FacebookTwitterGoogle Bookmarks

أول قداس مسيحي يقيمه بابا الفاتيكان في مهد السلام!!

05 شباط/فبراير 2019

أوشـانا نيسـان

 

"أزور هذا البلد كأخ لنكتب معاً صفحة حوار ونمضي في مسار السلام سوية"، يكتب الحبر الأعظم البابا فرانسيس في حسابه على موقع التويتر قبل توجه طائرته الى أبوظبي عاصمة الإمارات بدقائق بهدف التوقيع على وثيقة "الاخوة الانسانية بين الفاتيكان والأزهر" والمشاركة ضمن فعاليات المؤتمر العالمي للاخوة الانسانية الذي انطلقت أعماله في أبوظبي يوم الأحد بتاريخ 4 شباط 2019.

المتابع للزيارة التي قام بها كل من قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية في روما وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في القاهرة، يعرف أن الغرض من الزيارة حسب قول "مجلس حكماء المسلمين" يهدف الى "تفعيل الحوار حول الاخوة الانسانية وأهميتها ومنطلقاتها وسبل تعزيزها عالميا. كما ويسعى الى التصدي للتطرف الفكري وسلبياته وتعزيز العلاقات الانسانية وإرساء قواعد جديدة لها بين أهل الأديان والعقائد المتعددة"، انتهى الاقتباس.

أما أنا فيمكن حصر استنتاجاتي وقناعاتي الشخصية حول نتائج مؤتمر "اللقاء العالمي للاخوة الانسانية"، والذي عقد في أبوظبي وفق ثلاث مسؤوليات تم الاتفاق عليها، رغم انني أسأل مستغرباً، كيف نجح الحبر الأعظم البابا فرنسيس في إقناع الإمام الأكبر في جامعة الأزهر بالتصدي للتشدد الإسلامي ونعته بالإرهاب رغم عدم تسميته، في الوقت الذي فشلت فيه جميع المحاولات السابقة في إقناع جامعة الأزهر بهذه الحقيقة.

هذه الزيارة التي يمكن تشبيهها حقاً بالزيارة التي قام بها قداسة البطريرك مار ايشو عياب الثاني (628-644) بطريرك كنيسة المشرق الى مدينة يثرب عام 630 م بهدف التداول مع نبي الإسلام محمد (ص)، والحصول على عهد من (محمد سلام الله عليه ومن أمته الى الأمة الآشورية) كما جاء في وثيقة العهد التي حصل عليها البطريرك.

المسؤولية الاولى:

يقول الإمام الأكبر شيخ الأزهر في كلمته "أن وثيقة الأخوة الانسانية تدعو لنشرِ ثقافة السلام والعدالة واحترام الغير والرفاهية للبشريَّةِ جمعاء، بديلاً من ثقافة الكراهية والظلم والعُنف والدماء، مؤكداً أن الأديان الإلهيَّة بريئة كل البراءة من الحركات والجماعات المسلَّحة التي تُسمَّى حديثاً بـ"الإرهاب"، كائناً ما كان دينها أو عقيدتها أو فكره أو ضحاياها أو الأرض التي تُمارِس عليها جرائمَها المنكرة. هذا ودعا لوقف اسـتخدام الأديان والمذاهب في تأجيج الكراهية والعنف والتعصُّب الأعمى، والكفِّ عن استخدام اسم الله لتبرير أعمال القتل والتشريد والإرهاب والبطش. كما وذكر أن أوَّل أسباب أزمة العالَم المُعاصر اليوم إنما يعود الى غياب الضمير الانساني والأخلاق الدِّينيَّة وتَحكُّم النزعات والشهوات الماديَّة والإلحاديَّة والفلسفات العقيمة البائسة التي ألَّهت الانسان وسخرت من الله ومن المؤمنين به"، أنتهى الاقتباس.

