FacebookTwitterGoogle Bookmarks

"ثورة سورية" لم ولن تتم

01 كانون1/ديسمبر 2018

سليمان يوسف يوسف

 

انطلقت شرارة "الثورة السورية" في آذار 2011 من غير أن يكون للمعارضة أي فضل أو دور في انطلاقتها. بدأت عفوية شعبية سلمية بشعارات وطنية تدعو للحرية والديمقراطية. صفق لها الكثير من السوريين في الداخل والخارج. شيئاً فشيئاً بدأت تتراجع وتختفي "الثورة من المشهد السوري لتتحول الى "نزاع مسلح – حرب داخلية" على السلطة بأبعاد طائفية، فتحت الباب أمام التدخلات الخارجية لاستباحة البلاد واحتلالها، حتى أصبح كل من (النظام والمعارضة) تحت وصاية حلفائه الاقليميين والدوليين، وكل طرف يحارب بالوكالة عن حلفاءه.

احتضار الثورة، بدأ مع أول طلقة خرجت من بنادق المعارضات تحت شعار "حماية الثورة  والثوار" من عنف النظام. لن نتحدث عن (سلاح النظام)، لأن من طبيعة "الأنظمة الدكتاتورية" سحق الثورات، حين تهدد عروشها. بِعرف "ثورات الشعوب" الثوار لا يفاوضون ولا يساومون (السلطة الحاكمة) على أهداف الثورة وعلى مطالب الشعب الثائر لأجل إسقاط الدكتاتورية والانتقال بالدولة الى نظام مدني ديمقراطي يختاره الشعب بملء حريته وإرادته. هذا "العرف الثوري" تم نسفه من قبل من تسلق "الثورة السورية"، من أحزاب ومنظمات وشخصيات، بعضها لم تمارس العمل السياسي من قبل، وبعضها الآخر بالأصل لم يكن يوماً معارضاً للنظام السوري. قبول المعارضات بالتفاوض مع النظام والجلوس مع من يمثله، هي عملياً تخلت عن ثورة الشعب السوري وتراجعت عن أهدافها. أو ربما، هي لم تؤمن منذ البداية، بأن ثمة "ثورة شعبية" في سوريا. لهذا هي (المعارضات) تعاطت مع "الحراك الثوري الشعبي" كحدث ومناسبة لاستجلاب (قوى اقليمية دولية) للتدخل العسكري في سوريا وإسقاط (حكم الأسد) واستلام السلطة بدلاً عنه.

تعبيرات ووقائع (سياسية، عسكرية، مجتمعية) تؤكد على "أن الثورة السورية لم ولن تتم" منها: تطيف الثورة وأسلمتها من قبل (الفصائل الإسلامية السنية السلفية الجهادية)، التي تقاتل النظام وهيمنت على ساحات وميادين المعارضات السورية. "أسلمة التعليم والحياة" في مجتمعات المناطق السورية الخارجة عن سيطرة النظام، حيث تهيمن عليها (الفصائل الإسلامية) السنية، المحسوبة على المعارضات السورية، مثل "جبهة النصرة" وتنظيمات إسلامية أخرى (جماعة الإخوان المسلمين) وغيرها، أقل تطرفاً وتشدداً. هذه الفصائل أعلنت صراحة بأن "مشروعها دولة إسلامية وليس دولة مدنية ديمقراطية". مؤخراً، قامت من أطلقت على نفسها (الهيئة التأسيسية للمؤتمر السوري العام في المعارضة السورية) بـ"أسلمة علم الثورة"، إزالة النجوم منه وكتابة عليه (لا إله إلا الله محمد رسول الله). أنصار (الإسلام السياسي) دافعوا عن هذه الخطوة وبرروها، بوجود إشارة (الصليب) على أعلام دول أوربية وأمريكية. هؤلاء يجهلون أو يتجاهلون بأن "الصليب" في الأعلام الوطنية للدولة المتحضرة هو مجرد (رمز) لا تأثير لـ"العقيدة المسيحية" على دساتير وقوانين هذه الدول القائمة على مبدأ (المواطنة وفصل الدين عن الدولة).

