FacebookTwitterGoogle Bookmarks

الحكومة العراقية: شكراً الشروط غير متوافرة!

31 كانون1/ديسمبر 2018

جـورج منصـور

 

يستقبل الشعب العراقي سنة جديدة يتوقع أن لا تختلف عن سابقاتها، تحمل معها الكثير من مخلفات عام انقضى مشبع بالانتكاسات والخيبات وموبوء بالفساد والمحاصصة الطائفية. وما تزال مسرحية تشكيل الحكومة تراوغ وتراوح محلها، في وقت تواجه الحكومة الجديدة تحديات كبيرة في الجوانب الأمنية والسياسية وعدم الاستقرار وتقديم الخدمات. فالوضع منذ سنوات لم يتغير، ومهمة عادل عبد المهدي تلكأت منذ انطلاقتها، أي بمجرد موافقته على تحمل أعباء المرحلة الصعبة ودخول المعترك الشائك في تشكيل الحكومة، وهو الذي قال عنها، انها ستكون حكومة خدمية من الوزراء المستقلين والتكنوقراط والخبراء والمختصين.!

فبعد مضي 22 يوماً على تكليفه بتشكيل الحكومة، قدم الى البرلمان قائمة بأسماء الوزراء. بيد ان البرلمان صوت في 24 تشرين الأول (اكتوبر) الماضي على 14 وزيراً فقط من مجموع 22 وزارة. ثم صوت يوم 18 كانون الأول (ديسمبر) 2018 على ثلاثة وزراء جدد، ولم تحصل مرشحتان على ثقة البرلمان، ولم يجر التصويت على وزارات الداخلية والدفاع والعدل بسبب الخلافات المتزايدة بين الكتل والأحزاب السياسية المتنفذة في الساحة. ووصل مأزق تشكيل الحكومة الى دعوات في البرلمان بالتصويت السري على مرشح وزارة الداخلية فالح الفياض، بدلاً من عرضه للتصويت العلني تفادياً من التأثيرات المعاكسة والسلبية في حالة رفض تصويت بعض النواب عليه مخافة اتخاذ مواقف عدائية منهم.

ان تمسك الأطراف الرئيسية الفاعلة في الساحة السياسية بحصصها في كعكة الحكومة الجديدة وفرض شخوصها الموالية لها، قد سلب رئيس الوزراء حريته في الاختيار وكبل يديه في تشكيل الكابينة بطريقة سلسة وشفافة، والتي بدأت تتشكل بـ"التقسيط غير المريح"، وتغير شعارها، من حكومة خدمات الى حكومة لفك العقد وحل الأزمات والمعضلات المزمنة. وهذا ما يتناقض مع أسس ومعايير بناء دولة مؤسسات ورص الصف الوطني والنهوض بالواقع المزري الذي يعيشه المواطن على جميع المستويات ودرء مخاطر التدخلات الأجنبية في الشأن العراقي.

لا يمكن التكهن بما ستقدمه الحكومة الجديدة للشعب "بكشكولها" وتشكيلتها المبنية على المحاصصات الطائفية، إذا حرص وزرائها على الايفاء بالتزاماتهم ووعودهم لكتلهم وأحزابهم السياسية أولاً، لا الاهتمام بتقديم ما يحتاجه المواطن من خدمات ضرورية على مختلف الصعد. فقد طفح الكيل وعبر الشعب عن امتعاضه من الواقع المرير الذي يعيشه من خلال سلسلة من الاحتجاجات الشعبية انطلقت منذ أعوام وجابت التظاهرات بغداد والبصرة وغيرهما من المدن العراقية.

ان العراق بحاجة الى دولة متماسكة، بعد أن أضعف الفساد المستشري في جسد الدولة والمحاصصة الطائفية نسيج المجتمع العراقي وحال دون تماسكه حتى بحدوده الدنيا. وان تداعيات تشكيل الحكومة والتصدي للتحديات التي تواجه البلاد والتعايش السلمي وسيادة القانون وتعزيز النمو الاقتصادي والنظام القضائي والاهتمام بالتعليم ونشر الوعي المجتمعي الوطني والحكم الرشيد يحتاج الى العمل الجاد لجهة الاستقرار والتنمية والإعمار الشامل، خاصة في المدن التي خربتها الحرب ضد داعش والتي تقدر تكاليفها ب 100 مليار دولار.

من الأهمية بمكان أن يعمل رئيس الوزراء على الإسراع في استكمال الكابينة الوزارية والحد من تأثير الدولة العميقة باتجاه لجم الفساد والمجاميع التي تعمل في الظل بعيداً عن المساءلة وتجفيف مصادر الإرهاب الذي خلفه تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر على ثلث مساحة العراق واشعل حرباً امتدت لثلاث سنوات، بعد أن أعلن أبو بكر البغدادي في 29 يونيو 2014 عن إقامة الدولة الإسلامية.

فهل كان عادل عبد المهدي محقاً عندما أعلن، قبل موافقته على تشكيل الحكومة، عن عدم رغبته في تسنم رئاسة الوزراء مؤكداً اعتذاره عن المنافسة مع غيره لتبوأ المنصب، لتقديره بأنه سيفقده سريعاً بافتراض حصوله عليه، معللاً ذلك في انه سيواجه بأغلبيات "لن تسمح بمجموعها توفير الدعم اللازم لاحقاً"؟.

إذا تم التماطل في تشكيل الحكومة أزيد من الفترة الزمنية الماضية، فلن يحصد الشعب غير الخراب وستتفاقم المشاكل الداخلية وتزداد الصراعات التي لا تحمد عقباها. ولن يبقى أمام السيد عادل عبد المهدي سوى أن ينفذ ما قاله سابقاً: "شكراً، الشروط غير متوافرة".

* نشر المقال في صحيفة الحياة، الأثنين 31 كانون الأول 2018.