FacebookTwitterGoogle Bookmarks

تفاؤل عراقي رغم التركة الثقيلة

30 كانون2/يناير 2019

جـورج منصـور

 

يحسد رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، أحياناً، على تفاؤله وتبيان ثقته وقدرته على "إيجاد الحلول لجميع الأزمات وبناء مستقبل أفضل" وأن "يعود العراق مركزاً للحضارة وللعلم والمعرفة لإمتلاكه مقومات وخصائص النهوض"، وهو الذي أعلن عن دخوله في "منازلة كبيرة" مع الفساد، معتبراً ان: "الفساد عدو آخر لا يقل شراسة عن الإرهاب وهدفه تخريب العراق وتبديد المال العام ومن واجبنا جميعاً حكومة وشعباً وأجهزة قضائية وأمنية التصدي له وملاحقة المجرمين المطلوبين للعدالة وسارقي قوت الشعب".

ترى على ماذا يتكئ عادل عبد المهدي، ومن أين يستمد قوته وعزمه، وهو الذي لا يمتلك جهة أو كتلة برلمانية داعمة. وقد عرقلت الصراعات والتنابز بين الكتل والأحزاب مهمته في استكمال التشكيلة الوزارية طيلة الأشهر الماضية، خاصة السيادية منها: الداخلية والدفاع والعدل؟ وهو الذي قال: "كانت لنا حرية اختيار ثمانية أو تسعة وزراء، أما البقية فهي نتيجة اتفاقات سياسية". ويعني بالبقية 13- 14 وزارة.

يعتبر ملف الفساد من أكبر التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، إذ ان هنالك 13 ألف ملف فساد مكدس على رفوف "هيأة النزاهة" وفي أروقتها. الفساد الذي أدى الى خسائر مالية تقدر بنصف مليار دولار. وان تصريح وزير النفط العراقي ثامر الغضبان في "إن من قام بسرقة مصفى بيجي، اتصل بالوزارة لبيعها عليها من جديد" مؤكداً "ان وزاراته لا تستطيع توجيه التهم الى أي جهة، كون هذا الموضوع تم إبان مدة الحكومة السابقة" يشكل وجهاً حقيقياً للفساد المنفلت في عراق اليوم، ويؤكد على صعوبة التعامل معه أو مواجهته عبر القنوات الرسمية والقوانين المعمول بها في الدولة العراقية.

ان التركة الثقيلة التي توارثها عبد المهدي تعود الى ست عشرة سنة الماضية، وتتمثل بمديونية تقدر بأكثر من 112 مليار دولار، وملفات كبيرة من فساد ينخر بجسد الدولة ومؤسساتها، أغلبه فساد النخب السياسية، وتنتشر ظاهرة الرشوة والبيروقراطية وتضخم الجهاز الحكومي والمحسوبية والمنسوبية، التي أفرزتها، في الغالب الأعم، الأوضاع الاقتصادية والظروف المالية المتدهورة لموظفي الدولة على جميع المستويات والغبن الوظيفي الذي لحق بهم وقلة أجورهم، إضافة الى سوء الخدمات وتدمير البنية التحتية وكثرة المشاريع الوهمية وتدني مستوى التعليم وعدد هائل من الموظفين والتعيينات المنفلتة والفائضين والفضائيين الذين يثقلون كاهل موازنة الدولة بمرتباتهم ويضعفون من روح المبادرة ويشلون التناسق والتفاعل بين أجهزة الدولة.

وقد قدرت وزارة التخطيط عديدهم ب 3.5 مليون موظف يشكلون نسبة 40 في المئة من إجمالي القوى العاملة في العراق، ما يمثل ثلاثة أضعاف الحاجة الفعلية لهم في مؤسسات الدولة مجتمعة. في وقت يعيش 3 ملايين مواطن عراقي في تجمعات وأحياء فقيرة ومساكن عشوائية. وكانت منظمة الشفافية الدولية قد عدت العراق، في تقريرها الصادر في عام 2009 من أكثر البلدان فساداً في العالم. كما جاء العراق خارج التصنيف السنوي في مجال الابتكارات، حسب تقرير وكالة بلومبيرغ حول اقتصادات دول العالم الصادر في 22 كانون الثاني 2019 ووضع مؤتمر دافوس العالمي، العراق خارج التصنيف من حيث جودة التعليم في 140 دولة في العالم.

لقد قدر عدد الراسبين من تلاميذ المرحلة الابتدائية لعام 2017-2018 بما يقارب المليون تلميذ، ولم يلتحق أكثر من 131 ألف تلميذ بالمدارس الابتدائية ولم يصل 47 في المئة منهم الى المرحلة الثانوية. وهم في دولة العراق الغنية، يفتقرون الى مدارس لائقة بهم ويداوم الكثيرون منهم في مدارس طينية أو يفترش الأرض في العراء. كما ان البعض منهم يقطع مسافات طويلة، مشياً على الأقدام، للوصول الى المدرسة في ظروف جوية غير مناسبة.

في تقرير لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2017 احتل العراق موقع الصدارة من بين الدول الأكثر فساداً في العالم، وصنف في مؤخرة قائمة الدول العاملة لمكافحة الفساد. واعتبرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في تقريرها الصادر في آب (اغسطس) 2017 ان 5.1 مليون طفل عراقي بحاجة الى مساعدات صحية ومعالجات. وكانت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة قد وصفت الوضع الصحي في العراق ب "السيئ ويزداد سوءاً وانهيار بعض مؤسساته الصحية". هذا إضافة الى تآكل البنى التحتية ومشكلة الكهرباء المستعصية وتلوث البيئة وانحسار الخدمات.

وكان فريق استقصائي من دائرة الوقاية التابعة لهيأة النزاهة قد كشف عن وجود مغالاة باحتساب الكلفة التخمينية لطبع 148عنوان كتاب مدرسي تصل الى 15 مليار دينار ورصد مخالفات في عقد شركة بريطانية بلغت قيمته أكثر من 23 مليون دولار أمريكي، مؤكداً على ضرورة الوقوف على الأسباب الحقيقية التي تؤدي الى تغيير المناهج الدراسية بشكل مستمر.

ترى، هل سيتوفق عادل عبد المهدي في حل البعض من هذه الملفات العالقة والشائكة والمزمنة، خاصة في مجال محاربة الفساد ومعاقبة المفسدين واعادة العقارات المتجاوز عليها والتي تقدر بأربعة الآف عقار، الى الدولة أو الى أصحابها الحقيقيين، وتحسين الخدمات الأساسية والأوضاع المالية؟ أم سيصل غضب الشعب الى ذروته ويفور كالتنور؟.

ولن يبقى الشعب مأخوذاً بتفاؤل رئيس حكومته وآماله العريضة في حل الأزمات وبناء مستقبل أفضل، ولن ينتظر أن تبدأ خطوة الألف ميل بخطوة، بل من الأرجح أن يتعالى صوته مردداً ما ورد في القرآن الكريم: "والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء".

* نشر المقال في جريدة الحياة، الأربعاء 30 كانون الثاني 2019.