FacebookTwitterGoogle Bookmarks

حقوق المكونات بين شمولية جاهزة وديمقراطية عرجاء!!

15 تشرين2/نوفمبر 2018

أوشـانا نيسـان

 

العراق الجديد/ عراق ما بعد 100 عام من الدكتاتورية والتسلط، بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى الى زعيم حكيم من أتباع العقلية التسامحية - التصالحية التي رسخها القائد الأسطورة نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا قبل 24 عام، ليحسن بموجبها إدارة التنوع العرقي والمذهبي الذي يزخر به العراق، بالتالي ترسيخ مقومات العدالة السياسية والاقتصادية لصالح المشروع الوطني الذي قد يفلح يوماً في انتشال العراق من أزمته السياسية والاقتصادية التي تأخذ بخناق العباد والبلاد. العراق الجديد بحاجة الى رئيس حكيم ومستعد لخلق أنماط متميزة من القيادة في تاريخ العراق الجديد تحاكي تلك التي صنعها "مانديلا" في حياته ومماته. لأن المكونات العرقية العراقية ملتّ حقاً وسئمت من الشعارات البراقة ونهج النظم المستمرة في قهر وتفكيك النسيج الوطني، وفق نظام عنصري ممنهج لا يقل وحشية عن نظام "الابارثايد" الذي طبقه البيض بحق الشعوب الأصيلة في جنوب أفريقيا.

خلال رحلة حياتي المهنيّة تعلمت الكثيرمن تجارب الحياة والسياسة والإعلام وفي مقدمتها، أن الأنظمة الشمولية في جميع بلدان الشرق الأوسط وآخرها نظام الطاغية صدام حسين في العراق، خلف إرثاً من الاستبداد السياسي والتخلف والفساد المالي والإداري في عقلية ضحايا أيضاً. بحيث أصبح من الصعب على النظام الخلف أن يتمتع بأي رصيد من العدالة والديمقراطية والانسانية رغم شعاراته البراقة، تماماً كما ذكر الفيلسوف الصيني كونفوشيوس في وصيته "تذكروا يا أبنائي وأحفظوه، أن الحكومات المستبدة شّر من الوحوش المفترسة".

وفي الحالة هذه لا شيء يؤلمنا أكثرمن إدعاءات النخبة السياسية العراقية الجديدة في بغداد وتحديداً تلك التي نعتت بـ"المعارضة" لما يقارب من نصف قرن متواصل قبل أن تستلم زمام الحكم والسلطة بعد السقوط عام 2003، وحرصها على تفضيل نهج المجاملات السياسية ونعت بقيّة المكونات والأقليات العرقية العراقية التي اضطهدها الطاغية وتحديداً مسيحي العراق "أنهم ورود العراق وأصل العراق ووو". في الوقت الذي نادراً ما يمرّ يوم من دون سحق أو قطف وردة من تلك الورود إن لم نقل إبادة باقة من تلك الورود. رغم أنهم يعرفون جيداً، "ربما يمكنهم قطف وسحق كل الزهور ولكن لن ولن يستطيعوا أبداً أن يمنعوا ربيع الشعوب من القدوم".

أزمة إدارة التنوع في العراق

الواضح أن حرص الأنظمة الشمولية العراقية وبجميع مشاربها السياسية على ضرورة تغييب ثقافة الديمقراطية والعدالة، إثر اختزال الوطن في شخص واحد وهو الرئيس بعيداً عن ثقافة وهوية مجتمع متكاملة، هو سبب الأزمة البنيوية في النظام السياسي العراقي منذ تأسيسه عام 1921 وإصراره على تغييب وتهميش دور المكونات غير العربية كالشعب الكلداني السرياني الآشوري من المشاركة في صنع القرار الوطني ابتداءً من عام 1958 وحتى اليوم. باستثناء بعض المشاركات الخجولة هدفها الأول والأخير ايهام الرأي العام العالمي وتضليله بانتظام.

ففي كل حملة من حملات تشكيل الحكومات العراقية أو ترشيدها منذ تشكيل أول حكومة عراقية منتخبة بعد انتخابات عام 2005 أظهرت نتائج الحملة، أن حجر العثرة في طريق مسيرة الخصخصة والإصلاح والترشيد والتطور وإعمار العراق الجديد، إنما هم الوزراء من أبناء المكونات غير العربية فقط، عليه يجب إبعادهم والتخلص منهم بأسرع وقت ممكن والسبب باعتقادي يعود الى:

أولاً: اعتبار المكونات العرقية العراقية بحق الحلقة الأضعف في عقلية النخبة السياسية للأكثريات، رغم أن تاريخ وجود وحضارة هذه المكونات يعود الى ما يقارب من سبعة آلاف عام. إذ على سبيل المثال لا الحصر، يصعب على رئيس الوزراء العراقي أو أي مسؤول في بغداد، إعفاء وزير أو إزاحة مسؤول من الوزن الثقيل ينتمي لهذا التحالف الشيعي أو ذاك، لذلك أصبح من السهل على فخامة الرئيس أن يضحي بأبناء المكونات أو الأقليات حتى لو كان وزيراً من دون وجع رأس!!

وبهدف تجميل صورة التشكيلة الوزارية التي شكلها رئيس الوزراء العراقي السابق الدكتور حيدر العبادي، تقرربتاريخ 8 سبتمبر 2014، تعيين المهندس فارس ججو (مسيحي) وزيراً لوزارة العلوم والتكنولوجيا، والسيد محمد البياتي (تركماني) وزيراً لوزارة حقوق الانسان، ووزارة الدولة لشؤون المرأة ترأستها السيدة بيان نوري (كوردية) مع وزارة أخرى.

في حين وبعد أقل من عام بعدما ضاقت السبل برئيس الوزراء وتحديداً بتاريخ 9 آب 2015، أقر الدكتور حيدر العبادي الحزمة الاولى من الإصلاحات بهدف ترشيد تشكيلته الوزارية وفقاً للمادة الثامنة والسبعين من الدستور العراقي. رغم أن الإبعاد أو الإلغاء أو حتى الدمج لم تشمل وزيراً من وزراء الأكثرية المتمسكة بالسلطة والحكم، باستثناء إبعاد معظم وزراء من حصة الأقليات العرقية العراقية، بعدما شملت الوزير المسيحي والتركماني والكوردي، أي المذكورين أعلاه جميعاً!!

ثانياً: إستسهال عملية تحويل وجود المكونات وحقوقهم الى مجرد صفقة من الصفقات السياسية الهزيلة في حال نجاح هذا الطرف أو ذاك في توفير فرصة أكبر لترضية خواطر الأكثرية الشيعية في الحكومات الجديدة أو مساومتها. ففي أول رد فعل ممثل المكون المسيحي في البرلمان النائب برهان الدين اسحق، حول نهج التسقيط والتشهير الممنهج كما ذكر، بحق أول مرشحة ممثلي المكون المسيحي "أسماء صادق" ضمن قائمة الكابينة الوزارية الاولى التي تقدم بها رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي الى البرلمان، النهج الذي يميط اللثام عن توجه عدائي لازال البعض يخفيه ليس تجاه المكون المسيحي فحسب بل اتجاه كل قيم التعايش والآخاء التي ينبغي لها أن تنتصر على كل مفاهيم الفتنة والتفرقة التي أرادها الأعداء في العراق"، السومرية نيوز بتاريخ 28 تشرين الأول 2018.

ثالثاً: حل الصراعات المؤجلة وتصفية الحسابات الحزبية "المزمنة" بين الكتل والقوى السياسية على حساب حقوق المكونات. كل ذلك من خلال الاتفاق على إلغاء جميع الحقوق والامتيازات التي تحققت للمكونات وعلى رأسها الكوتا أو المقاعد (5) التي خصصتها القيادات السياسية الكوردية لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري تحت قبة البرلمان في أربيل منذ عام 1992، ثم بغداد بعد قرار المحكمة الاتحادية حول الكوتا نفسها بتاريخ 2010/3/3.

