FacebookTwitterGoogle Bookmarks

لقاءات مع شباب الثورة في ساحة التحرير

06 تشرين2/نوفمبر 2019

كامل زومايا

 

كنت في الصباح الباكر ليوم الاحد المصادف الثالث من تشرين الثاني في ساحة التحرير / كعبة العراقيين بعد رحلة شاقة وطويلة طوال الليل من اربيل الى بغداد برا ..

انطلاقا من مقولة الفيلسوف كارل ماركس بأن الجوع لا يصنع ثورة انما وعي الفقر هو الذي يصنع الثورة، كان الاول من تشرين الاول انطلاق لثورة شبابية على الطغمة الحاكمة ومن معها ومن يدعهما من النظام الايراني، لقد تبلورت مطاليب الثوار حول مطلب واحد يريدون وطن مستقل متعافي من الطائفية والمحاصصة والفساد،  فالكل ينادي نريد وطن بعيدا عن الحاجات المطلبية من كهرباء وماء ومدرسة وراتب واصبح الحديث عن هذه الحاجات اهانة يشعرون بها جميع المتظاهرين وخاصة بعد التصريحات الجوفاء من قبل الحكومة بتلبية مطالبهم الاحتياجية…

عندما تستمع لحديث الشباب العفوي تتفاجئ بل تصطدم بسقف مطالبهم وبكل بساطة يصرحون بأنهم يريدون ان يعيشون بكرامة في وطن مستقل، هذا المطلب الذي يختصر معاناتهم مع الحكومات المتعاقبة بعد 2003 وكأنك تعيش مع شبيبة في بلد آخر وخاصة من كان يزور بغداد باستمرار يعرف ذلك، كان السكوت والخوف سيد الموقف وعدم التقرب في الحديث عن بعض الاسماء التي كانت تعتبر مقدسة في الشارع العراقي والبغدادي والكربلائي تحديدا ..

 كنت قبل ثورة الشباب، اسأل السائق عن الاجرة قبل ان استقل التكسي وبعض الاحيان لا اوافقه عن الاجرة التي يطلبها، اما اليوم وانت في بغداد الحال متغير تماما، فحال ان يعرف انك متوجه الى ساحة التحرير يبادلك السلام والتحية ويقول لك اصعد والحديث ينصب عن المشاركة في الانتفاضة وعندما تسأله لماذا انت تعمل ولم تشارك في الانتفاضة يجيبك بانه مقسم وقته بين العمل من اجل لقمة العيش ووقت آخر من اجل الدفاع عن حقوق الشعب العراقي ومساندة الشبيبة في ثورتهم السلمية، وعندما تصل بالقرب من ساحة التحرير تقريبا بسبب الحواجز الكونكريتية يحاول ان لا يأخذ اجرته، وتقوم بالتوسل اليه ليقبل الاجرة وهو الاخر يدعوك بالسلامة هذه هي قيم العراقيين في يوم الثورة ..

أما اصحاب (التوك توك) التي لا تتجاوز اعمارهم عن العشرين سنة تنبهر لمواقفهم الانسانية والنضالية يعملون طوال النهار والليل بنقل المشاركين في التظاهر من والى ساحة التحرير والمطعم التركي الى جانب نقل الجرحى والمواد الغذائية وكل مستلزمات التي تحتاجها الشبيبة ..

ينتظروك اصحاب التوك توك خلف الحواجز الكونكريتية ليستقلك الى قلب ساحة التحرير وعندما تحاول اعطاء اي مبلغ للخدمة التي قدمها يمتنع ويشعرك كأنك تهينه، واخيرا يتقبل منك الاجرة مجبرا بعد توسلاتك وقبلاتك على راسه... هذا الموقف لا يمكن ان انساه طوال حياتي،  ان تتوسل لشاب فقير الحال لياخذ اجرته  وهذا العمل الوحيد الذي من خلاله يعيل عائلته ولكن ومع هذا، يشعرك بانه كريم النفس حقا، يعمل اليوم من اجل الدفاع عن حقوق شعبه وعن قضية وطنه، وعندما تساله لماذا تتظاهر يقول... اريد وطن اريد ان اعيش بكرامة... تعبنا...

في تجوالي بين المتظاهرين التقيت بشباب كثر في ساحة  التحرير ونفق التحرير وفي جبل احد/ المطعم التركي طلبة متوسطة وثانوية وطلاب معاهد وكليات طب وهندسة علوم... يدور حديثهم عن مطالبهم بوطن يتسع للجميع، وتشعر من حديثهم بانهم كانوا مخدوعين بأسم الدين والطائفة واليوم تكشفت غايتهم بشكل واضح وملموس وجاء يوم الحساب..؟ وعندما اقول لهم انا مسيحي، لا اعرف لماذا يعتذرون ويقبلوني ويتحدثون بوقت واحد ليؤكدون لي بأننا شعب واحد وانهم ضد  الطائفية... ويستمر الحديث معهم والسؤال لماذا تتظاهرون يا شباب.. ؟؟ أتظاهر من اجل المستقبل.. أتظاهر من أجل أن يكون لدينا وطن آمن، وماذا بعد اذا لم يتم تحقيق مطاليبكم...  سنبقى هنا ولن نغادر المكان الا مع فجر الثورة يشرق من جديد، اصرار قوي وعنيد، وعن الدراسة يحدثونك بأنهم سوف يلتحقون بالدراسة حال الانتهاء كل شيء وعودة حقوق الشعب العراقي..  

