FacebookTwitterGoogle Bookmarks

قصة “فرج قرياقوس سقط”رجل مسيحي من بغديدا أعدمه تنظيم الدولة الإسلامية

17 أيلول/سبتمبر 2019

إدمون سقط

 

أبانا الذي في السموات،
إِرحَم أبانا الذي في الأرضْ.
اعزائي
اعود اليكم بعد ان رَسَتْ افلاك الشجَنْ في مرافئ الافئدة، و جفّتْ مآقي العيون من دموع الشجون.

رحل أبي الى الحياة الابدية بذات الهدوء الذي عَهَدَهُ في حياته الأرضية. ربما لم يكن هناك شخص ما من حوله ساعة رحيله، لكنه لم يكن وحيداً… فقد كان الرب معه… يقويه و يعطيه الصبر في وقت شدته، حيث الاشرار من حوله. أُولَئِك الذين دعوا ابي لينكر المسيح، حين اصطحبوه لمحكمتهم (الشرعية) كي يدين بدينهم!!! ولم يعلموا ان ذاك السبعيني في السن لم يَخَفْ من فوهات بنادقهم المصوبة نحوه. و لم تكن المرة الاولى، فقد هددوه في اليوم الاول لإحتلالهم
قره قوش (بغديدى) عندما جلس امام بيته من شدة الحر. اذ سطوا على خاتم زواجه و ساعته التي أهديته إياها عام ٢٠١٢. لقد ثبت ابي على إيمانه و رفض دعواتهم المقيتة “فما نفعُ الانسان لو ربح العالم كله و خسر نفسه”. احتجزوه لإسبوعين، بعدها عاد الى بيته الذي ابىٰ ان يتركه ليجده منهوباً كباقي البيوت، و بعد بدء عملية التحرير، أحرق الاشرار بيت ابي.
في ذلك اليوم المشؤوم، يوم غزا جيراننا (الدواعش) مناطق سهل نينوى، وعندما ادرك ابي ان الاشرار قادمون هذه المرة. إختار ان ينقذ اخي الأصغر الذي بقي معه حتى صباح ليلة النزوح القسري، و لم يجد بداً من أن يأمره بالتوجه نحو ( اربائيلو ) و إطلاقات أشباه البشر تطارده و هو على دراجته النارية. و يبدو لي انه هو أيضاً الذي اختار ان يزرع جسده في حديقة داره – حيث وجدتُهُ – كما الأزهار التي اعتاد إضافتها والاهتمام بها ليعطي لمسة التجديد للحياة الروتينية. فالأزهار رمز الحب و الجمال.

آمن ابي بخبزنا كفاف يومنا، فلم يكتنز في الدنيا، لكنه ربح كنز الآخرة. تربىٰ يتيم الام و له من العمر سنة و نصف فقط! و تزوج من أُمي في ريعان شبابه و عَمِل في معمل نسيج الموصل. و اثناء عمله واصل دراسته الثانوية ليحصل على شهادة أهًّلته للتدرج في وظيفته ليصبح رئيس قسمٍ. ولد معظم ابناءه في الموصل، لكن شيئا ما كنت أجهله في حينها، وهو، لماذا اصر على العودة الى مسقط رأسه في بغديدى و نحن لا نملك بيتا هناك؟! و خاصة بعد ان منحته الدولة بيتا حديثاً بالمجان في مجمع النسيج ( البيوت البيض). اشترى ابي أرضاً ملاصقة لدار ابيه في بغديدى. و اذكر اننا كنّا نتردد الى هناك اثناء بناء البيت،. حيث عمل هو و أُمي و خالتي و اخوتي و انا في ذلك البيت. كنّا نسقي الخرسانة و نحمل البلوك و نساعد البناء. كل ذلك ليجتمع شملنا و تكبر عائلتنا تحت سقف واحد، عموده أبي. و ما أدركته لاحقاً هو ان بغديدى كانت بالنسبة لأبي أُمَّه التي فقدها في طفولته لهذا لم يشأ ان يتركها حين غزا المغول الملتحين ثناياها.

أينَ أنتَ يا أبي ……. عبارة ظلت في مخيلتي منذ ان انقطعت الأخبار عنه في شهر تشرين الاول عام ٢٠١٤، و طفقت في البحث في وسائل الاعلام عن أية إشارة فيها بصيص من الأمل. و ما اكثر ما تلقيه علينا تلك الوسائل من اكاذيب. لم أكن احاول فهم ما يحدث فذاك صعب المنال. لكن ما آلت اليه مجريات الأحداث أفتت الى نتيجة حتمية و هي قرب تحرير سهل نينوى. فقررت شد الرحال الى العراق، و دخلتُ بغديدى في اول فرصة. ثم توجهت الى بيت ابي آملاً في العثور عليه، و منذ اول خطوة خلال البوابة الرئيسية، إحسست بخفقان في قلبي لا اعلم ان كان لهفة او شهقة حزن. اذ لمحتُ في حديقة بيتنا علامات تدل على وجود قبر! و كأن الذي وضعه هناك يقول لي انه هنا. و ما زاد من قلقي وجود عكازته عند المدخل، و رغم ذلك دخلت البيت المحروق لأبحث عن أبي منادياً بأعلى صوتي “أبي، أبي” و الدموع تملأ عيني. و بحثت في جميع أرجاءه و قلبي مازال في الحديقة عند القبر! و في ظلمة البيت و رائحة الرماد سمعت همساً يقول “انه ليس ههنا، فقد رحل، فقد اختار ان يرقد في حديقته يكتنفه قبر بسيط”. و عدت أدراجي لأحفر بيدي المجردتين و التقط بقايا رفات أبي……

بعد مدة توجهنا برفاته الى كنيسة الطاهرة الكبرى المحروقة، ليكون اول من يصّلى عليه هناك بعد التحرير، ثم ووري جثمانه في مقبرة القيامة في بغديدى. وبعد ثلاثة ايام علقتُ شجرة ميلاد في بيتنا احتفاءً بميلاد المسيح رمز المحبة و الخير و تحدياً للشر.

رحلت يا أبي و في نفسي الكثير من حبك …….
لكنني فخور بك جداً…
اشكر الجميع على مشاعركم الرائعة.

صلوا لأجله.