FacebookTwitterGoogle Bookmarks

بالأمس كنا، واليوم أصبحنا

27 حزيران/يونيو 2018

المونسنيور بيوس قاشا

 

إن عالمَ اليوم أكثرُ عنفاً وفتكاً بأبناء الأرض الأبرياء، وعلى المسيحيين أن يدركوا أنّ أرضهم كانت بذرة ايمانهم وان مسيرتهم ما هي إلا شهادة فهناك من يريد أن يفرغ البلدان منهم، وذلك ليس سرّاً فوسائل التواصل الاجتماعي تفضح كل شيء وتُعلن المستور حسب قول المسيح الحي: "ليس خفيٌّ إلا سيظهر، ولا مكتومٌ إلا سيُعلَن" (لو17:8)، كما تُظهر الوسائل تزييف الحياة التي يحملها الفاسدون والسرّاق المبارَكون من قبَل رجال الدنيا والزمن والمهمات والمناصب والمعابد بسبب المصالح والقربى، كما إن الصراع الطائفي السلطوي البغيض أزاد في الطين بلّة وبدأت معه النزاعات والخصومات والالتفافات العشائرية والعقائدية والطائفية والمحسوبية، وأخذت تمزّق أصالتنا من أجل أن نكون أو لا نكون. فما أقساه الزمن الذي نحن نعيش أيامه ومن المؤكد ان رؤوساءنا ورجال زماننا -وأنا كلي ثقة- بأنهم ملمّين بكل حيثيّات المسيرة المسيحية المؤلمة ومسيرة البلد المتعبة، لذلك تراهم يعملون في الرجاء من أجل مواصلة الحياة، لذا سنبقى نشهد للحقيقة بعينها، إذ لا بدّ أن نعرف مسيرتنا الى أين نحن ماضون وكيف كنّا وأين أصبحنا وهذا قليل من كثير وموجز لمواضيع شتّى فأقول:

بالأمس كنا مواطنين أصلاء، واليوم نحن مهجَّرون ونازحون؛ بالأمس كنا وطناً واحداً وكنيسة واحدة بايمانها، واليوم أصبحنا نفتش عن تسميات كنائسنا وعن طائفياتنا وعن أمكنتنا وكراسينا والويل إذا دخلتُ عتبة كنيسة لا أنتمي اليها؛

بالأمس كنا شعباً سعيداً مُلمّوماً شمله، واليوم تشتّتنا في بقاع الأرض عبر الطرق البعيدة الشاسعة؛ بالأمس كنا نملك وطناً وأرضاً وعراقاً، واليوم نحن لا نملك حتى الهواء الذي نستنشقه فما نحن إلا غرباء وأناس مأجورون؛ بالأمس كنا ننعم بأجواء بيوتنا وقصورنا، واليوم نلف الكرفانات والخيم والمعسكرات؛ بالأمس كنا نزرع حدائقنا وروداً ونقطفها باقات، واليوم نجمع دموعنا ونقطفها آهات؛

بالأمس كنا نبني ونحصد والحرية ترافقنا، واليوم أصبحنا نفتش عن فلك نوح خوفاً من الطوفان؛ بالأمس كان الفرح يملأ صدورنا والرقصة (الدبكة) تشاركنا بهجة الحياة، واليوم حسرات هي نتاج أمراضنا وعاهات في صدورنا؛ بالأمس كنا نعمل في دورنا وبعرقنا نربح أيامنا، واليوم فقدنا حتى بيوتنا فقد نُهب كلُ شي وأُحرق ما بقي من شيء ولم يبقَ لنا إلا نون؛

بالأمس كانت خزائننا مليئة بما تعطيه الحياة، واليوم أمام المنظمات نقف طوابيراً نستعطي أرزاقناً؛ بالأمس كنا ننام وأبواب دورنا مفتوحة احتراماً لضيوفنا، واليوم نتّفنن في كيفية تحصين أبواب دورنا خوفاً من الآتي؛ بالأمس كنا نجول نشامى في شوارع مدينتنا، واليوم أضعنا حتى عنوان حارتنا؛

بالأمس لم يكن لنا لجانٌ تهتم بشؤوننا وكانت المسيرة صادقة بأهلها ورجالها، واليوم مجالس وشؤونهم ولجان والقائمون عليها فاسدون يخفون فسادهم وما إصداراتهم إلا بيانات ومناجاة عبر المنابر والمايكروفانات؛

