FacebookTwitterGoogle Bookmarks

ديوان الوقف المسيحي رعاية شؤون العبادة أم مشروع للاستثمار؟

16 كانون2/يناير 2019

كوهر يوحنان عوديش

 

محن ومآسي مسيحيي العراق لا تكمن في تدمير الكنائس والقتل والتهجير القسري من قبل عناصر القاعدة أو داعش الإرهابيين فقط، ولا تكمن أيضاً في الخطاب التحريضي ضدهم وتحليل أرواحهم وأموالهم وأعراضهم بل يتعدى ذلك الى أن يصبح المسيحي نفسه مشاركاً في هذه الجرائم بسبب الصراع على المناصب وامتيازاتها التي خصصت لهذا المكون، حيث وبدلاً من أن تكون هذه المناصب وسيلة لرفع الغبن عن أبناء هذا المكون وتثبيت حقوقهم أصبحت بالعكس من ذلك وبالاً عليهم تشتتهم وتبعدهم عن بعض وتدخلهم في صراعات مدمرة مضاعفين بذلك حجم المعاناة والمآسي، لأن الصراع على هذه المناصب الصورية أدى الى نسيان المسؤولين المسيحيين للهم الديني والقومي والافناء المبرمج للمسيحيين من بلادهم الأصلية.

من أهم المؤسسات والهيئات الحكومية التي من المفترض أن تكون دعماً وظهراً للمسيحيين هي ديوان أوقاف الديانات المسيحية والايزيدية والصابئة المندائية والتي يترأسها مسيحي، لأنها الهيئة أو المؤسسة الحكومية الوحيدة التي أسست أو شكلت لرعاية شؤون العبادة وأماكنها ورجال الدين والمعاهد والمؤسسات الدينية بما يساعد على تقديم أفضل الخدمات لأبنائها، وبهذا فان هذا الديوان يكون مسؤولاً عن ما يتعرض له أتباع هذه الأديان من خطف أو قتل أو تهجير أو تهميش أو... إذا ظل ساكتاً ولم يحرك ساكناً إزاء كل ما يتعرض له أتباع هذه الديانات من مذابح وجرائم وإبادة واستصغار بعقائدهم الدينية حسب القوانين التي تشرع بالضد من الدستور وتمرر بكل بساطة في البرلمان الذي يضم خمسة نواب مسيحيين!.

لست هنا لتذكير أحد بما مر به المسيحيين والأقليات غير المسلمة الأخرى في العراق، لأن الوضع المآسأوي الذي يمرون به واضح ومكشوف، لكن ما أود وأرغب في توضيحه ومناقشته هو مشاركة المسيحي نفسه في تضخيم المأساة مقابل منصب صوري مصاحب بامتيازات خيالية مجهولة الحجم على حساب معاناتنا ومستقبلنا.

من أبشع أنواع الجرائم هي أن تقتل أخاً من لحمك ودمك ومن ثم تسير في جنازته باكياً مطالباً بدمه!!!، وهذا بالضبط ما يحدث مع المسيحيين منذ قرون لكن الأمر ازداد سوءاً بعد 2003 مع غياب الأمن وانتشار العصابات والفصائل الإرهابية التي اتخذت من الدين وسيلة للذبح والقتل والتدمير، إضافة الى تشريع قوانين تنتقص من المسيحيين والأديان الأخرى غير الأسلام وتعامل معتنقيها كمواطنين من درجة عاشرة وكانت النتيجة تهجير ما يقارب مليون مسيحي من العراق خلال أقل من 15 عام، وبالمقابل ورغم كل الذي حدث ويحدث مع المسيحيين كان أصحاب السيادة (من ممثلي الكوتا المسيحيية أو كل الذين تسنموا مناصب حكومية بسبب انتمائهم الديني غير مبالين بما حدث ويحدث مع اخوانهم في الدين والقومية بل بالعكس من ذلك ظلوا ساكتين للحفاظ على مناصبهم وفي الكثير من الأحيان جملوا الوجه القبيح للحكومة الطائفية التي كانت سبباً بصورة أو بأخرى في تهجير المسيحيين وإبادتهم.

منذ تأسيس ديوان أوقاف الديانات المسيحية والايزيدية والصابئة المندائية لم نتلمس، أو حتى نسمع، عن أي نشاط أو عمل يقوم به هذا الديوان لأجل أبناء الأديان التي أسس من أجلها، بل وحتى لم يجهد القائمين عليه من رئيس ومدراء أقسام وموظفين أنفسهم بتنديد لما حدث/يحدث من جرائم لأبناء هذه الطوائف أو المطالبة بتثبيت حقوقهم ومراعاة خصوصية معتقداتهم والكف عن التحريض ضدهم عبر منابر الجوامع والمناهج الدراسية وتشريع قوانين بالضد من معتقداتهم وإجبارهم عليها، بل بالعكس من كل ذلك كان هم القائمين عليه هو التخصيصات المالية فقط وليس غيرها!، والدليل على ذلك ما صرح به رئيس الديوان السيد رعد جليل كجه‌جي بعد لقاءاته، التي تمثل دعم للمكون المسيحي في البلد حسب تعبيره!، في نهاية العام الماضي مع رئيس الجمهورية السيد برهم صالح ورئيس الوزراء السيد عادل عبد المهدي ووزير المالية السيد فؤاد حسين، حيث قال انه لمس من خلال هذه اللقاءات وجود استجابة حقيقية!!! لمطاليبه! من الجهات الرئاسية.... وأول المبادرات الجيدة هي توجيه رئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبد المهدي بدراسة زيادة موازنة الديوان وإعداد الدرجات الوظيفية ضمن الموازنة الاتحادية لعام 2019!

لا شك ان زيادة الموازنة للديوان هي بادرة خير إذا ما صرفت هذه الموزانة بإنصاف! وشفافية! على أتباع الديانات المسيحية (أما إذا كانت ثمناً للسكوت عبر إشباع القائمين على شؤوننا فالف ويل لشعبنا المسكين!)، لكن الأهم من ذلك كان على رئيس الديوان مناقشة مصير أكثر من مليون مسيحي مهجر منذ 2003 لحد اليوم، كان عليه مناقشة مصير ومستقبل سهل نينوى وأبنائه المسيحيين بعد احتلال داعش وتدميره ومن ثم تحريره!، كان عليه مناقشة القوانين (ومنها قانون البطاقة الوطنية المادة 26) التي تنتقص من معتقداتنا وحريتنا وكرامتنا وانسانيتنا، كان عليه مناقشة المناهج الدراسية والخطابات التحريضية والتكفيرية العلنية التي نسمعها بشكل شبه يومي على مدار السنة تمهيداً لإجبارنا على ترك البلد السائب قانونياً والمنفلت أمنياً.

بقاء المسيحيين في البلد ليس في زيادة موازنة الديوان أو في تعمير الكنائس أو في الكلام المنمق والمعسول للمسؤولين (ومن ضمنهم المسؤولين من أبناء شعبنا) الذي نسمعه عند كل هجمة أو في المناسبات، لأن هذه الإجراءات ليست سوى عملية تجميلية لواقعنا البشع أمام العالم...، بل ان بقائنا في البلد يكمن عبر تثبيت حقوقنا وحفظ كرامتنا وصيانة معتقداتنا وحريتنا الفكرية والدينية.

همسة: كفاكم متاجرة بمعاناتنا ومستقبلنا فنحن منك براء.