FacebookTwitterGoogle Bookmarks

الأكيتو الآشوري، عيد (الطبيعة والآلهة والانسان)

30 آذار/مارس 2019

سليمـان يـوسـف

 

الأول من نيسان القادم ٢٠١٩ يوافق بداية العام الآشوري (السومري – الأكادي – البابلي) الجديد ٦٧٦٩ آ. هذا اليوم يعرف لدى الآشوريين بـ(عيد الأكيتو). (أكيتو) كلمة (سومرية) تعني( البيت الريفي – بيتو أو بيتا)، المكان الذي كانت تقام فيه احتفالات العيد بين أحضان الطبيعة. الأكيتو ليس (عيداً دينياً مسيحياً) كما يعتقد و يظن البعض. أنه أقدم الأعياد في تاريخ الشرق القديم. يعود الاحتفال به الى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد في مدينة "أور" السومرية (جنوب بلاد ما بين النهرين). الآشوريون (سرياناً كلداناً)، ورثة الحضارة (السومرية – الأكادية- البابلية) في (بلاد ما بين النهرين- بلاد آشور)، يحتفلون بعيد الأكيتو(عيد رأس السنة البابلية- الآشورية)، كأحد أبرز وأهم أعيادهم القومية. تحديد بداية العام في الأول من نيسان، مع تجدُّد دورة الحياة في الطبيعة، جاء تعبيراً عن ضوابط الفعل (الاجتماعي، الاقتصادي، السياسي، الديني) في المجتمعات القديمة في بلاد ما بين النهرين. بهذا المعنى، شكل التقويم (السومري – الأكادي)، لاحقاً (البابلي- الآشوري)، مرحلة انعطاف تاريخية هامة في حياة تلك المجتمعات القديمة، من هنا تبرز الأهمية التاريخية للاحتفالات بعيد الأكيتو، التي كانت تستمر اثنا عشر يوماً، بمشاركة كافة طبقات وفئات الشعب. احتفالات الأكيتو، كانت تنطلق صباح الأول من نيسان، تبدأ بتطهير النفوس من قبل الكهنة وتلاوة الطقوس وتقديم الهدايا للملوك وإقامة مراسيم (الزواج الجماعي)، والسجود للآلهة والتبرك منها وتقديم الأضاحي والطلب الغفران منها والدعاء اليها لحماية (الشعب والدولة).

ملحمة (الخلق والتكوين) البابلية "إينوما إيليش"، تعني (هناك في الأعالي)، أقدم الأساطير الملحمية في التاريخ، كانت تُقدَّم على شكل "مسرحية الآلام"، في اليوم الرابع من الاحتفالات بعيد الأكيتو. حيث كانت تبلغ ذروتها بإعلان قيامة الإله "مردوخ" سيد آلهة بابل، أخذ أسم "إله آشور" في نينوى، من الأموات في اليوم الثالث وبانتصاره على قوى الظلم والشر(التنين تياما) وبزواجه من الآلهة "عشتار"، آلهة الخصب والحياة والجمال، وتتويجه من جديد (إلهاً ملكاً) على الكون. بهذا المعنى، يعتبر الأكيتو بحق عيد (الطبيعة والآلهة والانسان) معاً. احتفالات الأكيتو كانت تُختتم بمسيرات احتفالية تطوف حول معبد سيد الآلهة (مردوخ- آشور). تماماً، كما يطوف اليوم حجاج المسلمين حول الكعبة. معبد الآلهة موجود في بابل الأثرية، يُعرف بـ"الزقورة البابلية". في احتفالات الأكيتو، كان يبرز الإله "مردوخ – آشور" الإله القومي للبابليين الآشوريين، كـ"مخلِّص" عظيم للانسان. هذه إشارة واضحة بأن فكرة "تجسد الله" بصورة (انسان – يسوع المسيح) وبروزه كـ"مخلص للانسان من الخطيئة الأولى"، التي تشكل جوهر (العقيدة المسيحية)، والاحتفال بذكرى انتصار (الإله المسيح)على قوى الشر وانبعاثه للحياة من جديد في اليوم الثالث بعد صلبه من قبل اليهود، تعود بجذورها الى الميثولوجيا الأكادية (البابلية – الآشورية)، التي تركت بصماتها على (الفكر الديني والعقائد الدينية) في الشرق القديم.

بعد اعتناق الآشوريين للمسيحية، تخلوا عن (الطقوس والشعائر) الوثنية، المصاحبة للاحتفالات بعيد الأكيتو. لكنهم تمسكوا بهذا العيد العريق وحافظوا عليه بما له ويحمله من قيم ودلالات انسانية حضارية يعتز بها الشعب الآشوري. احتفالات الآشوريين بعامهم الجديد (عيد الأكيتو) باتت تقتصر على الخروج الى أحضان الطبيعة وإقامة المهرجانات الشعبية الاحتفالية (دبكات رقص ولوحات فنية) مستوحاه من (التراث الآشوري) العريق، وإعداد المأكولات التقليدية التراثية. بعض السنوات يتخلل الاحتفالات، حفل خاص (بعقد قران زواج جماعي) بين شبان وشابات، وفق الطقوس المسيحية. من العادات الشعبية المتوارثة عن تقاليد عيد الأكيتو، الآشوريون في الريف مازالوا يخرجون في صباح الأول من نيسان للحقول ليغسلوا وجوههم بالندى المتجمع على الزروع، اعتقاداً منهم بأن (ندى نيسان) يعطي نضارة للوجه ويشفي من الأمراض ويحمل البركة والخير لمن يغتسل به.

