طباعة

ايران.. رسالة السيستاني هل وصلت؟

04 نيسان/أبريل 2019

جـورج منصـور

 

لم يكن متوقعاً، أن يستقبل المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني يوم الأربعاء 13 آذار (مارس) 2019 في مقر إقامته بمدينة النجف، الرئيس الايراني حسن روحاني ووزير خارجيته وسفيره في بغداد. ذلك انها المرة الاولى التي يستقبل فيها رئيساً ايرانياً، بعد أن كان قد رفض استقبال الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في العام 2013 وشخصيات ايرانية محافظة، والحاكم المدني بول بريمر، وأبدى ممانعته عن استقبال كبار المسؤولين في العراق ودول العالم على السواء. ربما جاء استقباله الرئيس الايراني ضمن سياسة انفتاح جديدة، أو ليقول له كلاماً مباشراً وصريحاً، لم يسمعه من رئيس الجمهورية برهم صالح أو من رئيس الوزراء عادل عبد المهدي اللذين استقبلاه في بغداد.

وكان في كل مرة يستقبل فيها مسؤولاً في البعثات الانسانية والحقوقية والإغاثة الدولية ومنظمة الأمم المتحدة العاملة في العراق، يؤكد له على ان "العراقيين دفعوا ثمناً باهظاً في دحر الإرهاب الداعشي تمثل في أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى والمعاقين وخراب مناطق واسعة من البلاد وكلفة مالية هائلة، وهناك حاجة ماسة الى إعادة إعمار المناطق المتضررة بالحرب وإرجاع النازحين إليها بعد القيام بتأهيلها".

لقد كانت الحرب الدموية الطاحنة التي اشتعلت بين البلدين الجارين، العراق وايران، والتي استمرت 8 سنوات عجاف (1980-1988) وأحرقت الأخضر واليابس، سبباً مباشراً في جفاء العلاقات بين البلدين. إلا أن سقوط نظام صدام حسين في نيسان عام 2003 أنعش آمال ايران في العراق وطموحاتها في تنمية وتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي فيه، مستثمرة بذلك علاقاتها القوية مع الأحزاب الإسلامية، التي كانت تتخذ من ايران منفى ومأؤى لها وتستلم منها المساعدات والعون اللازم، وهي ذاتها الأحزاب التي سيطرت على مقاليد الحكم في بغداد، خاصة حزب الدعوة الإسلامية والمجلس الإسلامي الأعلى العراقي.

وعقب تأسيس قوات الحشد الشعبي في 13 حزيران (يونيو) 2014 على ضوء الفتوى التي أصدرها المرجع السيستاني، بوجوب الجهاد الكفائي لتحرير الأراضي العراقية من براثن تنظيم "الدولة الإسلامية"، ازداد النفوذ الايراني والتدخلات في الشؤون العراقية، من خلال أدواتها في العراق وما تمتلكه من فصائل شيعية مسلحة في تشكيلات قوات الحشد، التي يقدر عددها بعشرات الآلاف، مثل "منظمة بدر" و"عصائب أهل الحق" و"سرايا الخراساني" و"كتائب حزب الله" و"النجباء"، وكلها ترتبط دينياً وعقائدياً بالمرشد الإسلامي الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي، الذي كان قد افتتح له في 30 حزيران (يوليو) 2015 مكتباً رسمياً في النجف، وتم تعيين آية الله مجتبي الحسيني الشيرازي معتمداً ووكيلاً، ليقوم بجمع أموال الزكاة والخمس وتوزيع المساعدات المالية على طلاب الحوزة، وإصدار بيانات خاصة بالشأن العراقي والترويج لولاية الفقيه.

جاء تأكيد المرجع السيستاني للرئيس الايراني على "وجوب أن يبقى السلاح بيد الدولة وأجهزتها الأمنية واحترام السيادة العراقية" بمثابة رسالة ذات دلالات واضحة الى ايران، التي تدعم الفصائل المسلحة في العراق وتعزز من نفوذها العسكري والسياسي بشكل متزايد، مرحباً في الوقت نفسه "بأي خطوة في سبيل تعزيز علاقات العراق بجيرانه دون التدخل في شؤونه الداخلية أو المساس بسيادته".

ان المرجع السيستاني، العارف بردود أفعال الناس وبالمظاهرات والاحتجاجات التي عمت البصرة في تموز (يوليو) 2018 أحرقت فيها صور الإمام الخميني ورددت شعار "ايران برة برة والبصرة تبقى حرة"، متيقن تماماً من انتفاء الحاجة الى إبقاء السلاح سائباً بيد المليشيات وبعض الفصائل المسلحة خارج إطار القوات المسلحة العراقية، والذي ما زال يطلق على "قوات الحشد الشعبي" تسمية "المتطوعين". وكان قد دعم في عام 2014 فكرة تأسيس قوات "الحرس الوطني" التي ضمت الفصائل الشيعية والعشائر السنية، بعد انسحاب الجيش العراقي من المناطق التي احتلها تنظيم "الدولة الإسلامية" داعش.

ان لمرجعية السيستاني في النجف نفوذاً كبيراً، وتحظى بتأييد جماهيري، ليس في أوساط الملايين من أتباعها ومقلديها فحسب، بل من العراقيين عموماً بمختلف مشاربهم، وكذلك من قبل الرأي العام العربي والإقليمي والدولي. فقد حاولت المرجعية أن تكون حاضرة في جميع المنعطفات الخطيرة، التي لم تكن الحكومة فيها قادرة على درء الأخطار وإخماد الفتن. وما زال هنالك اعتقاداً سارياً في العراق، في اعتبار المرجع السيستاني صمام الآمان وسداً منيعاً في الحيلولة دون الانجرار الى الأزمات والاحتقانات الطائفية، باعتباران المرجعية قد التزمت بمنهج الاعتدال وبمبدأ فصل الدين عن الدولة، وهي الداعية الى تأسيس دولة مدنية، وحماية واحترام حقوق أتباع الديانات والمذاهب في العراق.

ترى، هل وصلت رسالة السيستاني الى القيادة الايرانية في طهران، والمتمثلة بإحترام السيادة العراقية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحصر السلاح بيد الدولة وأجهزتها الأمنية؟