FacebookTwitterGoogle Bookmarks

إن جذور أنفسنا هي في الشرق الأوسط

14 تشرين2/نوفمبر 2018

المونسنيور بيوس قاشا

 

في البدء

في كلمة لقداسة البابا فرنسيس أمام رؤساء وممثلي الكنائس الشرقية في الصلاة المسكونية على نية السلام ووقف الحرب والعنف في منطقة الشرق الأوسط في مدينة باري بأسيزي الايطالية (أسيزي 7 تموز 2018) قال قداسته: "أذهاننا وقلوبنا موجَّهة نحو الشرق الأوسط، من هناك انتشر في العالم أجمع نور الايمان". إنّ هذا التقليد هو كنز ينبغي علينا الحفاظ عليه بكامل قوانا لأن جذور نفوسنا هي في الشرق الأوسط، ولكن تكاتفت على هذه المنطقة -ولاسيما خلال السنوات الأخيرة- غيوم الظلام، حرب وعنف ودمار، إحتلال وأشكال من التطرف، هجرات قسرية وترك، وهذا كله في صمت العديد وتواطئ الكثيرين، فأصبح الشرق الأوسط أرض أشخاص يتركون أرضهم. وأضاف قداسته أيضاً: "نريد أن نعطي صوتاً لِمَن لا صوت له"، فالمسيحيون في الواقع هم نور العالم، ليس فقط عندما يكون كل ما يحيط بنا مشعّاً وإنما أيضاً في لحظات التاريخ المظلمة، فهم لا يستسلمون إزاء الظلام الذي يخيّم على كل شيء، ويغذّون فتيل الرجاء بزيت الصلاة والمحبة". ليحلّ السلام... إنها صرخة العديدين، هابيل اليوم، التي تصعد الى عرش الله، ومن أجل هؤلاء لا يمكننا أن نسمح أن يقال بعد الآن في الشرق الأوسط كما في أي مكان آخر "أحارس أنا لأخي؟".

أبواب مفتوحة

كما قالت منظمة بورت اوفيرت (أبواب مفتوحة)، وهي منظمة فرنسية غير حكومية مختصة في الدفاع عن الحرية الدينية للمسيحيين، في تقريرها لعام 2018 أن في عن خمسين دولة حيث يتعرض المسيحيون لاضطهاد وتهجير، فقد قالت: أن هناك 215 مليوناً مسيحياً يتعرضون للاضطهاد والتهجير حول العالم، وقد أتت عشر دول عربية ضمن المراتب العشرين الأولى في القائمة، وأحد الأسباب واضحة وجلية ألا وهي انتشار الأصولية والإسلاموفوبيا.

أصبحنا تائهين

أمام هذا الاضطهاد والتهجير هناك أهواء سياسية عديدة لا زالت تقذفنا اليوم من شاطئ الى آخر ومن بلد الى آخر دون أن ندرك ماذا نريد وكيف نحصل على ما نريد وما غاية ما نريد. فَعِلْمُ السياسة والإعلام لم نَتقن حتى الآن فنونَه وقواعدَه ومطاليبه وأهدافَه وغاياتِه، فهو بحر قد غرقنا فيه منذ أعوام، ولا زلنا حتى الساعة لم نتعلم كيف نسيّر مركبَنا وإن كانت الرياح عاصفة، والى أي صوب نوجّه بوصلتنا. فما يحصل لنا ولوطننا قد أعمى حتى عيوننا، وأصبحنا تائهين في ساحات التاريخ لا ندرك أين نحن والى أين ماضون.. فهل نحن باقون أم ضائعون؟

