FacebookTwitterGoogle Bookmarks

العولمة مشروع آشوري وآشور بانيبال منارة لحضارتها!!

02 آذار/مارس 2019

أوشـانا نيسـان

 

"كان الملك الآشوري آشور بانيبال (626 - 685 ق. م) عالماً ومفكراً متمكناً، ما كان يتخلى عن قلمه وكتاباته لدرجة، كان يضع قلمه في حزامه، حيث كان مولعاً بالكتب والكتابة لدرجة أقرب ما يكون مدمناً بهذا العالم. حيث قام بتجميع كل ما أمكن جمعه من كتابات رقمية تتناول شتى علوم المعرفة وتصنيفها في أروقة مكتبته في أقسام متنوعة"، يكتب (غاريث بريريتون) المنسق العام للمعرض الذي يعده المتحف البريطاني بعد استعارة للمعروضات من المتاحف العالمية وتحديداً من متحف (اللوفر)، ومتحف (الارميتاج) في سان بطرس بيرغ، ومتحف برلين، ومتحف الفاتيكان ومتحف أمريكا وغيرها. علماً أن العرض هذا سيستمر في المتحف البريطاني في مدينة لندن للفترة من 8-11- 2018 ولغاية 8-11-2019.

الهدف من المعرض المعنون (أنا آشور بانيبال.. ملك العالم.. ملك آشور) كما جاء في الإعلان هو، تسليط الضوء على أقوى شخصية على وجه الأرض. وعن معروضات الملك الآشوري الكبير يصّرح (غاريث بريريتون)، أن الملك (آشور بانيبال) الذي حكم بلاد آشور بين عامي 631 و668 قبل الميلاد، وهي الفترة التي كانت فيها الإمبراطورية (الآشورية) الأكبر والأقوى في العالم، امتاز بشخصية فريدة، إضافة على ما عرف عنه كملك قوي استطاع أن يؤسس إمبراطورية حقيقية وسمى بـ(ملك الجهات الأربع) ككل أسلافه من ملوك (الآشوريين). فقد أضيفت الى قوته وقوة شخصيته صفة الهيبة والعظمة، لأنه كان يسيطر على آلة حرب مرعبة، لدرجة التي أدرك حجم قوته فوصف نفسه بأنه (ملك العالم). علماً أن الملك (آشور بانيبال) أثبت للعالم كله، أن الآشوريين هم من أول من أوجدوا الكتابة ونشروها، وهم أول من كتبوا القانون المكتوب، وكذلك كان هم أول من أنجزوا في بدايات التخطيط البشري كيفية السيطرة على الفيضانات، وإنشاء السدود، وقد قاموا بحفر القنوات والجداول والتي عدت من معجزات المشاريع الاروائية، وهم كانوا أيضاً من أوائل من أنشئوا الجامعات والمستشفيات إن لم يكن أولها في العالم أجمع، يؤرخ المنسق العام ( غاريث بريريتون).

وعن الملك الآشوري آشور بانيبال يقول (غاريث بريريتون) أمين المعرض:

"بالنسبة لنا هو (ملك) لا يمكن نسيانه، لكن بالنسبة الى عامة الناس لم يسمع أحد عن (آشور بانيبال)، إلا عدد قليل من الناس الذين سمعوا عن (الإمبراطورية الآشورية)، لأن الإعلام لم يسلط الضوء بما فيه الكفاية على هذه الإمبراطورية، لأن جل اهتمامهم كان يتوجه الى آثار الفراعنة في (مصر) والتي حصلت على اهتمام الإعلاميين. حيث الجميع قد سمع عن (اليونان) و(رومان) ولكن هناك هذا التاريخ لحضارة عظيمة والتي تسمى بحضارة (آشور) الذي لا يدرس عنه في المدارس، والناس اليوم ليس لديهم أية معرفة بهذا الملك العظيم"، فهذا العرض الذي سيقام في (لندن) إنما يأتي لقيمة (الحضارة الآشورية) في العلوم والمعرفة والتي غيرت مجرى التاريخ نحو الوعي والتطور والتقدم.

آشور بانيبال في الوعي الثقافي العراقي!!

