FacebookTwitterGoogle Bookmarks

أحذية بصلبان، وماء بيبوزي

26 تشرين2/نوفمبر 2018

تيـري بطـرس

 

قبل أيام تم إعادة، المشهد الذي عرض في عنكاوا قبل حوالي سنتين، بعض أحذية وعليها علامة الصليب الواضحة والغير القابلة للنكران، للبيع في مدينة دهوك. والحقيقة انه يمكن الاستنتاج من صورة الصليب الموضوع على الحذاء انه مقصود، لأنه صليب متكامل وبالصورة المشرقية، إي ليس بعلامة زائد إو أي علامة تشبه الصليب. بل هو كما قلنا صليب متكامل الشكل.

وقبل أيام تم إعادة المشهد المتكرر والممل في محاولة الاستيلاء على أراض وماء قرية بيبوزي، وبيبوزي قرية موغلة في القدم، أي ليس وليد اليوم أو بالأمس، بل تتواتر الأخبار والتواريخ عن ذكرها منذ أمد بعيد. وما بقى في ذهني لحد الآن، هو الكتب المقدسة التي تم نسخها لكنيسة بيبوزي وما رواه أحد الرحالة الانكليز، عندما وصل إليها ودخل كنيستها وشاهد صورة بائسة معلقة للقديسين على جدار كنيستها، وسمع أهلها وهم يشتكون من انه تم فرضها عليهم من قبل رعاتهم الجدد، لأنهم لم يستعملوا الصور أبداً.

ردات فعل الكثيرين، كانت سلبية جداً، وهذا متوقع، وكانت انفعالية وتتسم بالهذر وبتوجيه المسبات أو اللعنات أو إدخال أبناء شعبنا في المزيد من اليأس والقنوط، والوصول الى الخاتمة التي يريدونها والتي تمنحهم الرضا النفسي والذاتي وتبرر لهم بأنه قرارهم في الهجرة كان القرار الصحيح، وبالتالي الوصول الى قناعة ونشرها وهي انه لا علاج ولا تعايش مع الهمج كما يدعون. ولكن أغلب ردات الفعل انحصرت في قضية الصليب وتم نسيان قضية بيبوزي وأهلها وماءها، وكأن الأرض ليست بالمقدسة. انها مفارقة كبيرة جداً، وتظهر معدننا الذي لا يختلف كثيراً عن جيراننا، وإن كان بصورة الطف أحياناً. نعم نحن أيضاً تثيرنا وتستفزنا القضايا التي تتعلق بالدين أكثر ما يستفزنا الاستيلاء على أرض عائدة لنا.

أن لا يكون لنا رد فعل، فهذا يعني تجردنا من المشاعر بالتأكيد، ولكن أن يكون رد فعلنا متهوراً، ولا يرمي الى أي حل، بل يؤدي الى تفاقم الأمور أكثر وأكثر، ويؤدي بالنتيجة الى ترك الجمل بما حمل، والهروب، فهو ليس رد فعل بل تهوراً وجنوناً مطبقاً حقاً.

إن المسبات واتهام الآخر بشتى الاتهامت لن يغير من واقع الأمر أي شئ، ولكن رد فعل منضبط، ويؤدي الى نتائج مطلوبة، فهو الرد المطلوب، لأنه يرمي الى معالجة الخلل ووضع ضوابط لمثل هذه الممارسات وعلاجات مستقبلية لعدم تكرارها، ووضع قوانين رادعة لمن تسول له نفسه القيام بها مرة أخرى. وإذا أدركنا إن وسائل التواصل الاجتماعي قد وفرت طريقة للضغط على المسؤول لدفعه لاتخاذ قرار بشأن قضية ما، لأدركنا كم نحن مقصرين في هذا الاتجاه. في أوروبا وأميركا، وفي أي قضية أو مطلب يتم إمطار مواقع المسؤولين بما يؤيد موقفاً أو يعارض موقفاً. مما يضع المسؤول أمام مسؤولياته الأخلاقية لاتخاذ الموقف الملائم. بينما نبقى نحن نتباكى ونصرخ وبين أنفسنا أي المجال الداخلي أي نكرر الشكوى داخلياً، لنصل الى نتيجة وهي أن لا علاج للوضع وللناس هناك، ولا أمل في التعايش مع أمثال هؤلاء الهمج، أي نصل الى النتيجة التي يرد أن يحققها المتعصبين من الطرف الآخر، في دفعنا لنتخلي عن أرضنا ووطننا. وهل هناك نتيجة أخرى غير هذه ينتظرها الداعشي مثلاً. ويوجد أطراف تطالب بالضرب بالقوة ويطرح مثال الحديد لا يفله إلا الحديد، وهم أيضاً في الغالب ممن يعيشون في المهجر، بمعنى انه يطرح شعار للتنفيس عن الذات ليس إلا. لأنه أصلاً لا يطرح بدائل أو حتى خطوات للوصول الى القوة التي تفل القوة الأخرى، انه يطرح ويمر ولا يفكر بنتائج ما يطرحه، وعندما تعمل التفكير ولا تجد الأرضية المناسبة لما تم طرحه، يكون أقرب الحلول الهرب.