بالأمس كانت الحياة طبيعية برجالها الأوفياء الأمناء، واليوم فسدت الدائرة بفساد مدرائها وموظفيها وأهداف طائفيتها؛ بالأمس كان الإعتذار من كبير القوم والاقرار بالخطأ سبيلاً، واليوم أصبح فاسد القوم قديساً تُحجَز له المقاعد الأولى وله تنحني القامات كما له يجب الإكرام والمجد والتسبيح والترحيب؛

بالأمس كانت الشهادة هي الحقيقة فانجيلها نورها لسبيلي واليوم أصبح الكذاب والمنافق والسارق وشاهد زور هو الشاهد لحقيقة مزيفة؛ بالأمس كان عدد مؤمنينا يفوق المليون والنصف واليوم أصبحنا نحصى بعدد أيام السنة؛

بالأمس كانت قرانا مفعة بالحياة، بالذهاب والاياب في البناء والعمران واليوم نسال هل سنبقى نواجه التحديات الداعشية وديموغرافية المطالب ويبقى السؤال لماذا البقاء؛ بالأمس لم نكن نفكر في هجرتنا ومغادرتنا وكنا نحسب أرضنا لنا ونتشبث بها واليوم الهجرة هاجسنا وموضوعنا ولا ثقة لنا بأرضنا التي أحببناها لأن الزمان قد غدر بنا وبدأت تلفضنا؛ بالأمس كان لنا ماء وخضار ونهران وكم كانت حياتنا جميلة بخالقها الذي أبدع كل شيء، واليوم نفتش عن خضار لنلاعب أطفالنا فيها وندغدغ حركاتنا فكل شي قد ضاع؛

بالأمس لم نكن نعلم ما هي الأحزاب والتقسيمات وماذا تعني الحركات واليافطات فكل شيء كان على بساطة الحياة محبوباً وموقراً واليوم نحن أحزاب بأسماء ومكونات وعددها يفوق عدد أصابع اليدين وحركات وأقليات وطوائف وقوميات ومهامها مسموعة وغير مرئية ومصالح لا تعد ولا تُحصى ولا تُرى بالعين المجّردة نسمع بآياتها وما نعرفه وما نسمعه ماهو إلا بياناتها ولا نرى أفعالها وتوضع على أكتافنا ونحملها ونحن لهم راكعون فالكبار لها ساندون والصغار من أجلها وأجلهم مطيعون خانعون؛

أنا لست متشائماً ولكني سأبقى أقول كما قالها يوما المسيح الحي "تعرفون الحق والحق يحرركم" (يو32:8) وقالها غاندي "أن أقول الحق في وجه الأقوياء" والخوف لا زال هاجساً مخيفاً فهل سيعود ثانية فقد كان لنا تجربة قاسية واجهناها برجاء أكيد في ايماننا بالمسيح الحي ولكن أسال ألسنا أمام تحديات جديدة تحديات المستقبل تحديات التشبث بالأرض والبقاء فيها شهادة لايماننا ووفاء لمسيحيتنا ولحوارنا وسيبقى السؤال يراوح في محله وبدون جواب هل سيعطى للمسيحيين حقوقهم ويعودوا يعيشوا مطمئنين الى قراهم.

ولكن إذا ما بقينا على هذه الحال فالقادم مخيف، وشعبنا لا زال يرحل، ولنعلم أننا بعد أن جُرّدنا من كل شيء، من المال والمجوهرات، من الأملاك والحاجيات، سنترك شعبنا ومعابدنا ونقصد جمعيات وافدة بسبب عدم إدراكنا للطرق الملتوية والغريبة التي يأتون بها أصحابها، فهم يعلّمون أولادنا أن هذه كلها كنائس ولا فرق بين هذه وتلك، وتضيع الحقيقة، ويضيع الوطن، ويتم المَثَل القائل "بطني عبادتي، وإلهي دنياي"، والويل إذا كان الراعي في سبات عميق أو كان أجيراً إذ لا يهمه أمر الخراف "فيأتي السارق ويذبح ويُهلك" (لو39:12)... وياليتنا كنا أمساً في يومنا. وسأبقى بنعمة الرب متفائلاً وسأبقى أقول "لتكن مشيئتك يارب: تلك مسيرة ايماني، نعم وأمين، أليس كذلك.