FacebookTwitterGoogle Bookmarks

هل لنا خارطة الطريق للعمل القومي؟

19 تشرين1/أكتوير 2018

تيـري بطـرس

 

قد لا يمكن وضع خارطة واضحة للعمل القومي، عند البدء به، بل يتطلب الأمر تجارب كثيرة. وقد تكون تلك التجارب مريرة ‏وتكلف الأمة أو الشعب الكثير. وهذا الأمر يمكن فهمه، لأن لا أمة تولد متكاملة الإمكانيات. ولكن التجارب والتضحيات ستؤدي ‏حتماً الى التفكير بوضع ولو إطار نظري لمثل هذه الخارطة. ونحن نقدر القول اليوم، ان شعبنا وبرغم قلة عدده، ورغم ما أصابه ‏من المحن والآلام وما قدمه من التضحيات، على أبناءه واجب العمل من أجل وضع مثل هذه الخريطة، لكي تكون مدار دارسة ‏وتمحيص وتعديل وتطوير. ان خارطة الطريق، تعني أهداف قابلة لتحقيق، وقيادات وتوجهات مهما اختلفت في التفاصيل إلا انها ‏متفقة في العام. وليس كما نشاهد ونقرأ اليوم، فهناك تضارب واختلاف كبير في كل شئ، وهذا الاختلاف والتضارب هو بلا أي ‏ضوابط.

ما الذي يحدد فضاء العمل القومي، الذي في إطاره يكون العمل. باعتقادي ان فضاء العمل القومي، يحدده ثلاثة عوامل رئيسية، ‏وكل منها يؤثر في هذا الفضاء بشكل ما، سلباً وايجاباً، وحينما تكون تلك العوامل قوية ومترابطة، فانها بالتأكيد ستدفع العمل القومي ‏نحو التقدم والتطور. والعوامل الثلاثة هي التاريخ والجغرافية والسكان. فالتاريخ وهو عامل عاطفي فعال في ترابط أبناء الأمة، انه ‏يعمل من أجل جعل الأمة كلها وحدة واحدة. التاريخ بقدر كونه عامل فعال في توحيد أبناء الأمة، إلا انه يمكن أن يكون عامل سلبي، ‏كما في حالتنا نحن. فنحن نستند الى تاريخ كبير وعظيم بانجازاته العسكرية التي هي مدار فخر البعض، والأهم إنجازاته في مجال ‏دفع مسيرة البشرية خطوات كبيرة الى الأمام، أي العلوم والابتكارات المتعلقة بتسهيل الحياة. ان الاستناد الى التاريخ وحدة، لن يأتي ‏بأي نتيجة، لأنه فخر على شئ مضى، وليس فخراً بانتاج وعمل يؤثر في حياة الناس الحالية، مما يجعلهم يقفون منه موقفاً ايجابياً أو ‏سلبياً. ان سلبية عامل التاريخ تظهر بوضوح في حالة، تظافر العاملين الآخرين ضدك، سواء بشكل متعمد أو لا والأكثر سلبية هو ‏الاعتماد على التاريخ والنوم في أحضانه وكأنه يكفينا أن نكون أحفاد من صنعه، ولا نعير للواقع أي أهمية.

الجغرافية، عامل مهم في تحديد طريق العمل القومي ووضع رؤية أو خارطة الطريق له. فالجغرافية تحدد الحدود التي يتحرك فيها ‏العمل القومي، وبالتالي الجيران أو الشعوب الجارة التي يمكن أن تتعامل معها خارطة الطريق، وتحدد طرق التعامل معهم، مبينة ‏الأسباب لهذا التعامل. فالجيران وقوتهم وكيفية انتشارهم، وتاريخهم والمعتقدات المنتشرة بينهم، وحتى البناء الاجتماعي لهم يؤثر في ‏طرق التعامل معهم. ومن هنا أهمية معرفتنا بجيراننا، معرفة حقيقية، علمية، وليس معرفة مبنية على الأحقاد. المعرفة عامل محايد، ‏يمكن الاستفادة منها، لنعرف الآخر وكيف يفكر وما هي عوامل قوته وضعفه. مثلاً العدد السكاني الكبير لدى من نعتقده خصماً، قد ‏يكون في غير صالحنا، ولكن انقسامه الى عشائر متخاصمة ومذاهب متحاربة وأحزاب متنافسة، قد يمكننا من الاستفادة من ذلك. ‏السكان، وهم مجموعة الناس الذين تهتم بهم خارطة الطريقة، والتي من أجل بناء مستقبل أفضل لهم وضعت أسس هذه الخارطة. ان ‏الاهتمام بالسكان وبناء أسس قوية ليكونوا قوة يعتد بها، وزرع الأمل من خلال تعويض النقص الكبير في السكان مثلاً، بعلاقات ‏سياسية أو تحالفات، يمكن أن تضمن حقوق هؤلاء السكان، وكسب ثقتهم بالعمل القومي والمراحل التي يمر بها. أمر مهم لنجاح أي ‏خارطة للطريق، تخص عملنا القومي، هو الأمل، ولكي نزرع الأمل لديهم عليك أن تكون واقعياً بطروحاتك ومطالباتك.

