FacebookTwitterGoogle Bookmarks

الحكومة العراقية أمام عقبات جديدة... والأحزاب تجدد تدخلاتها

05 تشرين2/نوفمبر 2018

جـورج منصـور

 

تكللت محاولات رئيس الوزراء المكلف عادل عبد المهدي ومشاوراته وسباقه مع الزمن، بولادة قيصرية لحكومة عراقية غير مكتملة، بعد تقديم تشكيلتها مع المنهاج الوزاري الى مجلس النواب مساء الأربعاء الفائت، قبل انتهاء المدة الدستورية المحددة لها، في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر). حيث منح البرلمان الثقة لحكومة جديدة وتم التصويت على أربعة عشر وزيراً من أصل اثنين وعشرين. وبانتخاب عادل عبد المهدي رئيساً للوزراء انتهت هيمنة حزب "الدعوة الإسلامية" على رئاسة الحكومة، والتي دامت ثلاثة عشر عاماً.

جاءت المصادقة على الكابينة الجديدة، بعد انتظار ومساومات وانسحابات وضغوطات داخلية وخارجية، وخلافات كثيرة شابت العملية السياسية ونتائج الانتخابات، وشهدت صراعات على المناصب من أطراف نافذة، سواء في طريقة الترشح أو شغل الحقائب تحت يافطة الاستحقاقات الانتخابية أو تقاسم المراكز أو عبر التمثيل النسبي أو على أساس المكونات أو تمرير المرشحين من منافذ أخرى. واطلقت اتهامات بعمليات بيع وشراء بعض المناصب ومحاولات الهيمنة على الحكومة الجديدة تحت مسمى التكنوقراط، أو تهديدات بعدم تمريرها داخل البرلمان أو جمع تواقيع النواب لجعل التصويت عليها بصورة سرية، أو الانسحاب من تشكيلتها.

إن محاولات عبد المهدي لإرضاء الكتل النافذة المتكالبة على المناصب، عرقلت جهوده في تشكيل حكومة وطنية كفوءة ومستقلة، وشطبت على اشتراطاته السابقة في عدم السماح بتدخل الأحزاب الفائزة في اختيار الوزراء، ناكثاً بتعهداته التي قطعها، في أن تلتزم حكومته منهاجاً وزارياً طموحاً، وتحارب الفساد وتلبي حاجيات الناس وتنفض الغبار عن همومهم المزمنة وتقف معهم في تطلعاتهم المشروعة، بعد أن كان العراقيون قد استبشروا خيراً برئيس وزراء تسوية وعقدوا آمالاً على نوعية وشكل الحكومة الجديدة، بعيداً عن المحاصصة الطائفية التي عرفت المواطن على أساس الهوية والانتماء الاثني لا الهوية الوطنية، وأضرت بالعراق وطناً وشعباً، وعرقلت مسيرة البناء والتنمية.

في الثاني من شهر تشرين الأول (اكتوبر) قام الرئيس العراقي برهم صالح بتكليف عادل عبد المهدي لتشكيل الحكومة الجديدة، بعد أن تم ترشيحه من قبل تحالف "سائرون" 54 مقعد وتحالف "الفتح" 48 مقعد وتحالف "النصر" 24 مقعد من أصل 329 مقعد وتأييد أغلب الكتل السياسية. وذهبت بعض الأطراف، في الوهلة الاولى، الى إطلاق حريته كاملة في اختيار الكابينة الجديدة. لكنها عادت لتطالب بالتمثيل وفقاً للاستحقاقات الانتخابية والتوافقات والتراضي، ومارست ضغوطات لجهة الحصول على وزارات معينة، خاصة السيادية. ثم تطور الموقف الى إطلاق تهديدات مبطنة بفرض فيتو على شخصيات قد يختارها دون رضاهم أو موافقتهم، مؤكدة انها المسؤولة عن اختيار ممثليها في الكابينة الجديدة. ألا يعني هذا العودة الى المربع الأول بعد أن لبست المحاصصة رداءاً حزبياً وسياسياً، ولم تأت هذه المرة من الباب، بل دخلت من الشباك؟.

الأنكى من ذلك، ان الضغوطات التي مورست ضد عبد المهدي جاءت من الأطراف والكيانات السياسية التي شاركت بعد عام 2003 في رسم السياسة العراقية الفاشلة بامتياز، محاولة تحجيم دوره وتكبيل يديه وسلب حريته وإعاقة جهوده في حكومة قوية تولد خارج عباءة الأحزاب والكتل السياسية، قادرة على محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وتجاوز محطات الفشل، والالتزام بمنهج جديد يخرج العراق من أزماته، وشعبه من دوامة العوز والحرمان وسوء الخدمات.

إن ضعف موقف عادل عبد المهدي وعدم قدرته على لجم جماح البعض من هذه الكتل والأحزاب السياسية المتنفذة في الساحة العراقية سيعرقل جهوده في اتخاذ قرارات مهمة وجريئة خارج إطار ما تريده هذه الأطراف التي تتعكز على عدد مقاعدها في البرلمان. خاصة إنه لا يملك كتلة قوية داعمة، تعينه وتدافع عن برامجه وقراراته اللاحقة لإحداث الاصلاح المطلوب في العملية السياسية، والشارع العراقي يترقب حكومة قوية وكفوءة تنحاز الى الشعب وتحوز على ثقته، إذ لن تكفي عبد المهدي حنكته وتجربته السياسية، ولن تشفعه علاقاته الداخلية والخارجية للقيام بتصحيح مسار النظام السياسي وتنفيذ خطته ومنهاجه الوزاري.

وأياً كانت التفسيرات والاجتهادات والتصورات والخلافات في شكل الحكومة الوليدة وشخوصها، يشترط عليها العمل لصالح الانسان العراقي وتحسين أوضاعه المعيشية والخدمية والمالية والصحية، وبناء المؤسسات المدنية وتطوير أدائها والمحافظة على السلم الأهلي واحترام الهوية الوطنية وتعزيز الحياة الديمقراطية وضمان الحريات وحقوق الانسان والمواطنة، ونظاماً قائماً على المساواة والعدالة الاجتماعية، والسعي لحماية مصالح البلد والاهتمام بالاقتصاد القومي ورفع معدلات الاستثمار والعمل بمبدأ المساءلة واعتماد الشفافية ومحاربة الفساد بكل أشكاله.

ترى، هل ستحقق الحكومة الجديدة جزءاً من منهاجها الوزاري (2018-2022) التفصيلي والطموح، الذي عرضته على البرلمان والمؤلف من 121 صفحة؟ أم تنفرط جهود عبد المهدي، وتعود حليمة الى عادتها القديمة؟ وتبقى آمال الشعب العراقي وتطلعاته وتمنياته مشرعة، في أن لا يتمخض الجبل فيولد فأراً.

* نشر المقال في جريدة الحياة، الأحد 4 تشرين الثاني 2018.