بسقوط الدولة (الآشورية – البابلية) على يد (كورش) الفارسي سنة (539 ق. م) واحتلال (الفرس) لبلاد ما بين النهرين، أخذت (الشعوب الايرانية) في بلاد فارس، (الفرس، الكرد، الآذاريين، البشتون، وغيرهم)، عيد الأكيتو عن (البابليين – الآشوريين)، وبدأت تحتفل به بإسم (عيد النوروز أو النيروز في 21 آذار)، يعني (اليوم الجديد)، ويعرف بـ"رأس السنة الفارسية"، وهو يوم الاعتدال الربيعي (يتساوى فيه الليل والنهار). وعن الفرس انتقل عيد النوروز، أو بالأحرى (عيد الأكيتو)، الى شعوب وأقوام ومناطق أخرى في غرب آسيا، مثل (تركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وقرغيزستان وكازاخستان) ولاحقاً تركيا. (المصريون الفراعنة) يحتفلون بعيد الأكيتو بإسم عيد (شم النسيم). كذلك، يحتفل به الايزيدييون بإسم (سري صال – رأس السنة) في الأربعاء الأول من شهر نيسان، يسمونه عيد (الملك طاووس) (إله الايزيديين)، المقتبس من الإله (تموز). كذلك يحتفل بعيد الأكيتو (الصابئة المندائيين والمانيين) (نسبة الى نبيهم ماني)، وهذه أقوام قديمة تتحدر من أصول(أكادية – بابلية – آشورية). "الأكيتو"، المرتبط بتجدد الحياة والخصب في الطبيعة، لقرون طويلة كان (عيداً عالمياً) تحتفل به الكثير من شعوب المنطقة والعالم، وإن بأسماء ومواعيد مختلفة، قبل أن يتحولوا الى الاحتفال ببداية (العام الميلادي) الجديد، في الأول من (كانون الثاني)، بعد تحول الكثير من شعوب العالم الى المسيحية.

رغم عسف النظام العروبي الدكتاتوري في سوريا واستمرار سلطاته وأجهزته الأمنية بمضايقة وملاحقة واعتقال نشطاء وسياسيين آشوريين، لثني أبناء (القومية الآشورية) عن الاحتفال بعيد الأكيتو، أصر الآشوريون السوريون (سرياناً كلداناً) على الاحتفال بعيدهم القومي (رأس السنة الآشورية- البابلية)، بل عسف النظام، زادهم تمسكاً بأعيادهم ومناسباتهم القومية وبتراثهم العريق، وأعطوها بعداً (سياسياً وطنياً) ليؤكدوا من خلال الاحتفالات على خصوصيتهم التاريخية وعلى هويتهم الآشورية ولتسليط الضوء على (القضية الآشورية)، وهي جزء من القضية الوطنية السورية العامة. الآشوريون السوريون لا يجدون معنى ولا قيمة لأي تغير يحصل في سوريا، مالم يقر الدستور الجديد للبلاد بالآشوريين كـ(شعب سوري أصيل) ويعترف بخصوصيتهم الثقافية واعتبار (اللغة السريانية) (لغة وطنية لسوريا الجديدة) الى جانب العربية، كما كانت (لغة وطنية لسوريا القديمة) التي أخذت اسمها عن (السريان الآشوريين). دستور وطني ديمقراطي، يشرعن عيد "الأكيتو" (عيداً وطنياً سورياً) كما كان في الماضي، بأصوله وجذوره. كما هو معلوم، انتقل عيد الأكيتو الى سوريا التاريخية أو (الكبرى) مع توسع (الامبراطورية البابلية- الآشورية) وضمها معظم الأقاليم السورية ومنطقة الشرق الأدنى ومصر. تجذرَ عيد الأكيتو في الثقافة والتقاليد السورية الأصيلة، بفضل التمازج بين الثقافة الآشورية (السريانية) وثقافة الآراميين، سكان سوريا الأوائل. في بعض المناطق السورية، يحتفل السوريون بعيد الأكيتو باعتباره ( عيد رأس السنة السورية). من المقرر أن ترعى (وزارة السياحة السورية) في نيسان القادم احتفالاً بعيد (الأكيتو) بصفته (رأس السنة السورية) في بلدة (جبعدين) وهي بلدة آرامية سريانية عريقة أهلها غالبيتهم مسلمون يتحدثون الآرامية القديمة، كما هو حال بلدة (معلولا) الآرامية السريانية. أخيراً: نأمل أن يحمل (العام الآشوري الجديد –٦٧٦٩– عيد الأكيتو) الأمن والسلام والاستقرار للوطن السوري الجريح.