FacebookTwitterGoogle Bookmarks

حي الآشوريين في لبنان.. صور وذكريات

25 آذار/مارس 2018

ايفان جاني

 

لست من الذين عاصروا الأجيال الذهبية الآشورية في العراق، لكن الحكايات التي تروى وسمعتها عنهم، ترجمتها في ذهني الى صورة مقدسة أزلية، لن ينطفيء ضياءها وأمدتني بالكثير من الأمل والايمان في فترات مختلفة من الحياة.

فكل نجمة كانت مشروع علم قومي، تضاف إليها الشعاعات الثلاث الزرقاء والحمراء والبيضاء، ويزرع لها قلباً ذهبياً يشع نوره فيجرف معه البرد القارس وعتمة الظلام.

كما إن الأقلام القومية الرائدة لم تعرف السكينة ليل نهار وهي تذرف عصارة فكرها على أوراق ناصعة البياض لتحيلها مقالات وأشعار تلهب الروح القومية الملتهبة أصلاً في صدور الشباب.

أوتار القيثارات وصدوح الحناجر هي الأخرى فجرت براكين الثورة وحركت في الحجر روح الانتفاضة ونكران الذات في سبيل حقوق انسانية مسلوبة لشعب أعطى العالم أكثر من الكثير وبدوره حرمه من أبسطها.

والحديث يطول عن الأندية الثقافية والرياضية والاجتماعية والكنائس وعامة الشعب وحتى المقاهي التي كان فنجان الشاي فيها لا يحلو لشاربه لو لم يغازل حبيبته الآشورية التي أودعها الزمان وغدر الانسان الحبوس الوطنية بتهمة الجمال وتصحيح مسار التأريخ.

هذه الصور وغيرها، عشتها لحظة وطأت قدماي حي الآشوريين في لبنان، فعادت بي الذاكرة الى تلك الأيام، أيام تحريم ومحاربة الإسم الآشوري في العراق.

ففي هذا الحي البسيط المتواضع الذي يفوح منه أريج هكاري وأورمي.. حيث تتحاضن جبال هكاري مع سهول أورمي.. شعرت للوهلة الأولى أن قلبي ينبض بشكل مختلف، قلبي يخفق فرحاً وحزناً على مستقبل وتأريخ شعبي.. فالجدران هنا تتحدث وكسرت قاعدة الصمت.. فما أن دخلت الحي لأسأل عن بيت صديق، حتى وقعت عيني على لوحة جدارية مؤلمة، فيها إستذكار وإستهجان لمرحلة قاسية من تأريخ هذا الشعب العظيم.. كلمة مكتوبة باللغة الآشورية "ܣܝܦܐ - سيبا"، أي السيف، كلمة اختصرت فيها وحشية الدولة العثمانية وحلفائها تجاه اللون الآخر، الدين الآخر، اللغة، الثقافة، الإنتماء.. كلمة سوداء حزينة، كلمة توشحت بالأحمر، وكأن الدماء السائلة منها تعود للأمس لا لقرن مضى..

وعندما سألت عن صديقي، لا بل عن سليل أحد أعظم ملوك التأريخ "نينوس" الذي جاء إسمه تيمناً بهذا الملك العظيم، قالوا لي: في الشارع الفلاني، فتوجهت نحو العنوان وأنا أجهله، وبعد برهة وقع ناظري على علم آشوري كبير جذبني بقوة نحوه، وكأن العلم تحدث لغتي قائلاً: تفضل فأنت في بيتك وبين أهلك.. فبدون سابق تفكير أو تردد توجهت نحو الباب وطرقته، وإذ بسيدة محترمة تستقبلني، فسألتها بلغتي الآشورية أو "لهجة ديانا"، هل هذا منزل نينوس؟، فأجابتني بلهجة أورمي، نعم تفضل.. وهكذا كان لقائي بأحد شباب حي الآشوريين، "نينوس"، هذا الشاب القومي المؤمن الغيور، الذي تعرفت عليه للوهلة الأولى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يوم أجريت معه حواراً شيقاً حول أوضاع أبناء شعبنا في لبنان الطبيعة والجمال.

سعدت كثيراً بلقاء نينوس وعائلته الكريمة، وأدركت مصدر الروح القومية التي تنتفض في نينوس ولا يستطيع هو أو سواه من كبحها بتاتاً.

أخذني نينوس في جولة قصيرة، لكن مليئة بالقصص والذكريات المؤلمة والمفرحة في ذات الوقت، فزرنا الكنيسة، وتحدثت الى الرب متوسلاً السلام والانسانية للعالم أجمع.

كما وقفت في حضرة الصليب والمسيح والعلم الآشوري الذي وجدت نجمته الرباعية محفورة في قلب الأرز المقدس، أرز لبنان، علم لبنان..

فتركنا الكنيسة الى ساحة الشهداء الآشوريين، هذه الساحة التي سميت بهذا الإسم تقديساً وتكريماً للشهداء الآشوريين الذين سقطوا غدراً وهي يدافعون عن تراب لبنان، لبنان الوطن الذي إحتضنهم كما تحتضن الأم أولادها، وبدورهم عشقوه لدرجة الشهادة، وهكذا سقوا الأرز بدمائهم النهرينية الطاهرة، فأمسى الأرز أكثر قوة وقدسية.

وعندما زرت الساحة، إستقبلني لماسو المهيب، رمز القوة والحارس الآشوري الأمين، فوجدته منتصباً كعادته شامخاً على تراب لبنان، متوسطاً لعلمين مقدسين أدامهم الرب في رفعة وزهو.

فحزنت وفرحت وأخفيت الأمر عن صديقي، ومضيت أسأل نفسي:

الآشوري في هذا البلد غريب قياساً بالآشوري في العراق، وما قدمه الآشوري للبنان لا يقاس أيضاً بالتضحيات الجسام التي قدمها آشوريو العراق، ترى لماذا يرفرف علمنا حراً شامخاً على جباله وفي زرقة سمائه ليطل على بحره الواسع متعطراً بعبق الأرز ومتجذراً في نسيج مجتمعه، في حين حرمت الحكومات العراقية المتعاقبة التي إدعت الوطنية علينا هذا المشهد والشعور عقوداً ونحن من طينة آشور..؟!

أسئلة وصور كثيرة إحتفظت بها لنفسي، لأن الوقت كان قد أدركني والظلام قد خيم، وأنا كنت مرتبطاً بموعد آخر، مع صديق وأخ آخر، هُجر أو تم تهجيره قسراً على أيدي أصحاب القلوب الغليظة، ناكروا المعروف، معدومي الضمائر، أعداء الحضارة والانسان.

فودعت الأصدقاء لكنني لم أودع لبنان، لأنه أصبح محفوراً في ذاكرتي وقلبي، كما هو بالنسبة لسكان حي الآشوريين.. فشكراً للبنان، أرضاً وحكومةً وشعباً.

شكراً لكل من إستقبلنا بكلمة جميلة، أو بإبتسامة ملائكية على محياه.