FacebookTwitterGoogle Bookmarks

العراق: هل ضاعت الهوية الوطنية؟

05 آذار/مارس 2019

جـورج منصـور

 

تعتبر الهوية الوطنية بمثابة بطاقة الانتماء الى الوطن الواحد، وتتجسد في خصائص موحدة لجميع المواطنين الذين يجمعهم التاريخ والجغرافيا واللغة والتعابير الخاصة بالدولة، كالعلم وشعار الدولة والنشيد الوطني والتقويم والهوية الجامعة في حدود جغرافية محددة تتنوع فيها الثقافات ويغنيها التنوع الثقافي والاثني والقومي والديني والمذهبي.

ان موضوع الهوية الوطنية الذي يشغل مساحة واسعة من المبادئ الوطنية ويحتل أهمية في ضمان حقوق الفرد والمجتمع على المستويات المحلية وفي المواثيق والدساتير الديمقراطية والشرعية الدولية لحقوق الانسان، يشكل الإطار العام لسياسة الدولة الوطنية، التي تتجاوز الهويات العرقية وتبني استراتيجيات تعمق الهوية الجامعة لوطن واحد موحد، يحترم التعددية الثقافية والهويات الفرعية والاجتماعية المختلفة، التي هي بمثابة نتاج لتاريخ تليد وحضارات عريقة حملت معها خزيناً من التنوع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، وأبعاداً ديناميكية.

وتتشكل الهويات الخاصة عبر تكوينات الهوية والتفاعل المشترك واحترام مبادئ حقوق الحوار والقيم التي تبني الانسان الذي يحتل الوطن جزءاً كبيراً من شخصيته ومكانة خاصة في ضمن تكوينه، لهذا تراه يضحي من أجله بالغالي والنفيس ويثأر من أعدائه إذا تطلب الأمر، ويحدد وجوده وانتماءه وتفرده وإشتراكه مع الآخر المختلف ذات الهويات المكتسبة التي تركز على مقومات الهوية الوطنية بالدرجة الأساس.

ان عمر العراق الحديث يقترب اليوم من القرن الواحد، وهو الذي تأسس في العام 1921 بعد قرابة 300 سنة من الحكم العثماني على ثلات ولايات، بغداد والموصل والبصرة، دون أن تظهر لديه ملامح للهوية الوطنية أو يعيش أبناء الوطن الواحد دون تمييز بين قومية أو دين أو مذهب. ولم تصل درجة الوطنية فيه الى أن يتساوى الجميع أمام القانون، وأن يشعر العربي انه أخ الكردي والشيعي أخ السني والمسلم أخ المسيحي والصابئي والايزيدي والكاكئي والشبكي ...الخ.

ان العراق، ومنذ تشريع دستوره الأول في العام 1925 لم يقم على أسس المواطنة، ولم يؤسس النظام الملكي على ثوابت الهوية الوطنية، بل ظل خليطاً غير متجانس من المواطنة التي رفضت الانتماءات الفرعية. كما عمل نظام صدام حسين على تأسيس دولة الرعايا، لا دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع تحت خيمة الوطن، يتفيأ بظله وينعم من خيراته ويتنقل بحرية ضمن حدوده.

بالمقابل، لم تقدم أحزاب الإسلام السياسي، التي استولت على مقاليد الحكم بعد عام 2003، أي إشارة ايجابية لتحسين صورة الهوية الوطنية الممزقة والمهشمة، التي اختزلها صدام حسين في حزبه الوحيد وشخصه الأوحد، إذ انها انشغلت في تعزيز نفوذها وتوسيع صلاحياتها ضمن مخطط للاستحواذ على ما تبقى من مقدرات البلاد والسيطرة على المال العام عبر الفساد المنظم، سواء من خلال عقود النفط التي تدر أموالاً طائلة والمشاريع الوهمية التي لم ير منها الشعب شيئاً ولم يسمع عنها إلا في التقارير الدولية التي تكشف أحياناً ملفات الفساد في العراق.

ان فشل أحزاب الإسلام السياسي في بناء وطن للجميع وهوية جامعة تجلى في صراع الهويات والاقتتال الداخلي ودوامة الاحتقانات الطائفية تحت مسميات القومية والدين والمذهب، ما أدى الى بروز الهويات الفرعية، الشيعية والسنية والكردية، ومن ثم بدأت عملية الانشطارات والمشاكل الداخلية: الشيعية - الشيعية والسنية - السنية والكردية - الكردية.

ان العراق يقف اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية، استحوذت عليه الهويات المتنافرة الطائفية والمذهبية والإثنية، التي لا تعترف بالآخر المقابل، بل بمفهوم الهوية الوطنية الذي يرفض التخندق وينظر الى المواطن انساناً بغض النظر عن الانتماءات الجغرافية والبيئية. وهو أحوج ما يكون الى هوية وطنية موحدة وجبش وطني يكون ولاؤه الأول للوطن، ولا يحتاج الى الميليشيات السائبة التي تتفرعن عندما تريد وتكبر عندما لا نريد.

ان التهميش والاضطهاد الذي تعرضت له المكونات والطوائف في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية، كان سبباً في تعميق الصراع على الهويات الفرعية بدلاً عن الهوية الوطنية التي لم تستطع أن تكون مظلة لجميع المكونات العراقية على حد سواء. وتتحمل النخب السياسية والثقافية والمراجع الدينية جزءاً كبيراً من المسؤولية لجهة ضمان حقوق جميع المواطنين القومية والدينية، ونبذ الطائفية والتمييز وإتاحة الحريات المدنية وتعزيز الديمقراطية.

فهل حقاً ضاعت الهوية الوطنية العراقية، أم ان تجارب الماضي الفاشلة ستكون حافزاً للنهوض بالعراق وطناً للجميع وهوية وطنية جامعة يحترم الهويات الفرعية لا يلغيها أو يشطب عليها؟