FacebookTwitterGoogle Bookmarks

بدون خيانة، بدون عمالة

07 كانون1/ديسمبر 2018

تيـري بطـرس

 

العمل من أجل المصحلة العامة، سواء كان هذا العمل عملاً مباشراً، تنظيمياً، إدارياً، وفي أي موقع، أو لو كان عملاً تنظيرياً، يتطلب الكثير من المعارف والخبرات التي قد لا تأتي بالسهولة التي ينظر إليها البعض، بل قد تحتاج الى جهود سنوات من الممارسة والأخطاء لكي تجد الخيط الأسود من الخيط الأبيض، كما يقال في الكلام الشعبي المتوارد. لأنه في بعض الأحيان، حتى الألوان الدالة على الصفاء أو تلك الدالة على الغموض والخبث، تتبادل الأدوار ويتيه الانسان في القدرة على تحديد أي منها يعبر عن الحالة السليمة ما لم يتمكن من فك خيوط المصالح والتحميلات التي يمكن أن تحمل على كل طرف.

مع الأسف الشديد، ليس لشعبنا، مرجعية قانونية ولا حتى أخلافية معترف بها، يمكن أن تحكم، على أي عمل، قولاً أو تنظيراً أو فعلاً ممارساً، انه يدخل في باب العمالة أو الخيانة. علماً ان أي تنظير لا يدخل في هذا الباب أصلاً، لأن التنظير هو نشاط فكري ثقافي ويعبر عن حرية الرأي وليس عملاً تنفيذياً، خارج إطار قانون أو عمل متفق بشأنه. وانه لو كان لنا مثل تلك المرجعية، لاستغنينا عن الكثير مما يقال الآن، وكان يمكن القول إننا كنا استغنينا عن النضال القومي واتجهنا للاهتمام بالهم المعيشي والعدالة الاجتماعية وارتقاء الحريات الفردية والدفع باتجاه العمل الدولي لإنقاذ الانسانية.

إننا شعب بلا أي مؤسسة قادرة على أن تقوده، وقرارات المؤسسة لها الوقع والمكانة التي يمكن أن تسير بها الغالبية، وبالتالي نحن لا نزال في طور البحث، والنقاش والحوار، ليس حول دورنا في المنطقة والعالم، وليس في دورنا في البلدان التي نتعايش معها وليس في دورنا في إقليم كوردستان، بل حول من يقرر عنا، من له الشرعية للتحدث بإسمنا. وفي هذا البحث هناك خلط كبير بين الوطني والقومي وبين النضال الوطني والنضال من أجل التحرر القومي.

يدرك أغلب المهتمين بقضية شعبنا، ومن له إلمام بتاريخ نضاله القومي، ان قضية التحرر القومي لشعبنا، تم وضعها على الرف منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى والنتائج المأساوية التي تمخضت عنها. وصار جل نضال شعبنا هو الحصول على حقوقه في إطار الدولة التي يتعايش فيها. وهذا النضال كان في الغالب، بصورة عاطفية وبلا برامج أو مطالب محددة. قد تكون رؤية آشورية لمستقبل العراق الموحد، والمنشورة عام 1994 من قبل نخبة من المثقفين الآشوريين، أكثر ورقة واضحة تعالج الهم الأساسي لشعبنا والمنقسم بين تواجده الديموغرافي والحفاظ على مشاركته في القرار الوطني والحفاظ على هويته القومية. ولكن مع الأسف بقت شعارات الأحزاب هي شعارات عاطفية أكثر مما هي برامج. كما ان نزول شعار الحكم الذاتي لبى مطلباً مهماً ولكن كان ينقصه الكثير، والذي صفى بشعار ليطبق في إقليم كوردستان، وفي مجال تطبيق الحكم الذاتي، شغلتني حقاً مسألة تطبيقه وأسلوبه، هل سيكون على الأرض أم على الانسان، هذه المسألة التي لم يلتفت إليها أحد. ولكن حتى مناقشة هذا الأمر لم تكن مقبولة أو الناس مهيئة لها، إلا أن ما يجعل من هذه المطالب، مطالب ضبابية وغير مفهومة هو التغيير الهائل في ديموغرافية شعبنا في العراق. حيث خسر أكثر من نصف عدده خلال سنوات قليلة، ما بين عامي 2003 و2015 والتغيير الديموغرافي يشمل أيضاً سوريا وايران أيضاً.

إذاً عدم وجود قيادة موحدة، أو حتى برنامج موحد، يفتح المجال كثيراً، أمام الاجتهادات المختلفة، في فتح آفاق جديدة للواقع القومي. وبالرغم من ان الطرح الجديد، يمكن أن يسلط الضوء على زاوية جديدة وغير مطروقة لإيجاد حلول للواقع القومي، ولكن المؤسف ان الرغبة في البقاء في حالة الضبابية والمبهمة، فقط لكي لا يتم الإقرار بالواقع والتغييرات القائمة على الأرض، يجعل من الكثير من تلك الأطروحات تدخل لدى الكثير من السذج في باب الخيانة القومية، التي لا نعرف لها حدود أو مشروع أو قيادة شرعية يتم خيانتها أصلاً.

