FacebookTwitterGoogle Bookmarks

وثيقة "الأخوة الانسانية"

07 شباط/فبراير 2019

سليمان يوسف يوسف

 

يوم الأثنين الماضي (4 شباط 2019) وقعا كل من بابا الفاتيكان (فرنسيس الأول) وشيخ الأزهر (أحمد الطيب) في عاصمة دولة الإمارات (أبوظبي) ما سميت بوثيقة "الأخوة الانسانية". الوثيقة تدعو للتسامح والحوار والعيش المشترك بين الأديان. كما تدعو لمكافحة العنف والتطرف في المنطقة والعالم. وُصفت بـ"الوثيقة التاريخية" على أمل أن تفتح (صفحة جديدة) في تاريخ العلاقة بين الأديان، تحديداً بين المسيحية والإسلام.

أبرز ما قاله البابا فرنسيس في احتفالية التوقيع "الحريات الدينية لا تقتصر على حرية العبادة وإنما هي أن نرى في الآخرين أخوة في الانسانية.. إما أن نصنع الأديان والمستقبل معاً أو لا مستقبل.. لا يمكن لأي شخص أن يبرر العنف بإسم الدين". شيخ الأزهر، قال "المسيحية احتضنت الإسلام حين كان ديناً وليداً.. على المسلمين في الشرق الأوسط حماية المسيحيين.. الدين بريء من التنظيمات الإرهابية".

مسيحيو المشرق، ومعهم الكثير من المسلمين، يتأملون ترجمة ما تضمنته هذه "الوثيقة التاريخية" الى أفعال وأن تطوى معها صفحة المظالم والاضطهادات بحق مسيحيي المشرق وأن تصبح الوثيقة "عقد اجتماعي" لجميع دول منطقتنا الغارقة في الحروب الأهلية. بيد أن تحقيق آمال المضطهدين والمعذبين مزال بعيد المنال.

النيات الحسنة وحدها غير كافية لتحقيق الخير ونشر السلام والتآخي والوئام بين الشعوب. مبادرة (الفاتيكان والأزهر) المتمثلة بوثيقة "الأخوة الانسانية" جاءت متأخرة جداً. لا أريد أن أكون متشائماً ولا التقليل من شأن وأهمية هذه الوثيقة، لكن سؤال يطرح نفسه: هذه "الوثيقة"، الغير ملزمة لأي جهة (محلية أو إقليمية أو دولية)، بماذا ستفيد مسيحيي المشرق وقد دخل وجودهم مرحلة (الخطر الوجودي) جراء استمرار الاعتداءات الممنهجة عليهم بهدف حملهم على الهجرة وتطهير المنطقة منهم؟. تحقيق ما تضمنته الوثيقة يتطلب وجود دول مدنية ليبرالية (دولة مواطنة) تحكم وفق دساتير مدنية حضارية ديمقراطية، يفصل فيها الدين عن السياسية وعن الحكم. دول يتساوى فيها جميع مواطنيها أمام القانون في الحقوق والوجبات دون تمييز أو تفضيل على أساس الدين أو المذهب أو العرق. مثل هذه الدولة مازالت غائبة عن الواقع العربي الإسلامي. كيف يمكن إقناع المسيحيين المشرقيين بأنهم مواطنون بكامل حقوق المواطنة، و(17 دولة عربية)، بينها (سوريا، العراق، مصر، الأردن)، هي من بين الدول الأكثر قمعاً للمسيحيين على مستوى العالم خلال عامم 2018، وفق تقرير أصدرته منظمة "الأبواب المفتوحة" المتخصصة في رصد القمع الذي يتعرض له المسيحيون حول العالم؟. التقرير لا يرصد فقط (الاضطهاد الرسمي) الذي تمارسه حكومات الدول، وإنما يرصد أيضاً، القمع والاضطهاد الشعبي والمجتمعي، الذي تمارسه المجموعات (الأهلية والتنظيمات الإسلامية المتشددة والإرهابية) بحق المسيحيين.

