FacebookTwitterGoogle Bookmarks

هل انتهت مشاكل مسيحيي الشرق الأوسط مع هزيمة داعش؟

23 نيسان/أبريل 2018

جـورج فهمـي

 

فيما عقدت الأقليات الدينية آمالها على الربيع العربي، في شهوره الأولى، للحصول على حقوقها السياسية الكاملة في إطار نظم ديمقراطية تحترم التنوع الديني والإثني، إلا أن صعود جماعات العنف الديني، كما هو الحال مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وضع هذه الأقليات وفي مقدمتها المسيحيون أمام تهديدات غير مسبوقة على مدى تاريخهم الطويل في الشرق الأوسط، فاضطرت غالبيتهم الى هجرة مدنهم وقراهم بحثاً عن ملاذ آمن في دول الجوار أو مناطق أخرى.

حدت الانتهاكات الصارخة التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية بحق الأقليات الدينية، والتي بلغت حد التطهير العرقي، بالمجتمع الدولي الى إطلاق عملية عسكرية بالتعاون مع الحكومات الوطنية والميليشيات المحلية في سوريا والعراق، ترمي الى كبح جماح دولة داعش الممتدة من العراق الى سوريا. فتم تحرير مدينة الموصل العراقية في يوليو 2017، وبعد أشهر قليلة تم تحرير مدينة الرقة السورية في أكتوبر 2017، لتخسر داعش مع بداية العام 2018 ما يقرب من 98 في المائة من الأراضي التى كانت تسيطر عليها منذ إعلان دولتها في صيف العام 2014.

لكن وعلى الرغم من هزيمة داعش العسكرية وتحرير مدن المسيحيين وقراهم، فلايزال الكثير من مسيحيي العراق وسوريا غير متأكدين من إمكانية العودة الى مناطقهم، وتساورهم شكوكٌ حول مستقبلهم في منطقة الشرق الأوسط عموماً. في غضون ذلك، يعتقد الكثير من مسيحيي سوريا والعراق أن مشاكلهم سابقة زمنياً على ظهور تنظيم داعش وقيام دولته، إذ لم تكن ظاهرة داعش سوى تجسيد لمشاكل أعمق جذوراً تمتد لسنوات طويلة. فقد عكس الصعود السريع لتنظيم الدولة الإسلامية وسيطرته على مساحات واسعة من أراضي سوريا والعراق تحديين رئيسيين يواجهان مسيحيي البلدين: أولاً، تراجع كفاءة مؤسسات الدولة؛ وثانياً، ضعف الروابط الاجتماعية بين المسيحيين ومحيطهم السني.

***

فيما يتعلق بالتحدي الأول، يشكك العديد من المسيحيين في سوريا والعراق في قدرة مؤسسات الدولتين على حمايتهم وتقديم الخدمات الأساسية لهم، بما في ذلك الأمن حتى بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. ويحاجج هؤلاء بأن هزيمة التنظيم العسكرية خير دليل على مدى الضعف الذي ألم بمؤسسات الدولة في كلٍ من البلدين، إذ لم يكن هذا الانتصار ممكناً لولا الدعم الدولي وانخراط الميليشيات المحلية في المعركة، كما هو الحال مع القوات الكردية في سوريا وقوات الحشد الشعبي ذات الأغلبية الشيعية والبيشمركة الكردية في العراق. الأمر يتجاوز إذاً وجود تنظيم الدولة الإسلامية أو عدمه. فتراجع قدرة مؤسسات الدولة على إنفاذ القانون وفرض النظام يعرض حياة المسيحيين وممتلكاتهم للخطر. في العراق على سبيل المثال، حاولت بعض الميليشيات ذات الصبغة الدينية، سنية كانت أم شيعية، فرض قواعدها في مناطق نفوذها، مُستهدفة ممتلكات المسيحيين، كما هو الحال في بغداد حيث احتلت بعض الميليشيات الشيعية منازل مسيحية غادرها أهلها بسبب تدهور الوضع الأمني في العاصمة خلال السنوات الأخيرة، ثم استخدمت شبكات علاقاتها داخل مؤسسات الدولة للتلاعب بعقود ملكية تلك العقارات. وفي سوريا أيضاً، يخشى المسيحيون وقوع سيناريو مماثل مع تزايد نفوذ الميليشيات المسلحة داخل مناطق سيطرة النظام السوري، حيث أوكل هذا الأخير مهمة حفظ الأمن في بعض المناطق لقوات غير نظامية موالية له من السوريين أو غير السوريين، كي يتفرغ هو لمعاركه مع المعارضة المسلحة.