ان كان التاريخ يمكن أن يوحد، فان الجغرافية والسكان يمكن أن تقسم، فحينما ننسب أنفسنا لتاريخ واحد يمتد من أور وبابل ونينوى، ‏ويمر بالكراسي البطريركية وما أنتجه شعبنا في ظل المسيحية. فان الجغرافية تقسمنا الى ايراني وتركي (نسبة الى الدولة) وعراقي ‏وسوري ولبناني. كما ان الجيران يقسموننا، فان كنا في ايران محاطين بالتركمان (هاوشاري) والكورد، فاننا في تركيا والعراق ‏وسوريا محاطين بالكورد والعرب ولكن توزيعنا على الأكثر هو بشكل جزر في مناطق غالبيتها كوردية حالياً. وتبعاً لهذه الأمر ‏شئنا أم أبينا، سيكون هناك تأثير كبير لهذا الأمر، ليس على خارطة الطريق، ولكن على واقع شعبنا من كل النواحي. وعندما أقول ‏من كل النواحي، فانه يجب تحديدها ومعرفة نوعية التأثير وكيفيه الحد من تأثيراته السلبية. تأثيراته السلبية، تتأتى من الأهداف ‏المتعارضة لمن نعيش معهم، وهم في الغالب كورد وعرب. وهذا لاحظناه في العراق خلال السنوات الماضية. وخصوصاً حينما ‏نكون نحن العنصر الأضعف في المؤثر على الواقع وهو السكان. وعلينا البحث وتقوية العناصر الايجابية إن وجدت. وفي ظل هذا ‏الواقع الجغرافي المرير ووجود طاغي للكورد، والذي يكاد يمتد من سلامس شمال شرق أورمية في ايران الى كوباني وعفرين ‏في شمال غربي سورية وفي ماردين وديار بكر في تركيا غربا. ومن بحيرة وان شمالاً الى سهل نينوى جنوباً، لا يمكننا أن نغمض أعيننا، وأن نكذب على أنفسنا، ونقول ان الكورد طارئين على المنطقة، وإن كانوا قد أتوا بعدنا بأكثر من ألفي سنة أو أكثر. المهم ‏وجودهم القائم وهو وجود قبل قيام الدولة العثمانية على الأقل. إن من يرمي مثل هذه الأقوال يحاول تقليد النعامة، بإخفاء رأسها في ‏الرمال ضناً منها أن العدو لا يراها.

إن وضع خارطة الطريق للعمل القومي، يتطلب إظهار وتبيان ما هو موجود على أرض الواقع، وتحديد العوامل السلبية أو ‏الايجابية الموجودة، لكي نحذر السلبيات ونقوي الايجابيات على الأقل. وخارطة الطريق هي قراءة للواقع كما هو لكي يتم تكوين ‏رؤية موحدة لهذا الواقع مما يخلق وحدة فكرية للناشطين القوميين، مبنية على دراسة موضوعية، وليس على آمال وطموحات لا ‏يمكن تحقيقها. ويلغيها الواقع القائم ونوعية العلاقات السياسية القائمة.

بعد أن يتم دراسة ما تقدم بالتفصيل، يأتي وقت تحديد الأهداف المرمي الوصول اليها على المدى القريب أو البعيد. والمؤسف ان ‏هناك اتجاهان في طريقة تحديد الأهداف، وهذين الاتجاهين يعملان في أغلب الأحيان على التضحية بالمصالح القومية لشعبنا، من أاجل ترجيح كفة أحد الاتجاهات. وإحداها، هي التمسك بالوطن الحالي كما هو، وهي وإن كانت نظرة يمكن مناقشتها، ألا أنه لا ‏يلاحظ فيها أي إنجاز فعلي لشعبنا. وهذه النظرة أتت من الواقع المرير الذي نمر به كشعب كلداني سرياني آشوري أو كشعب عراق أو سوري. فهي تتمنى بروز قوة الدولة لتحقيق الأمن. دون الأخذ بنظر الاعتبار ان تحقيق الأمن والتضحية بكل شئ من أجله، لم ‏يحقق أي أمن ولم يحقق بناء دولة عصرية، وبالتالي بقاءونا في دوامة من حكومات أمنية لم تتطور، ولم تتمكن من وضع أسس بناء ‏دولة حقيقية، ودائماً بحجة الأمن (داخلي أو خارجي). أما الاتجاه الثاني والمنخرط في التوجهات التي تقول بتقنين الدولة والعمل من أاجل تفكيكها الى أقاليم، فانه أيضاً، وعلى مستوى شعبنا، لا يعمل بجد لكي يتم إنجاز الكثير له. وإن كانت بعض المسودات قد ‏خرجت، ولكنها لم تتحول الى قوانين فعلية يمكن الاستناد إليها، تجربة إقليم كوردستان كنموذج.