مدير مركز القدس للدراسات السياسية (عريب الرنتاوي) يقول إن "أسباب هجرة المسيحيين والأقليات بشكل عام، تعود الى عجز الدول العربية الحديثة عن إقامة الدولة المدنية الديمقراطية لجميع أبنائها ومكوّناتها.. عانى المسيحيون والأقليات من التسلط والتمييز. مقابل ذلك، وخلال الأعوام الأربعين الماضية، امتدت موجة سلفية متطرفة في المنطقة، وبدل أن تتصدى لها الأنظمة، عملت على منافستها في الترويج لشرعية دينية، من خلال أسلمة المناهج المدرسية والتشريعات والقوانين التي تحكم الدول، ما مسّ الحقوق المدنية للأقليات". الكاتب الأردني (باسل رفايعة) يؤكد على أن "الدول العربية لا تحترم حقوق المواطنة، ولا تتبنى قوانين تحدّ من التمييز بين المواطنين، ما يجعل الأقليات المسيحية متضرّرة بشدة. والتحالف التاريخي بين الأنظمة العربية وجماعات الإسلام السياسي، أدى حكماً الى هضم حقوق المسيحيين". موجة (العنف الديني)، التي تهدد بالقضاء على المسيحية في مهدها (سوريا التاريخية) وفي عرشها (بلاد ما بين النهرين ومصر) وفيي عموم منطقة المشرق، لم تبدأ مع "تنظيم الدولة الإسلامية" بـ"داعش"، ولن تنتهي باختفاء هذا التنظيم الإرهابي.

العنف الوحشي ضد الشعوب المسيحية المشرقية مستمر منذ قرون طويلة. عنف واضطهاد، ينبعان من ما لدى (الإسلاميين المتشددين) من مشاعر العداء والكراهية للمسيحيين والمسيحية. قبل (الغزو الإسلامي) لبلاد ما بين النهرين ولسوريا التاريخية المعروفة اليوم بـ"بلاد الشام" ومصر (636-637 ميلادية) كان المسيحيون (آشوريون (سريان)، أقباط، أرمن، عرب) يؤلفون أكثر من 90% من سكان هذه البلدان. اليوم، بعد أكثر من 1400 عام، بدلاً من أن يتزايد عدد مسيحيي المشرق، تراجعت نسبتهم الى أقل من 10% من نسبة سكان المنطقة.

هذا التراجع لا يعود فقط الى تحول مسيحيين الى الإسلام في ظروف (سياسية واجتماعية وأمنية واقتصادية) صعبة، وإنما بسبب تعرضهم لسلسلة طويلة من عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والديني والهجرة والتهجير القسري من بلدانهم وأوطانهم الأم. الاعتداءات الجديدة على المسيحيين في كل من (العراق، سوريا، مصر)، هي الأسوأ والأكثر دموية منذ الـ"الهولوكوست المسيحي" إبان حكم دولة الخلافة العثمانية الإسلامية 1915.

كبير (أساقفة كانتربري) وصف التهديدات اليومية بقتل مسيحيين بأنه أسوأ وضع منذ الغزوات المغولية للمنطقة في القرن الثالث عشر. القس (جوستين ويلبي) كتب في صحيفة (صاندي تيلغراف) البريطانية: "رحل عدد كبير من مسيحيي الشرق بعدما أُجبر مئات الآلاف على ترك بيوتهم، كما قُتل عدد كبير منهم، واستٌعبد واضطٌهد آخرون، ومن بقي منهم يتساءلون عن سبب بقائهم".

أخيراً: إنقاذ الوجود المسيحي في المشرق من خطر التلاشي والانقراض يحتاج الى "قرارات وخطط دولية" ملزمة، وليس الى وثيقة "أخوة انسانية" بين رجال دين، أحد طرفيها (شيخ الأزهر) يرفض تكفير "تنظيم الدولة الإسلامية –داعش"، أكثر التنظيمات الإسلامية توحشاً وإرهاباً، جرائمه طالت المسلمين قبل الآخرين.

* نشر المقال في جريدة إيلاف الألكترونية، الخميس 7 شباط 2019.