FacebookTwitterGoogle Bookmarks

الفساد المالي يسجل هدفاً في مرمى النظام!!

28 كانون2/يناير 2019

أوشـانا نيسـان

 

"لاعب عراقي يجلب الحزن للعراقيين"، كان عنواناً للنتيجة النهائية بين المنتخبين العراقي والقطري ضمن مباريات بطولة كأس آسيا 2019. حيث نجح الفساد المالي والإداري الذي ينخر في بنيّة النظام السياسي العراقي الجديد منذ عام 2003، نجح في الكشف عن الثغرات التي باتت تؤرق الذات العراقية المبدعة والقاتلة للطموح وأحلام الشعوب العراقية بأسرها. ولاسيما بعدما أخفقت الملايين إن لم نقل المليارات من الدولارات التي هدرتها ما يسمى بهيئة النزاهة والشفافية العراقية من قوت الشعوب العراقية، في الكشف عن تداعيات الفساد المالي والإداري الذي بدأت تعاني منه جميع مؤسسات الدولة العراقية.

صحيح أن ظاهرة الفساد المالي والإداري آفة مجتمعية قديمة وفتاكة وقفت وتقف على الدوام عقبة في سبيل النمو وتطور المجتمع وتحديثه من خلال تركيز ثروات البلد وزمام الأمور بيد حفنة قليلة وفاسدة من المجتمع، ولكن أن يقف الفساد حجر عثرة في وجه مسيرة الإبداع والانتعاش الاقتصادي وسلسلة من النجاحات الوطنية والفردية، فهذه مسألة يجب وقفها قبل فوات الأوان. تماماً كما أكد السيد عادل عبدالمهدي رئيس الوزراء الجديد خلال ترؤسه الجلسة الاولى للمجلس الأعلى لمكافحة الفساد بحضور رؤساء الادعاء العام وهيئىة الإشراف القضائي وديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة ومفتش عام وزارة الداخلية وعدد من المستشارين بتاريخ 31 كانون الأول 2018، بقوله:

"أن الهدف من إعادة تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد هو تمكينه من اتخاذ الإجراءات الرادعة وتوحيد جهود الجهات الرقابية في سياق عمل جديد قادر على التصدي لأية جهة أو شخص مهما كان موقعه وأن نتصرف كدولة في كشف الفساد وحماية المجتمع والمواطنين والمال العام على حد سواء"، نقلاً عن رووداو 2018/12/31".

حيث يتذكر المتابع كيف هيمن الحزن على وجوه معطم العراقيين وتحديداً محبي كرة القدم العراقية، بعد خسارة الفريق العراقي أمام قطر يوم الثلاثاء بتاريخ 22 يناير الجاري. ذلك بعد نجاح اللاعب العراقي الأصل بسام الراوي والمتجنس جنسية قطرية في تسجيل الهدف الوحيد الذي أهل الفريق القطري لدور الربع النهائي على حساب فريق بلده الأصلي/ العراق في كأس آسيا الدورة 16.

إذ الواضح أن صدى الهدف الذي سجله اللاعب بسام الراوي في مرمى بلده الأصلي العراق، يمكن وصفه بمثابة دق ناقوس الخطر فيما يخص تداعيات هجرة الأدمغة والقابليات العراقية. حيث سيكون العراق معّرضاً لتداعيات مستقبلية خطيرة بسبب هجرة العقول والمبدعين العراقيين. كل ذلك بسبب التهميش المتعمد للثقافة والمثقفين والمبدعين والأكاديميين والفنانين إثر تحديد مساحات الحرية الفكرية والإبداع بجميع أنواعه.

ففي روايته الخاصة يصف الروائي العراقي عباس خضر حنينه الى الوطن ويقول "حنيني للعراق انتهى حينما زرته عام 2003 بعد سبع سنوات من مغادرتي عام 1996 والعيش في المنفى. فعندما عدت لم أجد سوى الخراب، ولا أقصد خراب المدن إنما خراب القلوب والأرواح. من يومها وأنا أعيش في وطن لا دخل له بالأوطان، وطن شخصي أحدد ملامحه حسب رغبتي"، يقول الروائي الذي زج به الطاغية صدام حسين في السجن رغم صغر سنه، وظل في السجن حتى صدر عفو رئاسي أتاح له الخروج مع المعفو عنهم.

