FacebookTwitterGoogle Bookmarks

مسيحيو العراق: أقلية مغبونة، وإقليم كوردستان آخر ملاذاتهم

31 أيار 2019

ايفــان جانـي

 

كثيراً مانسمع عن دور الأقليات العراقية في العملية السياسية، والمجتمعية بشكل عام، وقد كثرت في السنوات الأخيرة الأصوات النشاز التي تنادي من هنا وهناك لإضعاف دورها من خلال تقليص حجم مشاركتها في العملية السياسية، وذلك لإعتبارات إحصائية رقمية بحتة، لا إعتماداً على أصالتها أو مواقفها ووطنيتها وإنتمائها ودورها الفاعل في إرساء دعائم الوطن منذ تأسيس ما عرف لاحقاً بـ(العراق العربي).

وهنا أحببت أن أضع بين أيادي القاريء الكريم دليل آخر يضاف الى جملة الأدلة التي لا يحجب ضيائها غربال الشك، حول دور المسيحيين (الكلدان السريان الآشوريون والأرمن)، قبل عقود من الزمن، يوم كان الوطن للجميع والدين لله.

فحسب بيانات تعداد عام 1957، هذا التعداد الذي يعتبر من أنزه وأكثر التعدادات العراقية نجاحاً وقبولاً لدن الجميع ساسة وأكاديميين، وجدنا هذه الأرقام المذهلة صراحة.

أرقام يجب الوقوف عندها، والسؤال عن الثمن الذي قبضه أبناء هذا المكون الصغير بحجمه والكبير بعطائه، هذا المكون الأصيل الذي أمسى بعد عقود أقل من أقلية، لابل أمسى ووفق تصريحات بعض قادة الدولة جالية ودخلاء ونعتهم آخرون بالكفرة وحرم عليهم حتى سلام الله.

تقول لنا الإحصائية الخاصة بالأطباء والمنشورة في تعداد عام 1957، أن عدد أطباء العراق عام 1957 كان (2915) طبيباً، بينهم (461) طبيب مسيحي، أي (16)% من مجموع أطباء العراق كانوا مسيحيين.

أما أطباء الأسنان فقد بلغ عددهم (843) طبيباً، بينهم (125) طبيب أسنان مسيحي، أي ما يساوي (15)% من مجموعة أطباء أسنان العراق.

وبخصوص الأطباء البيطريون فتعدادهم بلغ (148)، بينهم كان (13) طبيب بيطري مسيحي، مكونين بذلك ما نسبته (9)% من مجموعهم في العراق.

الصيادلة العراقيون كان عددهم (1411)، منهم (235) صيدلي مسيحي، مؤلفين بذلك نسبة قدرها (18)%.

وفيما يخص المهندسون فقد بلغ مجموعهم (1080)، ومنهم (162) مهندس مسيحي، وبلغت نسبتهم بذلك (15)% من مجموع المهندسين العراقيين.(1)

تصور معي، شعب تعداده لا يتجاوز الربع مليون نسمة من مجموع سكان العراق الذين بلغ عددهم 6,538,109 نسمة بحسب نفس التعداد(2)، يؤلف قرابة 15% من مجموع حاملي أعلى الشهادات وشاغلي أرقى الوظائف في الدولة. قدم ولايزال يقدم بحسب إمكانياته الكثير قياساً بما قاساه على إمتداد العقود وتوالي أنظمة الجور. اليوم يُعاب عليه لابل يعاقب على كونه أقلية، هذه الأقليات التي كانت أكثرية وأمست ضحية مشارط أطباء السياسة في العراق ومن لف لفهم قرابة قرن من الزمان، تلك النخب الدخيلة على العراق وشعبه التي مهدت طريق ذبحه ديموغرافياً بمعاقبته وتشويه سمعته دينياً وإجتماعياً وسياسياً، اليوم تجاوزت نسبة مشاركتها الـ90% في عملية إستئصاله من طينته.

والسؤال الذي يثير بطرحه جملة من التساؤولات هو: لماذا يقف المجتمع الدولي مكتوف الأيدي أمام جل ما تمر به الأقليات القومية والدينية ليس في العراق فقط، وإنما في المنطقة بأسرها، وأين هو تأثير البرامج التي تطلقها الحكومات والمنظمات الأجنبية بإسم حماية الأقليات وتفعيل دورها، وهل حقاً يمكن تفعيل دورها دون مشاركة حقيقية في العملية السياسية وبلوغها مركز صناعة القرار، وهذا ما نستبعده فيما يخص حكومة المركز التي أمسى وجودنا فيها مجرد تمثيل شكلي وشخصي. وهنا نحن نطمح ونأمل من أحزاب ومؤسسات شعبنا العاملة على ساحة إقليم كوردستان أن تكون لهم مفاوضات مثمرة، من أجل شراكة حقيقية تليق بتأريخ ودور شعبنا في تشكيلة حكومة الإقليم القادمة، لاسيما وإن ممثلي أحزابنا كافة صوتوا بالإجماع لإنتخاب السيد نيجيرفان البارزاني رئيساً للإقليم، وسيفعلون المثل يوم يتم تكليف السيد مسرور البارزاني لتشكيل الكابينة التاسعة، والتي نبني على مشاركتنا الإيجابية فيها آمال كثيرة كمكون قومي وديني، إلا أن آمالنا تلك ستذهب أدراج الرياح لو لم تكن مقرونة بإستراتيجية مستقبلية واقعية وعملية الهدف منها خدمة المواطن لكسب ثقته وتغذية ايمانه وتعزيز آماله وبالتالي التشبث بالجذور والوطن، لاسيما بعد أن أمسى إقليم كوردستان آخر ملاذاتنا، كوننا خسرنا جل ما نملكه في العراق الذي إصطبغ بصبغة إسلامية - عربية منقسمة على ذاتها مذهبياً وسياسياً.

المصادر:

(1) منذر عبدالمجيد البدري، جغرافية الأقليات الدينية في العراق، رسالة ماجستير مقدمة الى مجلس كلية الآداب - جامعة بغداد، 1975، ص 307.

(2) سجلات تعداد عام 1957.