FacebookTwitterGoogle Bookmarks

كوتا لتدمير المسيحيين

30 أيار 2018

كوهر يوحنان عوديش

 

يقصد بالكوتا (Quota) تخصيص نسبة أو حصة أو عدد محدد من مقاعد الهيئات والمجالس المنتخبة مثل البرلمانات والمجالس البلدية لجنس أو مكون أو قومية معينة وذلك لضمان مشاركة تلك الجهة المعنية في التشريع وصناعة القرار، لأن تلك الفئة أو الطائفة أو القومية أو الجنس لن يتمكنوا من التمثيل المناسب في البرلمانات ومجالس البلديات بسبب قلة الأصوات التي يحصلون عليها بصورة اعتيادية لقلة عدد نفوسهم والتي تمنعهم من الحصول على مقاعد برلمانية، ومن هذا المنطلق خصصت للمكون المسيحي! باعتباره أقلية خمسة مقاعد في مجلس النواب العراقي (البرلمان) ومن قبله خصصت نفس المقاعد للمسيحيين في برلمان إقليم كوردستان، وهذا يدل على ان الهدف والغرض من الكوتا هو مشاركة الفئة التي خصصت لها الكوتا في التشريع وإبعادها عن الإقصاء والتهميش.

في العراق الديمقراطي الجديد، وبسبب سياسة المحاصصة الطائفية وإثارة المشاعر والعواطف الانتمائية، فان الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي كانت تصوت على الانتماء وليس على المؤهلات والإخلاص والصفات الأخرى التي يجب على الممثل التحلي بها، وباعتبار الشعب الكلداني السرياني الآشوري (المسيحيين) جزء من الشعب العراقي يحمل ثقافته وأسلوبه في التعامل مع الأحداث والوقائع فانه بقى محصوراً هو الآخر في هذه الدائرة الضيقة من ناحية التصويت وأخفق مراراً وتكراراً في اختيار الأنسب والأفضل والأصلح لتمثيله في البرلمان، لذلك نرى ان أداء ممثليه في الدورات السابقة كان ضعيفاً جداً والكل بدون استثناء أغمضوا عيونهم عن كل ما جرى ويجري للمسيحيين منذ 2003 ولحد يومنا هذا من مذابح وعمليات تهجير وغبن ومظالم إضافة الى التشريعات التي تنتقص من ايماننا ومعتقداتنا.

كان يمكن للمآسي التي تثقل ظهورنا –بل وتكسره- نحن المسيحيين وللإرهاب الذي يلاحقنا على هويتنا الدينية أن يكونا من أهم وأقوى الأسباب المؤدية الى توحيد جهودنا وخطابنا السياسي للوقوف بالضد من كل الأعمال والتشريعات والمراوغات السياسية التي قربت نهايتنا في وطن نعتبر أصلائه، لكن الانتهازية والأنانية وشخصنة القضية من قبل رؤوسائنا الحزبيين وقادتنا السياسيين ورجال ديننا الكرام جعل من فواجعنا ومعاناتنا ماركة تجارية لتبوأ المناصب وتكديس الملايين من الدولارات، وبذلك أصبحت قضيتنا تختصر وتختزل بمناصب كارتونية يستفيد منها بضعة أشخاص مقابل تشريد وتهجير الآلاف العوائل.

لا نبالغ ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا ان الكوتا المخصصة للمسيحيين تعتبر أداة لتدميره وليس كما يروج أو يعتقد وسيلة لتمثيله، فكانت سبباً في التفريق والتناحر والتناطح وتوسيع الهوة بين أبناء الشعب الواحد وفي نفس الوقت أسهل وسيلة لتبوأ المناصب والتمتع بامتيازاتها بعيداً عن الهدف الحقيقي التي من أجله خصصت هذه المقاعد، لذلك نلاحظ ان ممثلينا الكرام في مجلس النواب وما قبله في مجلس الحكم وفي كل مفاصل ومرافق الدولة العراقية كانوا يناضلون من أجل تحقيق مصالحهم ومنافعهم الذاتية، ولتحقيق أهدافهم الشخصية كثيراً ما باعوا القضية وخانوا ثقة الشعب فسكنوا هم القصور وتركوا الشعب وحده يتمرغ في الوحل والدم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقط بل تمادى الى الأكثر لأن حب المنصب ولذة امتيازاته أدت الى التنافس اللاشريف واللاأخلاقي بين أبناء المكون الواحد للاستحواذ على المناصب والتنعم بها بعيداً عن الهم القومي والديني وبذلك أعطى القادة الحزبيين والدينيين فرصة للآخر للتدخل والسيطرة على شؤون المسيحيين والمناصب المخصصة لهم عن طريق شراء ذمم الضعفاء من المحسوبين ظلماً على أبناء هذه الطائفة.

لا أظن بأن خمسة مقاعد من أصل 329 مقعداً في مجلس النواب ستكون مؤثرة وكافية لتثبيت حقوق المسيحيين ومنع تشريعات تنتقص من معتقداتهم ومبادئهم الدينية، لكن كان يمكن استغلالها لصالح هذا المكون بصورة أفضل وأحسن لو تحلى ممثلينا البرلمانيين بقليل من الصدق والشجاعة وكان ولائهم لقضية شعبهم وليس للكرسي، لذلك فان نصيب ممثلينا (بائعي الأنفس) من العتب على ما وصلنا اليه نحن المسيحيين يفوق مئات الأضعاف عتبنا على الآخرين الذين محوا ومسحوا تاريخنا ومأساتنا وإسمنا القومي من الدستور العراقي، والذين شرعوا قانون البطاقة الوطنية الموحدة، والذين هجرونا ودمروا كنائسنا، والذين... والذين...

الانتخابات الأخيرة وما أفرزته من نتائج كارثية بالنسبة للكوتا المسيحية تدل وبكل وضوح ان الكوتا التي خصصت للمسيحيين لتمثيلهم ومراعاة خصوصيتهم أفرغت من معناها الحقيقي وأصبحت هدفاً سهلاً للأحزاب الأخرى الكبيرة منها والصغيرة، فالأحزاب الكبيرة تستطيع الحصول عليها بعدة آلاف من الأصوات التي تعتبر لا شيء بالنسبة لقاعدتها الجماهيرية الواسعة والكبيرة، والأحزاب الصغيرة المفلسة سياسياً تعتبرها أفضل وسيلة لإثبات وجودها لأنها لن تستطيع الفوز بمقعد برلماني في حالة مشاركتها بالانتخابات بصورة اعتيادية لذلك تحاول جهدها للفوز بمقعد برلماني (إحدى مقاعد الكوتا) عن طريق دعم مرشح مسيحي ينتمي اليها.

لن يكون انتماء الشخص معياراً لمصداقيته وإخلاصه لقضيته لكن هل يستطيع الظافر بالمقعد البرلماني بأصوات الآخرين من خارج الكوتا المسيحية أن يمثل شعبه ويدافع عن حقوقه بعيداً عن التأثيرات والضغوطات أم انه سيكون بيدقاً بيد من أجلسه على هذا الكرسي؟ مجرد سؤال لا أكثر.

* المقالة منشورة في جريدة الزمان الطبعة الدولية