الاعتراف التاريخي هذا يأتي بعد إخفاق جميع الجرائم اللاانسانية والدموية والاغتصاب واختطاف الآلاف من الايزيديات والمسيحيات في سهل نينوى، في إقناع جامعة الأزهر بإدانتها باعتبارها جرائم ضد الانسانية ومن نوع الإبادة الجماعية. في حين نجح البابا فرنسيس والحمدلله والشكر، في إقناع الأزهر بضرورة التوقيع على الوثيقة التاريخية التي تهدف الى إحلال السلام والعيش المشترك، وهي إعلان لدعوة المؤمنين للتوحد على ثقافة الاحترام وتقبل الآخر، ونشر قيم الخير والسلام والمحبة بإسم الاخوة بين البشر أجمعين. ستكون الوثيقة موضع بحث بالمدارس والمعاهد والجامعات للمساعدة في خلق أجيال جديدة تحمل الخير والسلام والتآخي للجميع بغض النظر عن الانتماء المذهبي.

المسؤولية الثانية:

يقول الإمام الأكبر في جامعة الأزهر مخاطباً المسلمين في دول الغرب، "اندمجوا في مجتمعاتكم اندماجاً ايجابياً، تحافظون فيها على هويتكم الدِّينيَّة كما تحافظون على احترام قوانين هذه المجتمعات، واعلموا أن أمن هذه المجتمعات مسؤوليَّة شرعيَّة، وأمانة دينيَّة في رقابكم تُسألون عنها أمام الله تعالى"، انتهى الاقتباس.

الدعوة التي يمكن اعتبارها بمثابة فتوى دينية في سبيل دعم وتشجيع سياسة الاندماج في بلدان الغرب، بعدما أخفق الغرب كله وتحديدا الدول الأوروبية في تطبيق سياسة الاندماج بالشكل المطلوب. والدليل على صحة قولنا:

"وجود أو وقوف الآلاف من الدواعش الأوروبين المسلحين وراء سلسلة من الجرائم الدموية والاغتصاب والقتل الذي جرى ويجرى بانتظام في كل من سوريا والعراق وغيرها من المناطق الملتهبة".

المسؤولية الثالثة:

وفي الجانب الآخر وفي حديثه الموجه الى مسيحيي الشرق الأوسط يقول شيخ الأزهر، "أنتم جزء من هذه الأمة وأنتم مواطنون ولستم أقلية وأرجوكم أن تتخلصوا من ثقافة مصطلح الأقلية الكريه، فأنتم مواطنون كاملوا الحقوق والمسؤوليات، واعلموا أن وحدتنا هي الصخرة الوحيدة التي تتحطم عليها المؤامرات التي لا تفرق بين مسيحي ومسلم إذا جد الجد وحان قطف الثمار"، انتهى الاقتباس.

هذا النهج الذي بإمكانه وعلى المدى البعيد، تهدئة الأجواء السياسية المعقدة وإفشال سياسة التيارات الإسلامية المتطرفة ونهجها المعلن عنها في ضرورة إخلاء جميع بلدان الشرق الأوسط من سكانها الأصليين باعتبارهم مواطنين مسيحيين وغير مرغوب فيهم. رغم أن شيخ الأزهر لم يعترف علناً في حديثه، بوجود شعوب ومكونات مسيحية غير عربية وغير مسلمة في بلدان الشرق الأوسط، بالإضافة الى عدم إشارته الى غياب الدولة المدنية أو دولة المواطنة الدستورية في الشرق كله.

وفي الختام يجب القول، أن المؤتمر العالمي للاخوة الانسانية الذي عقد تحت رعاية الشيخ محمد بن زايد في أبو ظبي، سيكون له لا محالة تأثيرات ايجابية على تجفيف البيئة الحاضنة لظهور ونشأة النهج التطرفي ومسبباته في الشرق عموماً وعلى المدى البعيد، ولكن المؤتمر كغيره من المؤتمرات التي تعقد في بلدان الشرق الأوسط، لم يخلو باعتقادي من بعض نقاط الضعف ولعل نقطة ضعف المؤتمر الأساسية، كان غياب مشاركة رؤساء أو زعماء الدين أو الفكر المسيحي الملحوظ في المؤتمر.