(لا يزدري نبي إلا في وطنه وبيته) يقول سيدنا المسيح. حيث يعرض الكثير وينشر بانتظام سلسلة من البحوثات العلمية والكتب التاريخية عن الانجازات والابداعات الانسانية المتميزة للحضارة الآشورية، باعتبارها حصيلة حضارة وادي الرافدين، في جميع الصحف والمؤسسات الإعلامية العالمية باستثناء بلد الأم/ العراق الحالي. تماماً كما يعيد الدكتور فؤاد الكنجي نشر التساؤل الذي طرحه المنسق العام للمتحف البريطاني (غاريث بريريتون)، في مؤسسة النور للثقافة والإعلام بتاريخ 2018/10/27 تحت عنوان "غياب الوعي العراقي عن التاريخ الثقافي للحضارة الآشورية" بقوله:

- لماذا الدولة (العراقية) بمختلف حكوماتها ومؤسساتها ومنذ تأسيس الدولة العراقية في عشرينيات القرن الماضي لم تسلط الضوء على الحضارة (الآشورية)، في وقت الذي يعود أصول وجذور كل العراقيين إليها، بغض النظر عن عقائدهم ودياناتهم التي هي وليدة العصور اللاحقة؟

علماً ان عدداً من العراقيين يتذكرون آخر إحصائية سكانية جرت في العراق زمن الشوفينية البعثية بتاريخ 17 تشرين الأول 1977، كيف تم إجبار العراقيين من أبناء جميع المكونات العرقية العراقية أو بالأحرى من غير الأكثريتين العربية والكوردية، بضرورة الخياربين القوميتين العربية أو الكوردية في ملئ الحقل الخاص بالقومية، بحجة عدم وجود أي قومية أخرى غير الأكثريتين أعلاه في العراق. الإحصائية التي تشهد على عنصرية الأنظمة المركزية العراقية في بغداد، وإصرار حكامها العنصرين خلال 82 عام على إلغاء تاريخ العراق العريق وحجب شعلة منارة أقدم وأول حضارة انسانية متكاملة وجدت في وادي الرافدين قبل 6768 عام. علماً أن تاريخ النخب السياسية العراقية مرتبط بالفتوحات الإسلامية في وادي الرافدين. في حين تاريخ الآشورين باعتبارهم العراقيين القدماء يقترب من 7 آلاف عام.

ولفت المنسق العام للمتحف البريطاني (غاريث بريريتون) الانتباه عن التغاضي المتعمد عن حضارة الآشوريين بقوله، ليس هناك من دولة في العالم لا تكترث بإرث حضارتها تثميناً وافتخاراً بحضارتها القديمة باعتباره جزءاً لا يتجزأ من تاريخها. ففي الوقت الذي يدرس التاريخ (الآشوري) في أرقى جامعات العالم لدرجة استحدثوا علماً جديداً سموه بـ(علم الآشوريات)، فان الجامعات العراقية وأكاديمياتها تتجاهل هذا العلم ولا تعير له أية أهمية، بل تكاد تخلوا مناهج التربية والتعليم من تخصيص منهج خاص يخصص الى تاريخ العراق القديم ودور الحضارة الآشورية في العلم والمعرفة أو حتى إشارة الى الحضارة الآشورية ودور الملوك الذين يتجاوز عددهم 116 ملكاً آشورياً. وهذه هي كارثة المجتمع العراقي بحق وهو يجهل تاريخه.

رغم أن جذور هذا الوطن العراق يضيف المنسق العام للمتحف البريطاني، هو من أصول آشورية وهم أصل هذا العراق، وان أصول أجداد وآباء العراقيين بكل مكونات المجتمع العراقي الأصيل يعود إليهم. وهم من سقوا هذه الأرض، أرض العراق بعرقهم وبدمائهم الطاهرة.. فتوثيق مواقع الآثار للحضارة الآشورية في الوطن العراق من ضروريات ليس على مستوى الوطن بل على مستوى الحضارة الانسانية. ولن يكون ذلك إلا بوجود وعي جماعي يستنطق الوثائق والبحوث وكل مرتكزات إثبات الوجود الحضاري لدولة العراق وعن طريق التنشئة والممارسة الفعلية واقعياً وعملياً وليس تنظيراً فحسب، ليتم التفاعل الحضاري بين الماضي والحاضر لبناء مستقبل مشرق للأجيال القادمة.

وفي الختام يمكن القول، أن إقامة هذا المعرض وبهذا العمق الحضاري السحيق بعيداً عن وطنه الأصلي العراق وفي بلد أستعمر العراق لمدة (40) عام متواصل، سيضع النخبة السياسية العراقية بما فيها الصفوة العراقية المثقفة أمام تساؤلات عدة وفي مقدمتها:

ضرورة إعادة قراءة التاريخ العراقي عبر قراءة واقعية بعيدة عن السياسة والدين، بموجبها يمكن العمل على تغير مناهج التربية والتعليم وحث المؤسسات الإعلامية في العراق الى إعطاء دور أكبر بحق حضارة العراقيين بجميع مشاربهم السياسية والمذهبية. لأن تدوين التاريخ والاهتمام بالتراث الحضاري مهمة وطنية ضرورية تحتاج الى المزيد من الموضوعية والعقلانية بعيداً عن السياسة في سبيل حفظ تراث الشعوب العراقية وعلى رأسها حضارة الآشوريين وتدوينه للأجيال القادمة وحمايته من الاندثار.