FacebookTwitterGoogle Bookmarks

ملح الأرض... دمتم ودامت أيامنا أعياداً بكم

31 كانون1/ديسمبر 2018

فـوزي الأتـروشي

 

شئ مؤسف ويدمي القلب ويجرح الى حد طعن العظم ما أثاره كل من رئيس الوقف السني والوقف الشيعي من زوبعة انتقاد لأعياد الميلاد ورأس السنة دون مبرر أو سبب أو ذريعة في وقت يستحق شعبنا أن يوظف العيد لمزيد من التماسك والفرح والتناغم، بعد أن زرع الإرهاب ما شاء من عوامل التفرقة والظغينة بين أبناء وطن اشتهر بأنه وطن ومرجع الأديان والحضارات والتعددية الإثنية والدينية والطائفية.

لن نحاجج رئيسي الوقفين فقهياً ولا علمياً ولا فكرياً لأنهما دخلا كما يبدو الى صومعة الانغلاق والجمود والتحنط الفكري العقائدي كما هو حال وديدن الكثير من رجال الدين في الوقت الراهن فهم يتنفسون ويعيشون في الماضي السحيق ولا يتقبلون هواء العصر ورياحه التي تعصف بكل ما هو بالي ومتخلف ورجعي.

عيد الميلاد ورأس السنة أحد تواريخ اجماع البشرية التي تحتفل بها إما من منطلق ديني أو انساني أو عاطفي وفي النهاية فأنها مهرجان فرح عالمي وخروج عن عباءة الحزن والانكفاء على الذات، والتلاحم والتراحم والتصافح والتعانق على بساط من الحب والألفة بعيداً عن رائحة الأزمات والحروب وعوامل الدمار فما العيب في ذلك وكل البشرية أصلاً تستخدم التاريخ الميلادي طوال السنة وتجمع على ان هذا التقويم هو الصحيح والمنطبق على توالي الأيام والشهور والسنين بشكل أكثر ملائمة من أي تقويم آخر.

ان أعياد رأس السنة لم تعد عيداً للمسيحيين حصراً، وإنما عيداً للبشرية جمعاء، وهي حتماً تقتضي تبادل الهدايا والتحايا والاحتفال والتزاور والرقص والغناء وتبادل المعايدات ورسائل التهنئة من أجل عام جديد يكون عام سلام ومحبة للجميع فأين مظاهر المجون والعربدة التي يتكلم عنها رئيسا الوقفين في توقيت غريب يراد منه زرع الفتنة والشقاق بين أبناء الوطن الواحد الذي يشكل المسيحييون فيه جذراً تاريخياً وفكرياً وحضارياً مهماً جداً للشعب العراقي، بل انهم كما يقال دوماً ملح هذه الأرض منذ أكثر من ألفي عام. ثم ماذا تعني هذه الدعوات سوى الانضمام شئنا أم أبينا الى مرامي وأهداف المتطرفين والإرهابيين الذين لجأوا الى تحريم هذه الأعياد وشنوا حملات إبادة على المسيحيين والايزيديين والصابئة لانتزاعهم من هذه الأرض التي لا يمكن أن تكون حكراً على قومية واحدة أو لغة واحدة أو دين واحد مهما حاول أعداء الحضارة والتاريخ للانفراد بالقوة والسلطة.

اننا في عيد الميلاد ورأس السنة نحمل في قلوبنا مثل الملايين من أبناء العراق كل الحب والتقدير لاخوتنا في الوطن من المسيحيين ونشاركهم الأفراح ونحتفل معهم كجزء منا لا يمكن أن يفرح لوحده دون تضامن منا جميعاً، وهنا نذكر رئيسي الوقفين السني والشيعي بعدد الآيات القرآنية التي ورد فيها اسم السيد المسيح وأمه الطاهرة (مريم العذراء) مقروناً بالمدح والاطراء والتقدير في إشارة الى مكانة هذا الرسول الذي ارتبط اسمه دوماً بالتسامح والسلام ونكران الذات والتضحية من أجل الآخرين. فهو يستحق حب البشرية جمعاء وديننا لا يمكن أن يكون سداً أمام حب هؤلاء الرسل.

* وكيل وزير الثقافة والسياحة والآثار