أما التحدي الثاني فيتمحور حول الروابط الاجتماعية بين مُختلف الجماعات الدينية في كلٍ من البلدين. لقد أظهرت فترة حكم الدولة الإسلامية مدى هشاشة الروابط الاجتماعية بين الطوائف الدينية المختلفة، وخاصة بين المسلمين السنة والمسيحيين، وذلك على الرغم من خطاب التعايش السلمي بين الجماعتين، نظراً لانهيار هذا الخطاب بنفس سرعة صعود تنظيم الدولة الإسلامية. كذلك، يرى الكثير من المسيحيين العراقيين والسوريين أن هذا التنظيم ليس قوة غريبة عنهم تم دفعها بعيداً عن أراضيهم، بل يعتبرونه حركة تتمتع بدعم محلي في صفوف بعض شرائح الطائفة السنية. في الموصل -على سبيل المثال- كانت الجماعات السنية الجهادية ناشطة قبل سنوات من إعلان ما سُمي بالخلافة الإسلامية. فقد أظهرت النتائج التي توصل إليها استطلاع للرأي في العام 2016 تحت إشراف مؤسسة نرويجية حول تجارب الأقليات الدينية النازحة الى إقليم كردستان، أن سكان الموصل كانوا الأكثر عرضة لمضايقات بسبب هويتهم الدينية (بنسبة 74 في المائة) قبل سيطرة الدولة الإسلامية على المدينة، مقارنة مع نحو 25 في المائة في المناطق العراقية أخرى.

وفي سياق متصل، أشار كاهن مسيحي عراقي في حديثٍ معه بوضوح الى الشرخ الذي عمقته سنوات حكم داعش، مؤكداً أن الكثير من المسيحيين لا يشعرون بالأمان حيال العيش مجدداً في مناطق سنية بعد التجربة التي مروا بها تحت حكم الدولة الإسلامية، ذلك أنهم فقدوا ثقتهم في جيرانهم المسلمين. كذلك، أكدت امرأة مسيحية سورية في مقابلة معها أن العلاقة بين الطائفتين المسيحية والسنية في سوريا تلقت ضربات موجِعة، قائلة: "لا يمكننا أن ننسى أننا تُركنا وحدنا عندما سيطرت الجماعات الإسلامية على أحيائنا. لم يقف أحد الى جانبنا. ربما كانوا خائفين وغير داعمين لهذه الجماعات، لكن بالنسبة لنا فالنتيجة هي ذاتها".

***

هزيمة تنظيم داعش العسكرية هي بالتأكيد خطوة مهمة على طريق تحقيق السلام في كلٍ من سوريا والعراق، إلا أن ترسيخ هذا السلام يتطلب أكثر من مجرد العمل العسكري لتهدئة مخاوف الأقليات الدينية، وخاصة المسيحيين بشأن مستقبلهم في الشرق الأوسط. فلابد من إطلاق عملية جادة لإصلاح مؤسسات الدولة في كلٍ من البلدين، ما يسمح ببناء مؤسسات كفؤة، وديمقراطية، وحاضنة للتنوع الديني والإثني، وقادرة على لجم نفوذ الميليشيات المحلية. إضافة الى الإصلاح المؤسسي، ثمة حاجة للعمل على المستوى المُجتمعي لرأب صدوع العلاقة المتأزمة بين المسيحيين ومحيطهم السني، بهدف إعادة بناء جسور الثقة بين الطرفين بعد تجربة داعش المريرة، عبر إجراء حوار جاد بين الطرفين يعبرون خلاله عن مخاوفهم بصدق بعيداً عن شعارات التعايش السلمي.

لا يمكن إذاً فصل مستقبل المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط عن مستقبل دول المنطقة ومكوناتها الدينية والعرقية المختلفة، وبالتالي فإن العمل من أجل حماية مسيحيي الشرق الأوسط يصب مباشرة في صالح بناء دول ديمقراطية كفؤة يتمتع فيها جميع المواطنين بحقوقهم، بصرف النظر عن هوياتهم الدينية أو العرقية.

باحث بمركز مسارات الشرق الأوسط بالجامعة الأوروبية بفلورنسا