أما في الدول العربية والإسلامية (الرموز الإسلامية) في أعلامها الوطنية هي للتأكيد على (الهوية الإسلامية والنهج الإسلامي الطائفي) لهذه الدول، وهذا مدون في دساتيرها. جدير بالذكر، أن الطاغية (صدام حسين) في آخر سنوات حكمه وضع عبارة (الله أكبر) على العلم العراقي. المعارضات العراقية، التي وصلت الى الحكم، بفضل الغزو الأمريكي للعراق 2003، أعدمت صدام، ولأنها معارضات إسلامية طائفية، أبقت عبارة (الله أكبر) على العلم العراقي. بالنسبة لمنطقة (شرق الفرات- الجزيرة السورية) الخاضعة لـ(قوات سوريا الديمقراطية) المدعومة أمريكياً، عمادها الأساسي (قوات حماية الشعب الكردي)، الجناح العسكري لـ(حزب الاتحاد الديمقراطي)، منذ اليوم الأول هذا الحزب لم يكن في صف الثورة السورية ولم يقاتل لأجل إسقاط حكم الأسد. قواته قاتلت التنظيمات الإسلامية الإرهابية، مثل (جبهة النصرة - داعش) وغيرها، للحزب (أهداف وأجندات كردية) يسعى لتحقيقها على الأرض السورية، وهي لا تخفى على أحد.

الأحزاب والمنظمات والقوى السياسية المعارضة لحكم الأسد، حتى تلك المحسوبة على التيار المدني العلماني الليبرالي، ساهمت بشكل أو آخر، من حيث تدري أو لا تدري، في "أسلمة الثورة" ومن ثم احتضارها. العديد من شخصيات المعارضة في (المجلس الوطني،الاتلاف، الهيئة العليا للتفاوض) صرحت بأن "جبهة النصرة هي جزء من الثورة السورية". وهي لم تتخلى عن جبهة النصرة (الفرع السوري لتنظيم القاعدة) إلا بعد أن أُدرجت على قائمة "التنظيمات الإرهابية" من قبل أمريكا ودول أوربية صديقة للمعارضات السورية. الشيوعي (جورج صبرا)، رئيس (المجلس الوطني) المعارض، قال في كلمته أمام (المؤتمر الإسلامي السوري): "بقيت الآمال عليكم في إنقاذ الثورة السورية". يأس وإفلاس قوى المعارضة وتخلي الداعمين والممولين عنها، باتت تتمنى "إسقاط حكم الأسد" حتى لو كان البديل "شياطين الإخوان المسلمين". (رياض الترك)، أحد أقدم وأبرز المعارضين للدكتاتورية، قبل نحو عام غادر سوريا الى المنفى (فرنسا)، تاركاً خلفه "الثورة السورية" تغرق بدماء أبنائها. مع كامل تقديرنا لنضال الأستاذ رياض وللثمن الغالي الذي دفعه في سجون الاستبداد، مغادرته لا تخلو من (دلالات سياسية)، أقلها (رسالة سلبية) للثورة السورية، وربما اعتراف ضمني منه بـ"هزيمة الثورة".

في حوار له -بعد مغادرته سوريا- مع (القدس العربي) يقول الترك: "علينا أن نعمل من أجل تسوية سياسية تسمح بأن يعود السوريون الى بلدهم. من أجل ذلك فإن المعركة اليوم هي مع المحتل، وليست مع النظام لأنه لم يبق هناك نظام يحكم، ولكن هناك بلد محتل ومحكوم من الأجنبي". لا خلاف على أن البلد محتل من قوى وميليشيات ودول أجنبية، لكن حتى لو سلمنا برؤية رياض حول "سقوط النظام"، هذا لا يعني بأن "الثورة " قائمة ومستمرة. لا بل الاحتلالات الأجنبية لسوريا، معطى ودليل إضافي على نهاية "الثورة السورية". الإدارة الأمريكية، التي راهنت عليها المعارضات في التدخل العسكري لإسقاط الأسد، نعت "الثورة السورية" على لسان (جيمس جيفري)، المبعوث الأمريكي لـ(القضية السورية) بقوله، مخاطباً المعارضات السورية: "ان الولايات المتحدة لا تريد إسقاط الأسد على الطريقة التي تم إسقاط القذافي وصدام حسين وأنها تريد ذلك عبر دستور وانتخابات". أمريكا أدركت، بعد النتائج الكارثية لـ"ثورات الربيع السياسي العربي"، بأن مشكلات وقضية الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان والمساواة في منطقة المشرق العربي الإسلامي، هي أكثر تعقيداً وإشكالية من أن تُختزل بـ(أنظمة وحكومات استبدادية) حكمت وتحكم دول المنطقة.

* نشر المقال في جريدة إيلاف الألكترونية، السبت 1 كانون الأول 2018.