ولأننا ندعي بأننا من أنصار تطبيق القانون، فلنلجأ للطرق القانونية، والمطالبة بأقصى العقوبات لمن تجاوز علينا، وعلينا عدم الاكتفاء بالقانون المحلي بل الالتجاء الى المحاكم الوطنية إن استلزم الأمر، وإن كنا مؤمنين بأن قضيتنا عادلة. وهي طريقة أخرى للحفاظ على الحقوق وبناء منظومة قانونية تحد من التجاوزات علينا وعلى حقوقنا وممتلكاتنا ومقدساتنا.

إن خياراتنا الحقيقية، هي التي تفرض علينا، نوعية توجهاتنا، فمن اختار الهجرة والابتعاد عن الوطن، كحل نهائي ويعتقده، الحل الصائب، ولكنه لا يزال يحن بعض الشئ للوطن، كماض أو كتاريخ زاهر، ويريد أن يبرر خياراته ويمنحها الشرعية التي يتم إرضاء النفس بها. فإن خياراته تكون باتجاه وضع المصاعب والعراقيل، ورفع الشعارات المستحيلة التحقيق، ويؤكدها بعدم إمكانية التعايش مع المحيط، لأنه محيط همجي وغير ودي ولا يمكن إصلاحه.

أما من يرى ان مستقبل شعبنا في النهاية هو في وطنه، باعتبار ان الأرض والوطن هو جزء من الهوية، وفي هذا الوطن يمكن أن يتجسد تطوير الهوية وتنميتها وترقيتها. فانه سيعمل ومن هذا المنطلق لدرء المخاطر عن الوطن ومنها التعصب والرغبة في جبر الآخر على الانصياع للأكثرية، وتطبيق القوانين الغير الانسانية أو المستمدة من شريعة واحدة. أي كل ما يتعارض مع حقوق الانسان والأقليات الدينية والقومية. وهذا العمل هو عمل طويل النفس وخلال مرحلة التطوير سنجد منغصات ومحاولات للعودة الى السابق، ولكن المسار يجب أن يكون هو الخطوات الى الأمام. وانه يجب أن ندرك ان البلدان التي نفتخر بأنها دول حقوق الانسان، ودول القانون، نحن حينما نصلها، نتمنى أن تكون كالدول التي هربنا منها، وأن تحاول أن تفرض على من نعتقدهم أعداءنا قانونها أو حتى أن تفرض عليهم التخلي عن معتقداتهم. كما ان هذه الدول لم تصل الى ما وصلت اليه بليلة وضحاها، بل بالنضال وبالجهد وبالتضحيات.

إن اقامة دولة القانون والمواطنة وحفظ حقوق الأقليات، هو الملجأ الذي يمكن أن يمنحنا ذلك المجال الحيوي، لكي نعيش بالسلام وبالمساواة مع الآخرين. ولتحقيق ذلك باعتقادي هناك طريق واحد ألا وهو النضال من أجل العمل مع القوى الليبرالية المتواجدة في المجتمع لنشر الوعي بالحريات والحقوق وبقدسية الانسان.

العمل من أجل تطوير التعليم من البدء، نحو احترام التعددية، والتعرف على الآخر، ومعرفة معاناته ومشاركاته في النضال من أجل الوطن ودوره في رفد المجتمع بالتعددية الثقافية والتنوير والتعريف بنتاجات أبناءه على مختلف الصعد.

بناء دولة المؤسسات التي يتم اتخاذ القرار فيها من خلال المؤسسة السياسية الثابتة، والتي تمتلك الخبرات السياسية والثقافية والتاريخية.

المشاركة في القرار الوطني، وعلى مختلف المستويات، الأمنية والدفاعية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية، من خلال وجود أبناء الأقليات في مختلف مؤسسات الدولة، وضمان تواجدهم في المجالس التشريعية والتنفيذية، قادرة على طرح رؤيتها لما يجب أن يتحقق.

بالقدر الذي أطالب الآخر أن يتفهمني، فعلي أن أتفهم الآخر، بالقدر الذي أدعي بأنني مدرك وواع لمجريات الأمور، فعلي أن أدرك ان هناك دائماً من ليس واعٍ كفاية وتدفعه نوازعه وميوله العاطفية أو الدينية أو العنصرية لعدم إدراك مختلف الأمور ويريد أن يفرض ما تدفعه تلك النوازع اليه. من هنا علينا أن نفكر قبل أن نتهم الجميع، أو أن نأخذ الجميع بجريرة شخص أو طرف أو حزب ما. وبالتأكيد قضية الأرض والمقدسات والاختلافات الاجتماعية، بحاجة الى الكثير وآراء الكثيرين، لتستوي وتكون نموذجاً لما نريد، من وطن يعمه السلام والمساواة والعدالة.