رسالة حوار

إن الوجود المسيحي العريق والأصيل، ومبتغاه العيش المشترك والحوار المتبادل النزيه مع المسلمين، هو بحدّ ذاته رسالة. وما أراه هو المستَهدَف والذي يراد من قِبَل البعض بل من قِبَل الكثيرين أن ينتهي، ولكن الكنيسة الجامعة توصينا دائماً بمواصلة الحوار. ومهما كانت المسيرة قاسية، فعيشنا المشترك ما هو إلا رسالة حوار وقبول الآخر المختلف لإدراك ما هي القواسم المشتركة الكبيرة التي تجمعنا، لنكون علامة استقرار وازدهار في تحقيق العدالة، وهذه رسالة ملؤها الحيوية لأمن وسلام العالم، والنظر الى الطموحات والتطلّعات في سبيل هذا العيش المشترك. فنحن مسيحيون ننظر الى مبادرات قداسة البابا فرنسيس، والبابوات من قبله، ومواقفهم انسانية النبيلة والكبيرة والمسالِمة وهم ينادون بالتفكير الجدّي في حل النزاعات والمشكلات، وينظرون الى التحديات التي تواجه منطقتنا بعين المحبة وانسانية والتسامح على أساس احترام الحريات العامة وحقوق الانسان وقِيَم انسانية الرفيعة والمواطنة، وهذه أمور كلها تضمن الحرص على العيش المشترك وعلى أهمية الحفاظ على هذا العيش المشترك كنموذج يُحتذى به في المجتمعات ذات التنوع الديني والعرقي، وما ذلك إلا مباردات يمكن أن تُسهم في إرساء الحوار والتعاون لتكون الشراكة انسانية وثقافية وحضارية بدلاً من أن تتحول الى مستنقع للموت والتهجير والتكفير.

طرق مختلفة

نعم، لا زالت المسيحية في شرقنا عامة وفي عراقنا الجريح خاصة أمام قصص مأسوية لا تنتهي، غريبة بواقعها ومخيفة بفحواها وجريمة بارتكابها، ولا زالت تهاجمنا وبطرق مختلفة كوارث متعددة من أجل النيل من وجودنا. فأزلام الموت -الإرهابيون- لا زالوا متأهبين دائماً بل مستعدين لتدميرنا وتكفيرنا، ولا زال الفكر الداعشي يريد قتلنا ويصبو الى نهب أموالنا واستباحة خيراتنا، وما ذلك إلا من أجل محو إسمنا وطمر حضارتنا وإنهاء وجودنا وتغيير ديننا وايماننا، وفي أرضٍ كانت لنا أصولاً وكنا نحن فيها أصلاء كما كنّا لها حضارةً وعلماً وتاريخاً.

