإرهابين السنة "الذين يريدون فرض الجزية على المسيحيين"، وهنا تصبح الثورة السورية مجدداً هي "الشر المهدد للأقليات"، بوصفها "ثورة سنية تسعى للخلافة الإسلامية"، رغم أنها أساساً كانت ثورة بشعارات ديموقراطية ومدنية. ويصبح وزير الأوقاف عبد الستار السيد لا الأسد، هو أصل المشكلة، بوصفه "سنياً".

وهنا لا يرى الشق الثاني من المسيحيين الغاضبين في مواقع التواصل، المعارضين السوريين كمطالبين بالعلمانية، بل ينظرون إليهم كخونة أوصلوا البلاد الى الدرجة التي يمكن فيها إصدار قانون كالمرسوم 16، وتقع عليهم فقط مسؤولية انهيار العقد الاجتماعي القديم في سوريا الأسد، ومن هنا يزداد التصاقهم بالنظام القديم، أكثر، وكأنهم لا يدركون أن النظام نفسه تجدد ولم يعد نسخة مماثلة لما كان عليه قبل 8 سنوات.

بالتالي، ما نجح المرسوم 16 في كشفه، هو حقيقة الطائفية التي بنيت عليها "سوريا الأسد"، بعكس الوهم الشائع على أنها دولة علمانية. حيث قام النظام على تحالفات دقيقة بين العلويين ومفاصل الطائفة السنية من الشخصيات الأكثر تأثيراً وتحديداً طبقة التجار في دمشق وحلب على سبيل المثال، فيما باتت الدولة تروج لنفسها على أنها تحمي بعض الأقليات بإعطائهم "امتيازات" مقابل تهميشهم لأقليات أخرى كالأكراد، لكن النزعة القومية الخاصة بالنظام البعثي تلعب دوراً مهماً في تحديد تلك الفروقات، مع الإشارة الى أن القيادات الدينية المسيحية جزء من تلك التركيبة السلطوية، ما يبرر سكوتها اليوم، وهو ما أشارت له خزام ومعلقون أخرون.

والحال أن النظام كرس طوال سنوات حكمه للبلاد، شعوراً لدى المسيحيين بأنهم طائفة ذات امتيازات خاصة. فباستثناء بعض القرارات المجحفة التي طالتهم كالاستيلاء على المدارس الخاصة العام 1967 في حلب وغيرها، ضَمن النظام لهم امتيازات، هي في الأصل حقوق، بعكس طوائف ومذاهب أخرى، مثل حرية العبادة والاحتفالات الدينية واستمرار نشاط المنظمات شبه الأهلية الملحقة بالكنيسة كالأخويات وأفواج الكشافة، وتعامل النظام مع المسيحيين باعتبارهم جماعات لا أفراداً، وهو أمر مألوف لدى الأنظمة الشمولية حيث يستمد الفرد نقاط قوته من انتمائه الى الجماعة، لا من اعتباره مواطناً في دولة تحترم مفهوم المواطنة، فضلاً عن غضّ النظر عن بعض الأنشطة كالكشاف المسيحي التابع للكنائس، بعكس الأنشطة المماثلة لدى بقية الطوائف والأديان في البلاد، والتي تكفلت بها منظمات الطلائع والشبيبة التابعة لحزب البعث، عبر تجربة المخيمات العسكرية.

 

واليوم عاد المسيحيون في البلاد للشعور بأنهم مهددون، فأعادوا نشر الإحصائيات التي تبين انخفاض أعداد المسيحيين في الشرق، وحذروا من إفراغ البلاد من الأقليات لصالح "الدواعش". لكن تلك الدعوات لم تبلغ مستوى المطالبة بالدولة العلمانية، إلا شكلياً، لأنها في الواقع تبحث عن الأمان الذي كانت توفره الدولة القديمة، التي توقفت بالفعل عن الوجود منذ العام 2011، مع انقسام البلاد الى كانتونات طائفية متصارعة.

ولعل الرد الأمثل على أكذوبة عصر الأنوار البعثي، هي مقاطع الفيديو المتداولة للأسد شخصياً، وهو يقول لكبار علماء الملسمين "السنة" العام 2014 أن "سوريا بالمنطق هي دولة إسلامية"، وفي ذلك تأكيد رسمي، على أن العلمانية في البلاد لم تتعد كونها كذبة دعائية يتم فيها استغلال المسيحيين وغيرهم من الأقليات من أجل الحصول على قبول دولي للنظام يغض النظر عن طبيعته القمعية والمستوى المتردي لحقوق الانسان، لأن البديل المفترض سيكون المتشددين دينياً.

وفيما أدرك المعارضون للنظام تلك التفاصيل منذ سنوات وثاروا لتغييرها، ربما يكون من الرومانسية اليوم التفكير بأن الأقليات التي وقفت الى جانب النظام ستثور ضده وتقلب المعادلة، لأن الأوان ربما قد فات بعد "انتصار" النظام عسكرياً وسيطرته على معظم مناطق البلاد مجدداً، لكن ذلك لا يعني عودة الاستقرار، بل مزيداً من التوترات بانتظار الديموقراطية الحقيقية كحل وحيد قادر على خلق عوامل بديلة عن الخوف للشعور بالانتماء للدولة التي عرفت يوماً باسم سوريا.