تقسيم العمل لا يحتاج الى العمل الاداري الكثير، فأنك ترى من حولك الشيبية بنات وشباب كل له عمله، مجموعة من الفتيات يقومون  بتنظيف الممرات في المطعم التركي ومجموعة من الشبيبة تجمع القمامة في اكياس من النايلون.

يبدو كنت هناك مبكرا بعض الشيء فبعض الشباب مازلوا نائمين في الممرات يفترشون الارض ببطانيات متهرئة في طوابق المطعم التركي ليحرسوه بعد ان تم تحريره من مخالب النظام واجهزته القمعية ..

صور كثيرة فهنا قسم الطبابة يعملون بكل تفاني لاسعاف الجرحى أو الذي يتعرض الى وعكة صحية المت به بسبب  الغازات المسيلة للدموع او لمكوثه لأيام وليال طويلة.

في ساحة التحرير خلية نحل تعمل على تقديم الأكل والشرب للمتظاهرين مجانا، وهناك النسوة والرجال يطبخون على مدار الساعة.. وعندما تدخل نفق التحرير وتتذكر كيف كان قبل التظاهرات وكيف اصبح اليوم  تنبهر لتلك الانامل التي حولته الى واحة جميلة مطرزة بحب الوطن من خلال رسوماتهم التشكيلية التي  تعكس مطالب شعبنا واحلامه من اجل وطن حر يسوده عدالة اجتماعية والتعايش السلمي ..

شاركت في مسيرة لتأبين الشهداء ليلا واشعال الشموع والوقوف للصلاة على ارواح الشهداء، فرسمت اشارة الصليب والدموع تنهمر من الجميع وتفاجأت في احتضاني من قبل  شابين بعمر الورد ليسألوني حجي انت مسيح، احنا نحبكم.... فبالرغم من الجو الحزين الذي نحن فيه، ابتسمت وقلت لهم انا لست المسيح ولكني انا مسيحي، حتى اللافتات الموجودة في ساحة التحرير مكتوب فيها المسيح وليس المسيحيين، في كل الاحوال افضل من كلمة النصارى الذين ينعتونا بها البعض او مايزالون يرددونها دون قصد او سوء نية..

تحديات الثورة

ثورة الشباب وثورة الشعب العراقي وفق التحديات قد لا تجلب الشيء الكثير باعتقادي الشخصي بالرغم من الزخم الكبير من الشعب العراقي وسوف يزداد الدم المراق من ابناء شعبنا للاسف الشديد، فالكل يعلم ان الحكومة العراقية والاحزاب الاسلامية اسيرة للنظام الايراني والميليشيات هي التي تعتقل وتختطف وتقتل شبابنا الناشطين وان القناص معروف للجميع وان دون الحكومة هو التستر عليه..

يبقى هذا الحراك قد لا يصل الى مداه الذي يطمح له الشعب العراقي ولكن في نفس الوقت برهنت وتبرهن ثورة الشعب بانهم قوة لا يستهان بها وبرهنت على فشل الاحزاب الاسلامية في تغييب عقول الشعب في دهاليز الطائفية المقيتة، والوعي الحقيقي لدى الشبيبة بأن تكون الدولة مدنية ديمقراطية..

ان النقطة الايجابية في هذا الحراك الشعبي هو الوعي الذي وصل اليه شعبنا ان يعرف تماما من هو عدوه؟؟ ومن هو الذي يريد ان يبقي العراق في خراب دائم وان يستمر في تجنيد ابنائه بمعارك داخلية لا مصلحه له فيها ابدا، واصبح على معرفة اكيدة بأن ايران كحكومة هي عدوة التقدم في العراق التي دست مخالبها في جميع مرافق الدولة العراقية ويجب اخراجها عاجلا ام آجلا..

المشاركة في تظاهرات شبيبة الثورة لها طعم خاص وتضع كل تاريخك النضالي مهما كان بكفة واليوم بكفة اخرى

المجد والخلود لشهداء ساحات الوطن في بغداد وجميع محافظات العراق

الشفاء العاجل للجرحى الابطال الذين يصرون برغم الجروح ان يكونون في ساحات التحرير مع اخوانهم واصدقائهم  

تحية احترام لكل من يشارك في هذا الحراك كل من موقعه ان كان بالتظاهر او بكلمة او بريشة فنان او بقصيدة واغنية تشد من ازر الشعب المنتفض وتؤرق الظالمين والقابعين في المنطقة الخضراء وخلف الحدود الجارة ايران الارجنتينية.

بغداد / 4/ تشرين الثاني /2019