يعتقد البعض إننا كشعب (كلداني سرياني آشوري) نكون الثقل اللازم لأماله ميزان القوى لأي جهة اتجهنا أو تحالفنا. غير مدركين، إننا في الواقع نكاد أن نكون الحمل الثقيل، والذي يمكن أن ينسى في أي موازنة مصالح سياسية بين الأطراف المتخاصمة. يؤسفني القول أعلاه، ولكن في بعض الأحيان نحن محتاجين الى الجهر بحقيقة الأمور لكي تعي المجموعات المهللة لصراخات بعض الباحثين عن لقمة أو دور أو شهرة على حساب شعبنا وحقوقه ووجوده.

وهؤلاء الباحثين عن دور، لن يهمهم المزيد من التشرذم، ولن يهمهم المزيد من الانقسام، فكل شئ يقيسونه بمقياسهم الخاص، بالفوائد الخاصة المتأتية، ولن يهتموا أصلاً بالوحدة وبالشرعية. ففي نقاش مع أحدهم، حول الشرعية وعلى وجوب عدم التجاوز على ما يوحد الأمة وما ورثناه عن الحركة القومية الآشورية، لم يجد مانع من سب الحركة القومية الآشورية واتهامها بالفاشلة. نعم أنا مع قراءة الأمور ونقد كل الممارسات ولكن أن تسب حركة قومية واجهت ظروف قومية عصيبة ومحاطة بأعداء من مختلف الأطراف، أمر لا يمكن أن يتم قبوله من شخص يدعي العمل من أجل تحقيق المطالب القومية المشروعة.

كتبت مرة حول خوف السياسيين العرب المدعي به من الجماهير ان هي مست دور أحد ثوابت الأمة، وكنت أقصد الإسلام، ان هؤلاء السياسيين في تثقيفهم وفي إعلامهم يغرسون توجهاً معيناً، وهو ان الغرب يريد ضرب الإسلام والنيل من مكانته، فكيف لها أن تقوم بتقليص هذا الدور، ناهيك على إنها تسوق خوفها من ثورات الجماهير ان هي مست ذلك. هو نفس الدور الذي يلعبه بعض الأطراف السياسية، التي تزرع الخوف من المحيط، وتصوره كأنه مكون من ذئاب متوحشة، لا يمكن التعايش معها. لإيصال رسالتين، وهي ان هذه الأحزاب وقياداتها أبطال، لأنهم يقارعون الظلم والخوف ويفرضون وجودهم بقواهم الذاتية. والثانية ان الهجرة هو خيار سليم. ولكن الهجرة تعني ترك الأرض وترك الحقوق وترك المشاركة. فكل هذه لا تمنح للتاريخ، بل للبشر القائم والذي يعيش هناك، إن انتفى وجود الانسان فعلام هي الحقوق.

بقدر ما نحن لا نعيش في جزيرة معزولة، وعلينا التعامل بالواقعية، مع جيراننا وأن ندرك حدود تحركنا، هكذا هو الأمر لهؤلاء الجيران ممن يتعاملون مع قوى إقليمه لا ترحم. ولا تتفاهم إلا بالقوة. فالقوى الشيعية والتي فرحت وآمنت ان ايران قوة داعمة لها، ولها أيادي بيضاء عليها، اليوم تدرك ان ايران يمكن أن تقلب الطاولة عليها من خلال القوى التي تستمد قوتها وبالتالي أوامرها منها. وايران تدرك كيف تسوق قوتها لتحصل على النتائج السياسية على الأرض. وهكذا الأمر بالقوى الكوردية في الإقليم، ولكن هنا الأمر أشد قسوة، فهذه القوى منقسمة بين من له علاقات قوية مع تركيا ومن له مثل تلك مع ايران. وعلى الطرفين يمكن أن تنقلب الطاولة من خلال غلق الحدود، وخلق حالة من عدم رضا وتذمر قد تطيح بهما. وكما ترون ان العلاقات ليست بالسهولة التي يتم تصويرها في الجلسات أو السهرات أو حتى الندوات التي تقام لأبناء شعبنا.

وبالرغم من ايماننا ان حقوقنا، ليست مرتبطة بأي قضية أخرى، على الأقل من الناحية النظرية، ولكن بالحقيقة، علينا أن نكون أقوياء، لي بالصراخ بل بالمنطق والعلاقات واللوبيات ليس فقط للضغط على الجيران للحصول على ما نريد، بل لتبادل المصالح أيضاً. ان معنى إننا لسنا في جزيرة منعزلة، هو تبادل المصالح، تفهم المطالب، وإدراكها. أن نتفهم جارنا وندرك ما يريد، يعني إنني أعرف حدود قوتي ومقدار ما يمكنني الضغط عليه. ففي ميزان السياسة الضغط الزائد قد يكون مضراً مثل ترك الأمور لتقدير المقابل. كلا الأمرين مضرين، من هنا يجب أن نعرف ما نريد، وممن نريد، وكيف نطرح وما هي القوى التي نمتلكها لكي يتم فرض ما نطلبه ويتم تحقيقه. السياسية بقدر ما هي تعبير عن صراع المصالح، فأنها ليست بغابة، بل لها حساباتها المضبوطة والتي يمكن أن تأتي بالنتائج المرجوة.