حيث أتذكر شخصياً، جوهر النقاش الصعب الذي جرى بيني كمستشار رئيس البرلمان لشؤون الشعب الكلداني السرياني الآشوري وبين رؤساء فراكسيون حركة التغيير السلف والخلف والمستشار الخاص لرئيس البرلمان آنذاك قبل ما يقارب من عامين. حيث أصّر الثلاث على وجوب وضع حد لهذا التجاوز، أو اللاعدالة المتمركزة في عملية اختيار مرشحي أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، ويجب تصحيح آلية الاختيار بأسرع وقت ممكن، حسب قولهم. والحل المطروح باعتقادهم كان، ضرورة تخفيض نسبة الكوتا المرشحة لأبناء شعبنا من خمس مقاعد الى 2 أو 3.

المشروع الذي أجهض من قبلي وهو في المهد، بعدما حددت لهم الأسباب الحقيقية وراء هذا المشروع وخلفياته. حيث ذكرت لهم، أن قيادة حركة التغيير ليس لها أي صراع أو خلاف سياسي أو حتى حزبي مع حقوق شعبنا وإنما جذور الاعتراض على الكوتا تنتمي الى اعتبارات أخرى أهمها:

الصراع الحزبي المتنامي بينكم كحركة منشقة عن الاتحاد الوطني الكوردستاني، بالإضافة الى مفردات خطابكم السياسي القومي والداعي علناً، الى ضرورة التغيير وإعادة صياغة الواقع السياسي الذي نجح الحزبان الكبيران في إقليم كوردستان وهما الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة البارزاني والاتحاد الوطني الكوردستاني بقيادة جلال الطالباني تثبيته خلال 50 سنة خلت.

ومن الواقع هذا أكدت، أن مشروعكم هذا يحمل نظرة غير ديمقراطية ولديه رؤية مناقضة لمصالح شعوب الإقليم ونظرتها الى العدالة والمساواة والعيش المشترك.

والحل الأفضل كما شرحت لهم، لا يكمن في إصراركم على المطالبة بتخفيض نسبة الكوتا المخصصة للشعوب المضطهدة وعلى رأسها شعبنا الكلداني السرياني الآشوري منذ عام 1992، وإنما العكس المطالبة بمضاعفة نسبة الكوتا من 5 مقاعد الى 10 أو 15 مقعد في حال الإقرار على ضرورة مناقشة آليات إدارة التغيير الجدي داخل المجتمعات الكوردستانية والتوجه بعقلانية نحو خلق المناخ الفكري والسياسي الملائم لإخصاب بذور التعددية والعدالة والديمقراطية النزيهة داخل إقليم كوردستان– العراق. باعتبار الحفاظ على حقوق الأقلية هو المحك الحقيقي لضمان التجربة الديمقراطية النزيهة أولاً، وحرص نوابنا على التحالف مع القوائم التي تؤمن بالديمقراطية التوافقية طريقاً للأمن والاستقرار في البلد ثانياً. علماً أن قيادة حركة التغيير لم تتوقف عند هذا الحد، بل جربت حظها مرة أخرى من خلال دخول معركة الانتخابات النيابية التي جرت في الإقليم 30 سبتمبر 2018، بقائمة "مسيحية" منفردة ولكن المحاولة هذه فشلت كسابقاتها أيضاً.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول وأؤكد، أن خوفي الكبير بعد نشر كل هذه الحقائق والوثائق التي تدمغ تجاوزات النظام العراقي الجديد على وجود وحقوق الأقليات العرقية العراقية خلال 15 سنة الأخيرة، وهو خوفي من اتحاد القوى الكوردية المعارضة لنهج التسامح والعيش المشترك والاعتراف بحقوق المكونات في إقليم كوردستان، مع القيادات السياسية والحزبية العربية – الشيعية التي جاءت على الحكم بعقلية الانتقام، في سبيل شرعنة هذا البند الخاص بالإلغاء والتهميش وجعله بنداً على رأس أولويات أجندة الحكومات الاتحادية مستقبلاً.