أين نحن؟

أسأل نفسي: هل هو زمن الهزيمة، هزيمة القِيَم والأخلاق، هزيمة الصدق والحقيقة، أم هزيمة الحضارة والأصالة؟... إنها هزيمة في كل المجالات، هزيمة لتشويه وجودنا وسجلات أحوالنا ومسيرة تاريخنا ليكتبوها لنا دوماً هزيمة أبدية، وما تلك إلا مصيبة ابتُلينا بها واكتنفتنا حينما استولى داعش على أملاكنا، وهجَّرنا من بيوتنا، وسرق أملاكنا وحلالنا، ففي ذلك يعيدون التاريخ وسجّل آبائهم وأجدادهم والتي ارتكبوها بحق شعوبنا وآبائنا وأجدادنا، وهذا ما يصفه المسيحيون بالاضطهاد، فتعلو أصواتهم "أن هذا البلد لم يَعُد لنا"، "لننفض غبار أرجلنا" (لوقا 5:9)، "علينا أن نهاجر إذ لم يبقَ لنا فيه خبزة نتقاسمها". فالمؤامرة جرفتنا بسيولها، وازدادت همومنا، وتاهت عقولنا في مستقبل مجهول، وما نحن إلا في مستنقع المستقبل المخيف. ما أراه: الدمار والألم والحقد هذه كلها تحوم حولنا، والكراهية تسجل محو وجودنا، والبغضاء في مسيرتنا تنتقل من شخص الى آخر ومن حارة الى أخرى ومن دار الى دار، وازدادت المساحة فصارت من بلد الى آخر، وأصبحنا مذهباً مكروهاً وديناً كافراً وأمّة لا حول لها ولا قوة، وشعباً يقاسي وحدة، وكل يدلو بدلوه لأمته فلا يجوز أبداً ولا نقبل أن نفنى ونموت لاننا في ذلك سنكون سبباً في ضياع ايماننا وفقدان مسيحيتنا، فتُقلَع جذورنا وتموت أصولنا في أرضٍ غنّينا لها أغانينا ورقصنا من أجلها. وان كان هناك هناك مخططات عديدة تتنازع مسيرتنا في أرضنا الأصيلة، وفي قلع اصولنا وجذورنا لشهوات سياسية، وديموغرافيات مسيّسة، لمصالح وغايات تكفيرية، وما رسالتنا إلا أن نكون أمناء لايماننا وأوفياء لمسيحيتنا فنكون مخلصين لانجيلنا في أن نكون عناصر حوار وتعايش مهما قست الينا الأيام علينا، فالمسيحية نور للعالم ولا يمكن كما لا يجوز أبداً ان ينطفئ هذا النور من شرقنا فلا تهزّكم العاصفة واعملوا على أن لا تغمر السيول والأمواج زورق مسيحيتكم وايمانكم، لأنّ ايمانكَم يأمر الهواء والسيول، الرياح والأمواج بالهدوء والسكون، عندئذٍ يختفي الخطر. لا تنسوا أبداً أننا نحن أيضاً كالرسل نُبحِر على بحيرة هذا العالم ولا ينقص فيها لا الهواء ولا الرياح ولا العواصف ولا الأمراض ولا الصعوبات ولا الاضطهاد بشتّى أنواعها. انها تجارب هذا العالم اليوميّة فهي تغمر سفينتنا كل يومٍ وفِي كُلِّ لحظةٍ ودقيقة. وربما نسأل من أين تأتي هذه الرياح والعواصف؟ هذه الصعوبات والتجارب، هل بسبب أن الرّب يسوع نائم أو قد نسانا أم ماذا؟ أقولُ لكم: لا، لو لم يكن الرّب يسوع نائماً فينا، لما خضعنا لهذه العواصف، ولكن بايماننا سننتصر وسنفرح وسنبقى في طمأنينة داخليّة وسعادة كبيرة، لأنّ الرّب يسوع ساهرٌ معنا ولا يتركنا أبداً، فهو الذي قال: "لا تخافوا، هاءنذا معَكم طَوالَ الأيام الى نهايةِ العالم" (متى ٢٨: ٢٠) هذه هي جذورنا انها جذور ايماننا، انها رسالة سامية نحملها في مسيرة الحياة ليس إلا. نعم وآمين.

الخاتمة

نعم كما أعلن قداسة البابا فرنسيس قد أمام المشاركين في لقاء حول الأزمة انسانية في سوريا والعراق في أيلول 2018، وبصوت يهدر دون انقطاع، وبشجاعة ملؤها المحبة والغفران: "هناك خطر أن يُلغى الحضور المسيحي من تلك الأرض التي منها انتشر في العالم نور الإنجيل"، فمن المؤكد ليس من السهولة مقاومة هبوب عواصف التكفير وسيول الاضطهاد، وهذا ما يجعلنا أمام أزمة إرهاب تطردنا من ديارنا، ومسيحيتنا لا زالت مجبولة بالمآسي. "إن اللامبالاة تقتل، ونريد أن نكون الصوت الذي يتعارض مع جريمة اللامبالاة. نريد أن نعطي صوتاً لِمَن لا صوت له وللباكين، لأن الشرق الأوسط اليوم يبكي ويتألم ويصمت فيما يدوسه آخرون بحثاً عن السلطة والمال". لذا عملاً بنداء الكنيسة وبما يقوله قداسة البابا فرنسيس، لا يجوز أبداً الاستسلام لظلمات العنف، ولنحافظ على شعلة الرجاء متّقدة بنعمة الله، ولننظر الى المستقبل"... فأنا أؤمن أن الله يرى مآسينا، ويدرك تماماً كم هو" ثقيل صليبنا ومن المؤكد انه سيحمله معنا" (متى 32:27)، ويسمع صراخنا، وينتبه الى أنين أمّهاتنا وبكاء أطفالنا وحسرات شبابنا... "فهل سيأتي لينقذنا" (مرقس 4:35)! وما هذا إلا صوت البابا فرنسيس والإرشاد الرسولي لكنائس الشرق الأوسط، صوت آبائنا ورؤسائنا الأجلاء، نعم وآمين.