FacebookTwitterGoogle Bookmarks

أهمية الرسالة الإعلامية في بناء المجتمع الديمقراطي

08 كانون2/يناير 2019

جـورج منصـور

 

يعتبر الإعلام المادة الخام للمعرفة، وتتبوأ الرسالة الإعلامية الصدارة بين عناصر الاتصال الثلاثة (المرسل والمستقبل والرسالة) باعتبارها أداة معرفة وتوعية وتوجيه وإثارة وتحفيز وتمويه وتزييف. وتستخدم إما لضبط وقمع الجماهير ولغة لمخاطبة الغرائز وتزييف الوعي، كما في الأنظمة الشمولية، حيث تعمل وسائل الإعلام لتمجيد الشخص وعبادة الفرد، وتنهار قيم حقوق الانسان، ويصبح الانسان مجرد أداة في ماكنة (الحاكم – الفرد)، أو أداة تساعد على غرس القيم الانسانية ومبادئ حقوق الانسان، وتعبئة الجماهير وتحريكها ودعم حركتها وواقعها: فهماً وتأويلاً وتغييراً.

وتشكل الرسالة الإعلامية النقطة المركزية في العمل الإعلامي، ويحدد دورها في التنمية الثقافية، مقدار ومدى ما تحمل من مضمون ثقافي وبعد انساني. وان هذا لا يشمل وسائل الإعلام الجماهيرية لوحدها، إنما جميع قنوات الاتصال التقليدية كالكتاب والصحافة والإعلام المرئي والمسموع وقنوات التواصل التي جاءت بها ثورة الاتصالات، ومنها الأقمار الصناعية والشبكات الفضائية وبنوك المعلومات لخزن المعلومات ونشرها حسب الطلب، التي أصبحت إحدى مناجم الثروة والسيطرة على العالم. وهي الجزء العضوي من عملية العولمة الموضوعية الجارية في العالم في مختلف المجالات والمستويات.

ان ثورة الاتصال حرية بإسعاد الانسان بوسائلها المتطورة وقنوات الاتصال كالأقمار الصناعية والشبكات الفضائية ومحطات إذاعة البث وأنظمة البث التلفزيوني والكابلوتلفزيوني، ما جعل الثقافة تندمج مع وسائل الاتصال وجزءاً أساسياً من وسائل النشر الثقافي. وان المحتوى الإعلامي يغتني يومياً بما يتدفق عليه من المنجزات الثقافية والبرامج ذات المضمون الانساني الرائع والقيم الصالحة لجميع البشر ولإسعاد الناس وتجاوز مشكلاته وتنمية افاقه الثقافية.

لقد أدركت المجتمعات المتطورة أهمية حقوق الانسان، بوصفها أساس الحرية والعمل والسلام على المستوى المحلي والعالمي، ونتيجة لتراكم التراث الانساني الأصيل وما صاحبه من جهود العاملين في المجال الانساني تمخضت عن إنشاء منظمة الأمم المتحدة، التي أسندت إليها مهمة إعداد وثيقة دولية لحقوق الانسان، وقد أنجز القسم الأول منها، المتمثل بالإعلان العالمي لحقوق الانسان، الذي تم تقسيمه الى حقوق مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

فالرسالة الإعلامية هي النقطة المركزية في عملية الإعلام ودورها في التنمية الثقافية إنما يحدده مقدار ومدى ما تحمل من مضمون ثقافي. لذا فان رسالتنا الإعلامية ينبغي أن تحمل، بعض ما تحمل، نشر ثقافة حقوق الانسان وتربية الأجيال نحو الاعتراف بالآخر والحوار وثقافة التسامح بين القوميات المختلفة والديانات المتعددة والأفكار والمذاهب السياسية. ومن الضرورة بمكان تخصيص مادة دراسية لنشر ثقافة الانسان وبخاصة في المؤسسات التربوية والعسكرية والشرطة والمدارس.

ان الديمقراطية تتطلب المشاركة الفعالة للمواطنين في شؤون البلاد السياسية والاقتصادية والتنمية والحكم الرشيد، لذا يتوجب على وسائل الإعلام تعبئة المواطنين وزجهم في مجالات الحوكمة والتعليم والتثقيف، من خلال استخدام الآليات المؤثرة لتعزيز الحراك الديمقراطي والترويج لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وتوفير مصادر موثوقة لنقل المعلومة الى الجماهير عبر استخدام اللغات التي تنطق بها مكونات الشعب العراقي، وليس حصرها بلغة واحدة.

كما يمكن لوسائل الإعلام أن تلعب دوراً مهماً في بناء السلم المجتمعي وتعزيز النسيج الاجتماعي والمصالحة الوطنية ومقاومة العنف بكل أشكاله، وتهيئة الأرضية المناسبة من خلال ضمان المعايير الأخلاقية والمهنية وبناء المهارات والقدرات الإعلامية اللازمة وتعزيز المساءلة الإعلامية للعاملين في مجال الإعلام.

ان وسائل الإعلام الهادفة والتي تتحلى بأخلاق المهنة لا تخضع لتأثيرات ومصالح مالكيها، ولا تحيد عن مهمة الترويج للديمقراطية وتثقيف المواطنين بحقوقهم وواجباتهم وحماية حقوق الانسان ونشر التسامح بين فئات الشعب وضمان أن تخضع الحكومات الى المساءلة والمحاسبة والشفافية وبناء ثقافة مدنية، في حين تلعب بعضها دوراً معادياً لتطلعات الشعب والديمقراطية من خلال زرع الخوف والتمييز بين فئات الشعب ونشر العنف المجتمعي.

وتلعب وسائل الإعلام في بلدان التحول الديمقراطي، دوراً مهماً في الساحة السياسية، خاصة في كشفها الحقائق المغيبة عن المواطنين، سواء في مجال سوء استخدام السلطة أو في ملفات الفساد وغيرها. لهذا تخشى الطبقة السياسية وسائل الإعلام وتسعى الى، إما التقرب اليها أو معاداتها في حالة عدم إذعانها الى السكوت عن قول الحقيقة ونشر الفضائح الى الرأي العام. وتقوم بتشريع قوانين تحد من حركة وسائل الإعلام عبر التضييق المالي أو استخدام العنف والإساءة إليها وتكبيل حريتها بشتى الوسائل، تصل أحياناً الى اعتقالات واغتيالات.

* نشر المقال في جريدة الصباح العراقية، الأثنين 7 كانون الثاني 2019.