FacebookTwitterGoogle Bookmarks

ما حيلة المثقف العراقي

04 حزيران/يونيو 2019

سعيـد شـامايـا

 

كثرت خلال الفترة القريبة اهتمام الجهات الوطنية بالمثقف الوطني النزيه ودوره في معالجة أمور وطنه وشعبه خصوصاً في المراحل الصعبة، ويبرز دوره في الإسهام لمعالجة أوضاع العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الإعلامية التي يسيطر عليها أزلام السلطة، ومهمتهم اليوم كبيرة حين تهدد الأوضاع سلامة الوطن والمسعى الى تجنبه من المخاطر المحيطة به، خصوصاً الحرب وتفاديها والابتعاد عن أية تجاذبات لأية جهة تسحبه الى مشاكل تعقد من الأزمة التي يعاني منها والحرب تطرق أبواب بلدان الشرق الأوسط والعراق بالذات.

صدق ذلك الاهتمام لحاجة الوطن وشعبه الى المثقف الذي سخر ثقافته لأمر خارج ذاتيته (الأنا) ملتفتاً الى الوضع الذي يقلقه، المثقف المدرك والمؤمن فكرياً بمسؤوليته تجاه الوطن وشعبه المظلوم، وكلما توسعت مداركه تجاه المجتمع ومراتبه أو طبقاته وما يشغل كل جهة منها كلما زادت المشاعر التي تربطه بالمسؤولية مؤمناً انها (واجب تطوعَ في إنجازه دون تكليف أو غاية نفعية)، هذا هو المثقف الذي تشغله أوضاع وطنه وشعبه والمشاكل التي تعيق تطورهما وبنائهما وإصلاح أوضاعهما.

وشاءت ظروف المثقفين في المجتمعات المنهكة بمشاكلها أن تكون هي الأخرى منهكة وصعبة، لتواجه مهمتهم مصاعب أهمها توعية شعبها ليدرك وضعه ليشارك في تحمل مسؤولية وجوده الملائم لحياة حرة كريمة، خصوصاً إن كان بلده غنياً بموروثه وبموارده الطبيعية وبيئته التي تستغل دون أن تكون له حصة فيها، هنا تنفتح أمام المثقف عدة أبواب تسحبه لمصارعتها، ساحة سياسية تتجاهل حقوق الشعب، التعليم وحاجة شعبه لمؤسسات تربوية تأهيلية لإنتاج رجال صادقين كفوئين مخلصين ليشغلوا المواقع الإدارية المهمة التي يحتلها الفاشلون والفاسدون، إعلام صادق شجاع يضع نصب عينيه الصدق ومحاربة السوء والفساد مندفعاً الى ما تتطلبه حقوق شعبه، وأبواب الحياة لا يمكن حصرها بكلمة سريعة عابرة، هذه المهمات المتعبة في بلداننا تكافأ بالضغوط التي قد تصل الى الحياة ثمنها، فهل يعاتب من ينجو بجلده ليمارس مهمته في مكان آمن؟ أم نساويه بمن يصمم على البقاء في الوطن والمواجهة الصعبة، تلك مساومة صعبة قد نظلم المخلصين الذي ما انفكوا دؤوبين مستغلين ثقافتهم صارخين مطالبين لحقوق أهلهم المغدورين.

في البلدان التي تعاني من حياة مرتبكة ومن أوضاع سيئة وسلطة فاشلة في إصلاح أوضاع وطنها وشعبها، يبرز دور المثقف الوطني مساهماً في الإصلاح المطلوب، فيتوزع مثقفوها ما بين من يقف الى جانب الإصلاح الذي تفتقده السلطة أي يكون معارضاً للسلطة، (كما نوهنا عنه أعلاه) أو يكون صوتاً للسلطة يفلسف أخطائها بمعالجات تتطلبها أوضاع البلد ووعود جميلة، لتحول الصورة المعتمة والأوضاع المأساوية الى آمال ومستقبل موعود على الشعب المعاني أن ينتظره بصبر جميل، وهذا أسوأ سلاح يخدر الشعب وينومه تلتجئ اليه القوى التي لا تفكر إلا في مكاسبها وفي صيانة مواقعها مهملة أي إصلاح.

هنا ممكن للمثقفين الأخيار في الداخل والخارج أن ينسقوا في عطائهم الثقافي الذي تحتاجه مسيرة التوعية والتي تدعم نشاط الشارع العراقي الذي صار منبراً حراً، له صوته وموقعه اللذان يقلقان السلطة ويكشفان أخطاءها بفضح فاسديها، فالمثقف المغترب يمكن أن يتحمل تلك المسؤولية الخطيرة بكتابات شجاعة تتناول الأخطاء بصراحة مدينة من يمارسها وتكشف عن الأعمال السيئة وتكشف مضار الممارسات الفاسدة وتنتقد بجرأة المسؤولين والقادة في ساحتهم السياسية وتحملهم مسؤولية معاناة الشعب ومسؤولية من دفع البلاد الى الأوضاع السيئة بل نحو الهاوية! يقابل هؤلاء المناضلين في غربتهم المثقفون في الداخل باسلوبهم الثقافي الذي يضع الوعي المطلوب بين أسطر كتاباتهم أو نفحات شعرهم الجميل أو في مسرحياتهم أو لوحاتهم المعبرة، ومن خلال نشاطاتهم يكونون عوناً لمنظمات المجتمع المدني الغير حكومية والسير معها في تقوية نشاطاتها لتعزز ثقة الجمهور فيها والوثوق بها، وهذا لا يعني أن تخلو الساحة الوطنية في الداخل من مناضليها متحدين بشاعة وإصرار الإدارة السيئة والأعمال الفاسدة وقضية ثقة الشعب المنهك بالصوت الثقافي المنبه والمرشد أمر مهم لأن الحكومات الفاسدة التي توالت محاصرة الشعب في مجال وعيه ودفعه الى الركون نحو الطاعة والصبر بانتظار وعود كاذبة، هنا يكون الشعب بحاجة الى ذلك الوعي، لكن مؤلم أن نلمس واقعنا بغياب ذلك الوعي من خلال الخوف والابتعاد عن أي نشاط ثقافي سياسي فنرى المواقع الإعلامية في الخارج تزدحم بالمقالات التوعوية الذكية والفاضحة للحكام الفاشلين الفاسدين، لكن الإقبال لقراءتها ليس بالمستوى الذي يناله خبر عابر أو حادث مؤلم لشخص ربما مجهول أو أخبار فنية مثيرة فيقبل المئات بل أكثر من ألف أو الألوف لقراءنها ولمتابعتها بينما عدد من اهتم بالدراسة ذي النقد العادل والفضح السياسي أو الكشف عن المساوئ التي هي أساس بلاء الشعب، لا يتعدى عدد قارئيها بضع مئات هنا يشعر المثقف بخيبة وحاجة الشعب الى الوعي المطلوب، ليكون للصوت الثقافي العامل الفعال في مجال دعم البناء والإصلاح في إدارة البلاد.