FacebookTwitterGoogle Bookmarks

مرجعية مسيحية بحجم المأساة

07 آذار/مارس 2019

كوهر يوحنان عوديش

 

هجرة/تهجير المسيحيين من العراق تتم بصورة مبرمجة ومستمرة بمختلف الطرق سواء بالتهديد، الإقصاء والتهميش، التحريض، أو بالتشريع وبالمقابل يكاد يكون اللا (أمل) سيد الموقف والأمر والقرار لأن المأساة المسيحية في العراق لم تعد تحتمل بعد فقدان كل سبل البقاء دون دعم أو مساعدة أو قيادة ذو خطاب واضح وموحد ينمي الأمل ويبعثه من جديد، لأن بعد كل هذه المعاناة والمآسي التي أحنت ظهورنا وأفقدتنا توازننا لا زال الانتهازيين القيمين على شؤوننا يلعبون ويمرحون ويستأنسون بمصائبنا دون خجل أو وازع أخلاقي وديني (لا نتحدث عن الضمير والسمعة لأنهما اندمجا مع الدولار المحول الى البنوك العالمية.

أشد ما يؤلمنا نحن المسيحيين، أكثر من ظلم الآخر، هو صراعنا اللاشريف على المناصب وتناحرنا المقدس على التسمية، فنسينا انقراضنا وإبادتنا وركزنا على المناصب والغنائم وكانت النتيجة اغتناء بضعة أشخاص وتمتع البعض الآخرين بالفتات وحرمان وتهجير أكثر من مليون فرد من أبناء شعبنا، ولا زلنا سائرين على هذا المنوال دون حياء.

السياسة ليست اغتنام الفرص لتكديس الحرام وليست تعظيم نفس بتمجيد الاخفاقات عبر التلاعب بالمشاعر والعواطف الانتمائية لتمرير وتحقيق منافع ومصالح شخصية بقدر ما هي فن الممكن خصوصاً في الصعاب والأزمات، لذلك فمن المنصف أن يشكر الشعب السياسي الحقيقي الذي وازن بين مصالحه وطموحه وبين تطلعات ومستقبل الشعب الذي يمثله ويتحدث بإسمه، لكن أن يكون التمثيل اسمياً لتجميل الوجه البشع والقبيح للحكومة والبرلمان الذين يشاركان فيهما بضعة انتهازيين يكرسون قضية شعب ومستقبله للاغتناء والانتفاع الشخصي، كما يحصل مع مسيحيي العراق، فهذه جريمة لا يمكن السكوت عنها.

لا زال الكثير من السياسيين (التجار والمنافقين) يفتخرون ويحتفلون ويتحدثون بكل وقاحة عن انجازاتهم العظيمة والتاريخية التي حققوها لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري والتي كان أهمها فتح بضعة مدارس وأقسام باللغة السريانية وتعطيل الدوام للمسيحيين في مناسباتهم الدينية وكأن بقاء المسيحيين في العراق وحريتهم يكمن في هذه الانجازات العظيمة!! حسب اعتقادهم، ونسوا ان ثمن هذه الانجازات كانت تهجير أكثر من مليون مسيحي والاستيلاء على آلاف العقارات تعود ملكيتها للمسيحيين، والأهم والأسوأ زراعة الخوف واليأس في نفوس القلة المتبقة في الوطن.