خلال استقراري في مملكة السويد لأكثر من ربع قرن، زرت معظم الدول الأوربية وعلى رأسها أنكلترا، النمسا والسويد وغيرها، التقيت شخصياً بعدد غير قليل من الأطباء العراقيين من الدرجة الاولى فضلوا البقاء في المنافي والاغتراب رغم حاجة العراق الى الأطباء ورغم الانتكاسة التي يعيشها القطاع الصحي في العراق. كل ذلك لا بسبب رغبة الطبيب أو المثقف أو المبدع العراقي في تفضيل الاغتراب على الوطن وإنما بسبب التهميش وغياب الأجواء الفكرية والعلمية المطلوبة لتطوير البلد. وعن ذلك نشرت "وكالة أنباء براثا" تحت عنوان "العراق يهجّر أطباءه ويستورد الأطباء الهنود" بتاريخ 2012/10/2 ما يلي:

- تم الاتفاق مع وزارة الصحة الهندية على تزويد المؤسسات الصحية العراقية بـ150 من أطباء التخدير و1000 من الممرضات لمعالجة النقص في هذه الاختصاصات.

هذا وأشارت دراسة أخرى أجريت في سنة 2011 الى أن "مجموع الأطباء العراقيين في المملكة المتحدة هو 5 آلاف طبيب وأن 3 آلاف و800 طبيب منهم يقيمون في لندن فقط"، المصدر أعلاه.

هذا بالنسبة للأطباء العراقيين أما ما يتعلق بالمهن والفنون الأخرى وتحديداً ما يتعلق بالتصاميم الهندسية فحدث ولا حرج. فقد جاءت المهندسة المعمارية العراقية زها حديد على رأس قائمة معماري العالم. حيث كانت أعلى المعماريين أجراً على مستوى العالم، وأول سيدة حصلت على الميدالية الذهبية من المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين. حيث نادراً ما يلاحظ المرء تصاميم معمارية ملهمة في العالم كله، من دون أن يتذكر بصمات المعمارية زها حداد، ولكن أعمالها في بلدها الأصلي رفضت. "لقد ذهبت عدة مرات للعراق لأخدم بلدي ولم أوفق"، أكدت المعمارية زها حديد في ردها على تساؤل، هل تعتقدين مشكلة العراق اليوم هو التدني الحضاري حيث لا يوجد الرجل المناسب في المكان المناسب؟

أما ما يتعلق بالمهن الأخرى وتحديداً ما يتعلق بالملاعب العالمية، تنشر شبكة "أرم" تحت عنوان "لاعبون عراقييون يتألقون في الملاعب العالمية" بتاريخ 27 يناير الجاري ما يلي:

- انتقال اللاعب العراقي علي عدنان الى أودينيزي الايطالي وتألقه في اللقاء الودي الأول

- مهند على نجم منتخب العراق على رادار يوفنتوس الايطالي

- انتقال مهاجم منتخب العراق شيركو كريم وعمره 19 سنة في بداية سنة 2015 الى فريق جراسهوبرز السويسري وهو من المواهب الصاعدة في كرة القدم العراقية

- اللاعب ريبين غريب سولاقا وعمره 22 سنة وهو مدافع فريق سيريانسكا السويدي أحد فرق الدرجة الاولى.

أما بالنسبة للكتابة والفكر فقد توجد أيضاً أقلام حازت على جوائز عالمية منها:

- حصول الكاتب العراقي حسن بلاسم على جائزة "انديبيندنت" لأفضل كتاب خيالي أجنبي بفضل روايته "المسيح العراقي". علماً أن بلاسم هو شاعر ومخرج وكاتب قصص قصيرة وهو أول كاتب عربي يفوز بهذه الجائزة.

وفي الختام أؤكد، أن ما ذكرته أعلاه من الأسماء العراقية اللامعة في سماء دول الاغتراب، لم تأت اعتباطاً بل جاءت محصلة التفاعل النهائي بين العوامل البيئية - المجتمعية في دول الاغتراب والعوامل الوراثية للانسان. فعملية تطوير القدرات الإبداعية للفرد، تتأثر كثيراً بطبيعة الأجواء الإبداعية الذي يعيش في ظله الفرد نفسه. عليه تتطلب الضرورة، خلق وتوفير الأجواء الفكرية والاقتصادية الملائمة لتطوير القدرات الإبداعية والمواطنة الفاعلة لدى المواطنين العراقيين من دون تمييز، إذا قدر لنا التفكير بوقف هجرة الأدمغة والقدرات العراقية.