FacebookTwitterGoogle Bookmarks

العراق: أما لليل أن ينجلي؟

29 تشرين2/نوفمبر 2018

جـورج منصـور

 

لم يسعد الشعب العراقي طويلاً بعد سقوط النظام السابق في 9 نيسان 2003 أو يتنفس الصعداء، إذ ما بدأت المشاكل العويصة تطفح على السطح بشكل جلي. استهلها الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر باصدار قرار حل فيه مؤسسات الدولة الأمنية وفي مقدمتها الجيش، وسرعان ما انتشر الفلتان الأمني في بغداد العاصمة وفي مدن أخرى وشهدت تفجيرات يومية وقتل على الهوية وحالات اختطاف وعمليات اغتيال في وضح النهار، واهمالاً غير مسبوق في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين والتعليم والصحة والرعايا الاجتماعية.

وانقلب الوضع السياسي ليشهد تمزقات في النسيج الاجتماعي وطغيان الولاءات المبنية على أساس الهوية الطائفية والمذهبية والحزبية وتغلبها على فاعلية الأجهزة الأمنية التي بدورها اتهمت بالفساد وسوء الإدارة. وازداد الاحتقان الطائفي وطالت التغييرات الديمغرافية التي بنيت على أسس عرقية ومذهبية، أتباع الديانات والمذاهب وتم الإخلال بأواصر الاخوة وحقوق المواطنة والقيم الأخلاقية السامية، التي كانت قد آوت الجميع واحتضنتهم تحت مظلتها الواقية لسنوات خلت.

واستشرت بعد عام 2003 ظاهرة الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة بشكل مريب، وأصبحت متلازمة دائمة للعبة السياسة الجدية بغياب النزاهة والشفافية وعدم المساءلة وهدر المال العام والسعي الحثيث لتحقيق مزايا ومكاسب للإثراء الشخصي السريع عبر غسل الأموال وتهريب العملة الى الخارج والانتفاع من المناصب، على رغم تشريعات صدرت وقوانين ذات علاقة سنت وشكلت الحكومة هيئات للرقابة والنزاهة ومكافحة الفساد.

واحتل العراق المركز 169 من بين 180 دولة في مستوى استشراء الفساد لعام 2017 حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية، في حين كان قد حل في المركز 113 في عام 2003. وعدت المنظمة في تقريرها، الأحزاب السياسية العراقية الأكثر فساداً، يليها البرلمان والقضاء والمؤسسة العسكرية، التي أهدرت مليارات الدولارات على عقود التسليح وشراء المعدات العسكرية ذات نوعيات رديئة أو غير مناسبة لمهام واستخدامات الجيش العراقي، سواء من صربيا أو غيرها من الدول. كما أهدر المال العام من خلال عقود تدريب القوات الأمنية وأخرى لمشاريع وهمية، بلغت قرابة 190 مليون دولار في عام 2014 لوحده، بينما تجاوز حجم إهدار الأموال 245 مليار دولار بين أعوام (2003-2012).

ولم تسلم ملفات النازحين من اتهامات بالفساد. فقد اتهم زعيم حركة الحل جمال الكربولي في تغريدة له نشرها على حسابه الشخصي في "تويتر" يوم 26 تشرين الثاني 2018، صالح المطلك الذي كان نائباً لرئيس الوزراء وتولى مسؤولية ملف النازحين، ان "المسؤول السابق عن ملف النازحين أهدر مليار دولار على خيم ومواد إغاثة بائسة في مخيمات شبيهة بمعتقلات اللجوء التي تضعها الدول على الحدود" مضيفاً "مخيمات تغرق بأهلها شتاء وتصليهم لهيب جهنم صيفاً" مختتماً تغريدته ب "أين مليار النازحين".

ورغم ان حجم الموازنات المالية في العراق أزيد بأضعاف من موازنات دول عربية مثل مصر والأردن ولبنان وسوريا، وان العراق يعتبر ثاني أكبر منتج في منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) ويجني أموالاً طائلة تقدر بعشرات مليارات الدولار سنوياً من بيع النفط الخام، إلا أن مواطنيه مازالوا يعيشون تحت خط الفقر ويعانون من العوز والحرمان ويفتقرون الى أبسط الخدمات الأساسية كالماء الصالح للشرب والكهرباء والعلاج والدواء، وحرمان الآف المواطنين من شبكة الحماية الاجتماعية وبدل الإعانة.

أما عن البطالة، خاصة بين الشباب، فقد أصدر الجهاز المركزي للاحصاء التابع لوزارة التخطيط، بياناً في تموز 2018، أشار فيه الى ان نسبة البطالة بين الشباب للفئة العمرية بين 15- 19 سنة بلغت 22.6% (الذكور 18.1% والإناث 56.6%). في حين أعلن صندوق النقد الدولي في آيار (مايو) 2018 ان معدل البطالة لدى فئة الشباب في العراق تتجاوز نسبة 40%.

وتمتلئ مؤسسات الدولية العراقية وحكومة إقليم كردستان بأسماء مئات الآلاف من الموظفين الوهميين (الفضائيين) والدرجات الخاصة وهم يتقاضون رواتبهم الشهرية من دون الالتزام بالدوام الرسمي أو يقدموا خدمة ما. على سبيل المثال يستلم أكثر من نصف مليون فرد من الجيش العراقي والأجهزة الأمنية التي كانت تابعة للنظام السابق رواتب تقاعدية. وكان رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي قد أعلن في كانون الأول (ديسمبر) 2014 عن وجود 50 ألف جندي وهمي في وزارة الدفاع لوحدها، بينما أعلن نائب رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان قباد الطالباني، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، عن حذف 50 ألف إسم وهمي كانوا ضمن سجلات موظفي إقليم كردستان، خلال عملية التسجيل البايومتري.

وحول الوضع المأساوي في العراق، حسب احصائية لمنظمة مراقبة حقوق الانسان الدولية "هيومن رايتس ووتش" فان هنالك 3 ملايين و400 ألف مهجر موزعين على 64 دولة، و4 ملايين و100 ألف نازح داخل العراق، و5 ملايين و600 ألف يتيم أعمارهم تتراوح بين شهر و17 عام، و2 مليون أرملة أعمارهن بين 15- 52 عام، و6 ملايين عراقي لا يجيد القرأة والكتابة، وهنالك 14 ألف و 658 مدرسة، تسعة آلاف منها متضررة و 800 طينية، والحاجة ماسة الى 11 ألف مدرسة جديدة.

احتجاجاً على تلك الأوضاع المزرية التي يعيشها المواطن العراقي وتنديداً بالفساد والمحاصصة الطائفية وتردي الخدمات، اندلعت منذ عام 2011 المظاهرات العارمة في بغداد والبصرة وغيرها من المدن الرافضة للفساد والمنددة بالمحاصصة الطائفية والمطالبة بتحسين ظروف الشعب المعيشية وتوفير فرص العمل. بيد انها لم تكن قادرة على تغيير المشهد السياسي قيد أنملة. فما زالت الأحزاب المتنفذة والكتل السياسية الكبيرة وحيتان الفساد، هي التي تقود العملية السياسية وتتقاسم الكعكة وتصر على أحقيتها في الحكم وحصتها من الغنائم والمناصب، التي تباع وتشترى، في جميع مؤسسات ومرافق الدولة.

وقد كان محقاً الشاعر التونسي ابو القاسم الشابي، حينما قال:

إذا طمحت للحياة النفوس فلابد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر