FacebookTwitterGoogle Bookmarks

التعايش السلمي لا يعني استباحة مناطق المسيحيين في عموم العراق

30 كانون2/يناير 2019

كـامل زومـايا

 

ان الحديث عن التغييرات الديموغرافية لمناطق المسيحيين في عموم العراق بشكل عام وفي مناطق سهل نينوى بشكل خاص وكذلك التجاوزات على أراضيهم في إقليم كوردستان ليست جديدة، ولعل ما يميز تلك العمليات الممنهجة في التغييرات الديموغرافية لمناطق المسيحيين بأنها اليوم أكثر شراسة في الاستيلاء على مناطقهم بما تعرضوا له من تغييرات ديموغرافية في ظل النظام الديكتاتوري البائد، وبالرغم من إصدار قرار المحكمة الاتحادية العليا بمنع التغييرات الديموغرافية لمناطق الأقليات ومنهم المسيحيين وفق المادة 23 ب من الدستور الاتحادي إلا ما نشهده اليوم وبعد تحرير مناطقهم من براثن الدولة الإسلامية داعش الإرهابي وكما يبدو ان تحرير مناطقهم كان ثمنه المزيد من الاستيلاء والاستحواذ على أراضيهم وممتلكاتهم وخاصة في سهل نينوى.

لقد انعقد في الفترة الواقعة بين 23-24 / 11 / 2013، في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، المؤتمر الأول لأصدقاء برطلة تحت شعار "لا للتغيير الديمغرافي في مناطق المسيحيين الأصلية في العراق". وقد وجد المؤتمر ترحيباً حاراً من رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق والأحزاب والقوى الكردستانية والكثير من الأحزاب والقوى العراقية وتلقى الكثير من رسائل التأييد والدعم. وقد حضرت افتتاح المؤتمر السيدة الأولى عقيلة السيد رئيس الجمهورية هيرو خان أحمد آنذاك والسادة ممثلوا السيد رئيس الجمهورية العراقية والسيد رئيس الإقليم والسيد نائب رئيس الإقليم وعن الأحزاب والقوى السياسية العراقية والكردستانية وممثل عن الأمم المتحدة والسيد سترون ستيفنسون رئيس لجنة العراق في البرلمان الأوربي ونيافة المطارنة والكهنة وشيوخ الدين وجمهور غفير من المثقفين ومؤيدي المؤتمر وقضيته العادلة امتلأت بهم قاعة الشهيد سعد عبد الله.

في اليوم الثاني من المؤتمر وبطلب من السيد مسعود برزاني رئيس إقليم كوردستان العراق قام وفد كبير من أعضاء المؤتمر باللقاء مع سيادته في مقره في صلاح الدين وتحدث الوفد عن مهمة المؤتمر والتعقيدات التي تواجه المسيحيين في سهل نينوى وكذلك التجاوزات على أراضي المسيحيين في إقليم كوردستان وتم تسليمه ملفاً بالتجاوزات على أراضي المسيحيين في إقليم كوردستان ووعد سيادته باتخاذ ما يلزم في إنصاف المسيحيين المتضررين جراء ذلك، كما عرض الوفد لسيادته الحلول المطلوبة والانسانية لمواجهة التغيير الديمغرافي القديم والجاري حالياً وضرورة ايقافه ومعالجة المشكلة لصالح تعزيز وتكريس الصداقة والود بين مكونات الشعب العراقي، وبشكل خاص بين المسيحيين والشبك في سهل نينوى، ومنها برطلة وتلكيف وغيرهما. وقد أبدى السيد رئيس الإقليم تفهمه الكامل وتأييده الحار لحل هذه المشكلة المعقدة والقديمة بطريقة انسانية وعملية لصالح المسيحيين والشبك في آن واحد، وعلى مدى يومين ناقش المؤتمرون المشكلة التي عانى منها المسيحيون في الماضي والحاضر والتي تفاقمت في ظل الحكم الطائفي السائد في العراق. وقد وجد المؤتمرون ضرورة حل هذه المشكلة المتفاقمة بصورة انسانية لمواجهة مخاطر التغيير الديمغرافي والتجاوزات على الدستور العراقي ومنها هجرة الكثير من المسيحيين الى خارج الوطن من خلال حلول انسانية وعملية لايقاف التغيير الديمغرافي والزحف غير المشروع على مناطق المسيحيين من الشبك الذين كانوا ومازالوا يعانون من سوء الأوضاع والقتل العمد من التكفيريين، كما يعاني منها المسيحيون أيضاً. وقد وضع المؤتمر مجموعة من التوصيات لمعالجة المشكلة التي هي ليست ضد الشبك ولكن في مصلحة المكونين المسيحي والشبك ومن أجل تعزيز العلاقة التاريخية بينهما في المنطقة. وطالب المؤتمر ايقاف تدخل بعض قوى الإسلام السياسي ومن الدول الأجنبية في ما يجري حالياً من عمليات تغيير غير شرعية على مناطق المسيحيين بحيث أصبح المسيحيون أقلية في مناطقهم الأصلية كما في حالة برطلة وتلكيف على سبيل المثال لا الحصر.

اليوم وبعد تحرير مناطق المسيحيين في سهل نينوى من براثن دولة الخلافة الإسلامية داعش الإرهابي ازدادت عمليات الاستيلاء على مناطقهم في حجج شتى فتارة تحت حجة تكريم عوائل شهداء الحشد الشعبي الذين ضحوا بدمائهم من أجل تحرير مناطق العراق وكأنه لا توجد مناطق أخرى في العراق سوى مناطق المسيحيين في سهل نينوى لتوزيعها على العوائل المنكوبة أو بحجة بناء مجمعات سكنية في مناطق المسيحيين ولا يوجد أي مبرر لذلك ومن المفروض أن تقام تلك المشاريع والمجمعات في مناطق الشبك في سهل نينوى.

إن هكذا عمليات ملتوية وبطرق غير مشروعة تفند الإدعاءات الحكومية التي تدعوا الى التعايش السلمي وبناء أواصر بين مكونات الشعب العراقي، حيث لا يتلمس المسيحي والايزيدي والصابئي المندائي وغير المسلم تلك المبادئ وتلك الحقوق التي تجاهر بها الحكومة العراقية باحترام حقوق الأقليات وحماية تراثهم ومناطق سكناهم التاريخية.

ان ما تقوم به الجهات المتنفذة في دوائر الحكومة العراقية ضد المسيحيين وأبناء الأقليات غير المسلمة يراد منه تهجيرهم بشتى الطرق، ولا تختلف هذه الممارسات عن ما كان يفعله النظام الديكتاتوري السابق في عملية إطفاء أراضي المسيحيين في سهل ننيوى واعتبارها ملكاً للدولة ومن ثم يقوم بتوزيعها على شكل قطع سكنية كمكرمة لمنتسبي جهاز الأمن الخاص والمخابرات العراقية والجيش العراقي من أهالي الحضر والشرقاط والقيارة بحجة تكريمهم على حساب ممتلكات المسيحيين في المنطقة، واليوم يعيد التاريخ نفسه لتكون ممتلكات المسيحيين في سهل نينوى مستباحة بحجة تكريم أبناء الحشد الشعبي وبعيداً عن المزايدات نحن بهذا الصدد لا ننكر ما قدمه الحشد الشعبي من دماء زكية للدفاع عن الوطن مع أبطال البشميركة والجيش العراقي البطل، نعم يستحقون هم وعوائل الشهداء الحياة الكريمة وأن تقدم لهم الحكومة جميع حقوقهم واستحقاقاتهم ولكن لا أن يكون على حساب أراضي وممتلكات العراقيين بشكل عام ومن ضمنهم المسيحيين وأن لا تكون الأراضي التي توزع عليهم أراضي مغتصبة وأن لا يكون التوزيع في مناطق التاريخية للشعوب الأصيلة في سهل نينوى.

ان التجاوزات والاستيلاء غير المشروع على مناطق المسيحيين تحت أي مسوغ كان، يعد علامة فارقة بإنهاء وجود المسيحيين في العراق، وإن الاستمرار بعدم الاهتمام بأسس ترسيخ التعايش السلمي بين مكونات والقوميات المتآخية في العراق سيجعل المنطقة دوماً في حالة صراع وعدم استقرار، لذا على حكومتي بغداد وأربيل أن تلتزم بمسؤوليتهم في الحفاظ على السلم الأهلي والعمل في ايقاف جميع العمليات التغيير الديموغرافي ومن ثم إزالة جميع آثارها القديمة وإغلاق ملف التجاوزات على أراضي المسيحيين في إقليم كوردستان العراق وبدون ذلك ستكون كل الخطابات الحكومية التي تدعوا للتعايش السلمي كلام فارغ وبدون فائدة وأقل ما يقال بأنه للاستهلاك المحلي وتجميل الأوضاع في العراق وهو ليس كذلك، ونخشى أن يكون العراق دوماً كما هو حاله الآن في جدول أعمال المجتمع الدولي في المراجعة الدورية لأوضاع حقوق الانسان وحقوق الأقليات وحمايتهم في العراق.

ان عدم معالجة تلك الممارسات ستزيد من الاحتقان وتزيد نزيف الهجرة لأبناء الأقليات خارج الوطن وهي قطعاً ليست من مصلحة العراق الاتحادي ولا من مصلحة الفدرالية الفتية في كورستان العراق.