FacebookTwitterGoogle Bookmarks

رؤية آشورية لـ"المنطقة الآمنة" في الجزيرة السورية

22 كانون2/يناير 2019

سليمان يوسف يوسف

 

الحشود العسكرية الضخمة من قبل الدولة التركية على طول الحدود مع سوريا استعداداً لعملية عسكرية واسعة على مناطق سيطرة "وحدات حماية الشعب الكردية" في شمال وشمال شرق سوريا، وضعت واشنطن في موقف حرج مع حلفائها (الأتراك والأكراد) واضطرت للقبول من حيث المبدأ بفكرة (المنطقة الآمنة) بعمق 32 كم داخل الأراضي السورية خالية من (المسلحين الأكراد)، كخيار بديل عن (العملية العسكرية) التركية، لملء الفراغ (الأمني والعسكري) الذي سيخلفه الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا. ترامب، يتأمل بالوصول الى اتفاق وتفاهم مع الأطراف المعنية بالأزمة السورية، حول التفاصيل المتعلقة بالمنطقة الآمنة المزمع إقامتها، قبل سحب قواته من سوريا.

تفاهماً يرضي حليف أمريكا في الناتو (تركيا) وحليفها في الحرب على داعش (قوات حماية الشعب الكردية) ويرضي أبرز الرافضين للمنطقة الآمنة (النظام السوري وحليفه الروسي). إذا ما أقيمت المنطقة الآمنة وكان لتركيا (كلمة الفصل) فيها، كما يصر أردوغان، سيكون وضع المدن والبلدات السورية على طول الشريط الحدودي كوضع (عفرين)، المحتلة منذ عام كامل من قبل تركيا ومرتزقتها. ويكون (أردوغان)، ومن دون الحاجة لـ"عملية عسكرية" مكلفة بـ(الأرواح والعتاد والمال)، قد حقق مبتغاه: إبعاد، من يصفهم بـ"المجموعات الإرهابية" عن حدود بلاده وتوجيه ضربة قوية جديدة، بعد (غزوة عفرين)، للإدارة الذاتية التي حاول (حزب الاتحاد الديمقراطي) فرضها كأمر واقع في شمال شرق سوريا. ناهيك عن أن أردوغان سيعزز من نفوذه وسيقوي (الورقة التركية) في أي (حل سياسي) للأزمة السورية. (المنطقة الآمنة) بالشروط التركية، ستشكل "ضربة قاضية" لـ(المشروع القومي) لأكراد سوريا.

عملاً بالمبدأ (البراغماتي) في السياسة، سارع أكراد (حزب الاتحاد الديمقراطي)، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والاحتفاظ بما يمكن من مكاسب حققوها على الأرض خلال سنوات الحرب. فبعد أن تخلى عنهم الأمريكان، غيروا وجهة بوصلتهم السياسية باتجاه (دمشق وموسكو) وأبدوا الاستعداد لتسليم جميع المناطق الخاضعة لسيطرتهم الى جيش النظام (الجيش السوري) وأن تصبح (قوات سوريا الديمقراطية)، التي تشكل "قوات حماية الشعب الكردية" عمادها الأساسي، جزءاً من هذا الجيش، لقاء بعض المكاسب والحقوق السياسية والقومية واعتراف دمشق بـ"إدارتهم الذاتية".

آشورياً: في حال غزت تركيا مدن وبلدات الشريط الحدودي في الجزيرة السورية أو أُقيمت فيها (منطقة آمنة) بشروطها، ليس للآشوريين (سرياناً كلداناً) ما يخسرونه من "إنجازات ومكاسب" قومية وسياسية على الأرض، كما للأكراد.

الآشوريون، خلال سنوات الحرب، فقدوا الكثير من مقومات وجودهم، بدءاً من (العنصر البشري) بسبب الهجرة والتهجير، الى تقويض مدارسهم السريانية ومؤسساتهم الخاصة (الثقافية، التربوية، الاجتماعية، التعليمية، الاقتصادية)، بعضها يعود الى ما قبل استقلال الدولة السورية، أقاموها في إطار هامش الحريات الدينية والاجتماعية المتاحة في سوريا. لا أكشف سراً، بالقول: أن الآشوريين (سرياناً كلداناً) ليسوا سعداء بالوضع الشاذ الذي تعيشه الجزيرة السورية في ظل ازدواجية السلطة (سلطة الأمر الواقع الكردية) و(سلطة النظام). بيد أن هذا لا يعني بأن الآشوريين يؤيدون "غزواً أو عدوناً تركياً" على منطقة الجزيرة أو على غيرها من المناطق السورية أو أنهم متحمسون لإقامة "منطقة آمنة" تحت إشراف وإدارة تركيا العثمانية الإسلامية، التي نفذت أبشع (إبادة جماعية) بحق الآشوريين (سرياناً كلداناً) والأرمن والمسيحيين عموماً.

الآشوريون السوريون، بكل قواهم (السياسية والحزبية والمجتمعية والعسكرية)، أعجز أو أضعف من أن يكونوا "لاعباً" في الساحة السورية، فكيف بهم وهم (ليسوا على قلب رجل واحد) وهم من غير حليف (إقليمي أو دولي)، كما هو حال الأكراد. الانقسامات والخلافات داخل (البيت الآشوري) حالت دون تبلور (رؤية آشورية) مشتركة لقضية وحقوق الآشوريين السوريين وغيبت (الإرادة الآشورية) الحرة المستقلة. بعض الأحزاب والمنظمات والفعاليات (السريانية الآشورية) بما فيها المجموعات المسلحة التي أفرزتها الحرب، ملحق بقوى كردية، وبعضها الآخر يتبع قوى (عربية /إسلامية) معارضة للنظام، ومنها من يدور في فلك النظام. أحزاب ومنظمات وقوى سياسية، مفصولة أو بعيدة عن واقع شعبها، خيبت آمال الآشوريين (سرياناً كلداناً) في تحقيق الحد الأدنى من تطلعاتهم القومية والسياسية. مازالت الفرصة متاحة أمام القوى والأحزاب الآشورية السريانية للالتقاء والتشاور معاً قبل فوات الأوان لأجل توحيد جهودها للخروج بموقف (آشوري وطني) متوازن من التطورات الأمنية والسياسية في سوريا انطلاقاً من المصالح الحقيقية للآشوريين (سرياناً كلداناً) والتوافق على مطالب آشورية محددة للاشتراك في أي "مجالس مدنية" قد تتشكل لإدارة (المنطقة الآمنة) المزمع إقامتها، والقيام بما يجب القيام به لأجل تحصين المجتمع الآشوري السرياني والمسيحي في القامشلي وباقي مدن وبلدات الحسكة من تداعيات انتكاسات أمنية لغزو تركي محتمل في حال حصل انسحاب أمريكي مفاجئ قبل وصول الأطراف المعنية الى تفاهمات حول ملء الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب الأمريكي.

* نشر المقال في جريدة إيلاف الألكترونية، الثلاثاء 22 كانون الثاني 2019.