التركير فقط على لوم الآخر ومعاتبته على تشريعاته وأعماله وأفعاله المشينة والمجحفة والمقرفة والمدمرة بحقنا والاكتفاء ببضعة بيانات استنكارية متفرقة هزيلة وضعيفة لكسب ود وعطف المسيحيين لكسب الأصوات وتسنم المناصب، ونسيان أو تناسي كل هذا التشتت والفرقة والتعصب الذي زرعوه في نفوس المسيحيين سياسيي الصدفة والانتهازيين اللاهثين وراء المنافع من المحسوبين علينا ظلماً هو كارثة وأكبر إبادة جماعية لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري (المسيحي) تمت/تتم بأيادي أبنائه بدراية أو بدون دراية، لأن كل جهودنا الفكرية والثقافية والسياسية والإعلامية تركزت حول أشياء تافهة أدت الى توسيع هوة التقسيم بين أبناء شعبنا المقسم أصلاً، فبينما كان شعبنا يتعرض للاختطاف والقتل والتهجير العلني والتهميش والإقصاء والانتقاص من حريته ومعتقداته كانت قيادته مشغولة بالصراع على المناصب وامتيازاتها والمثقفين والكتاب مشغولين بصراع التسمية والنقد الهدام والتملق أملاً في الحصول على رضى المتسلطين والتنعم ببعض الفتات الملقى من موائد أصحاب السيادة.

تبرئة قيادتنا والمتحكمين بأمورنا مما أصابنا من إبادات جماعية وويلات وإخفاقات ومصائب أكبر جريمة بحق شعبنا وتاريخه لأسباب عدة يمكن تلخيص أهمها بتولي أشخاص انتهازيين غير كفوئين للمناصب المخصصة لشعبنا، والتعامل مع معاناتنا كماركة تجارية لا أكثر ولا أقل، وتكريس قضيتنا لخدمة المصالح الشخصية، والأهم من كل هذا عدم توحيد، أو حتى محاولة، خطابنا السياسي لأخذ مطاليبنا بعين الاعتبار فأضفنا الى قلتنا العددية وضعفنا ضعفاً آخر وبذلك أصبح صوتنا مكتوماً وغير مسموع على المستوى الداخل والإقليمي والدولي.

عندما نطالب بمرجعية لشعبنا فهذا لا يعني أبداً اننا نريد أو نطالب بصناعة دكتاتور نقدسه يفصل ويخيط على هواه، وعندما ندعو الى خطاب سياسي موحد فهذا لا يعني أبداً الخضوع لرأي ومصلحة صاحب السيادة، بل نريد مرجعية ذو خطاب موحد حتى يكون لصوتنا هيبة وقوة، حتى تكون مطاليبنا سهاماً مصوبة وليس رسائل شخصية يكون جوابها (ردها) حفنة من الدولارات، مرجعية من شخص أو أشخاص يعرفون معنى السياسة وامتهانها، مرجعية تكون سنداً وعوناً لشعبنا وليس وبالاً تزيدنا مصائب وويلات، مرجعية تراعي مصالحها وتحفظ مصالح الشعب وتضمن مستقبله.

لا زال البعض من المستفيدين من الوضع الحالي سياسيين كانوا أم مثقفين أو تابعين مصفقين يحاولون اكتساب ما يمكن من المال والمناصب على حساب بقائنا بشتى الأساليب والوسائل سواء بالتلاعب بالمشاعر والعواطف الانتمائية أو بإثارة الغيرة العشائرية والمناطقية والطائفية بالكلمات والشعارات الرنانة...، لكن السؤال هو الى متى تستمر هذه المهزلة؟ والى متى يبقى الشعب غير مستوعب لحجم المصيبة؟.

الهروب ليس حلاً والخضوع لن يطيب الجروح ولا يشفيها والانتظار لن يوقظ الضمائر النائمة (الميتة أصلاً)، لذلك على المخلصين من أبناء شعبنا أن يبادروا الى تأسيس مرجعية (بحجم المأساة) تبعث الأمل في نفوسنا للاحتفاظ بما تبقى منا في الوطن قبل أن ننقرض ونصبح ذكرى مريرة ومؤلمة تعصر قلوب أجيالنا الآتية كلما تفحصوا تاريخهم أو بحثوا فيه.

صرخة: حان الوقت أيها الاخوة لتعانق الأفكار والأيادي في سبيل مستقبل أفضل لشعبنا وأجياله القادمة، لنترك مصالحنا جانباً ونتوحد لأجل قضية شعب على حافة الانقراض.