يحاول البعض الإدعاء بفرض ما نريده، لأنه حق وقانوني، ولكن السياسية مع الأسف لا تتعامل مع الحقوق والقوانين في آخر ‏الأمر، انها تتعامل مع موازين القوى. وهذا الأمر يكاد المبتدئ بالسياسة يدركه، إلا أبناء شعبنا، ممن استهوتهم مقولة الشعب ‏الأصيل. فبالرغم من عدم رغبتنا في المجادلة حول هذه المقولة، إلا أن تحقيقها يحتاج الى وعي قانوني ودستوري واجتماعي. ‏وانتشار الوعي بحقوق الأقليات في الأكثريات التي نتعايش معها، أي نفس ما قلناه مراراً بوجوب العمل مع القوى الليبرالية في ‏المنطقة لكي نتمكن من أن نقتنص حقوقنا من هؤلاء الجائعين للسلطة والقوة. ان المطالبة بدعم دولي لتحقيق المطالب أيضاً في ‏الكثير من الأحيان يتم تشويهه، حينما يقع المطالب في فخ العنصرية ونكران حقوق الآخر، هذا الأمر الذي، يستغربه كل من نطالب ‏بدعمهم. فالمظلوم من المفروض أن لا يتحول الى ظالم وإن كان بالكلام. والمؤسف ان المطالبين بالفرض بالقوة، لا يملكون أي ‏جزء من هذه القوة، بل يطلبونها من المجتمع الدولي، الذي نحاول نسيانه حينما نطرح مطالب تلغي الآخر، متناسين ان المجتمع ‏الدولي هو مجموعة من الدول، ذات المصالح المتضاربة، وبالتالي علينا أن نكون بمستوى من القوة (في أي مجال) لكي يطمع ‏البعض فيها ويحاول دعمنا لكسب هذه القوة الى جانبه.

ان الآخرمن جيراننا، أيضاً محكوم بموازين القوى، ويتصارع لأجل البقاء، يطلب المساندة والدعم، وليس أن نكون حمل ثقيل عليه. ‏وهذا لا يعني أن لا نطالب ولا نعمل من أجل إقرار حقوقنا، بل أن نحدد كيف ومتى. وأن نعمل من أجل ايجاد أوراق قوة، يمكن ‏للآخر أن ينجذب اليها، لكي يطلب التحالف معنا. أما البقاء في الحالة الراهنة، فان وضعنا هو كمتسولين على مائدة اللئام ليس إلا. إذاً نحن في كل الأحوال بحاجة الى حليف قوي، حليف دولي ومحلي إننا بحاجة الى التحالف مع القوى القائمة على الأرض، ولا ‏يمكننا البقاء بلا أي فعالية، ساكتين منتظرين متغيرات قد تأتي أو لا تأتي. لأن الآخرين يسيرون الى الأمام أو يتعاملون ويطرحون ‏رؤاهم ومطالبهم وهي في حالة حركة دائمة، ولن ينتظروا لحين أن نقرر أن نبدأ. اننا بحاجة دائمة لأن نبحث عن المزيد من نقاط ‏التي يمكن الاستثمار فيها لأجل تحقيق وجود قوي لنا، ولعل نقطة المهجر إن استثمرت بشكل صحيح، باعتقادي يمكن أن تأتي بنتائج ‏جيدة. المهجر الذي يمكن أن يستثمر في البناء وتطوير البنى التحتية والبنى الاقتصادية الجالبة للأموال والمشغلة للأيدي العاملة. ‏ولهذا الأمر هناك مهمة للأحزاب للعمل من أجل تطوير البنية القانونية والأمنية للمناطق التي نعيش فيها. ومن واجب الأحزاب ‏حول المهجر هو ايجاد وسائل لجذب الشباب المهجري الى العودة، ومعايشة مغامرة البناء والتطور وترسيخ الجذور. لإخراج ‏العمل القومي من حالة الرومانسية القومية، أي التغني به، الى حالة العمل الفعلي، أي ترسيخ الوجود.