FacebookTwitterGoogle Bookmarks

تسميم الفضاء القومي

28 حزيران/يونيو 2018

تيـري بطـرس

 

العمل السياسي ليس مسيرة خط مستقيم، لا يمكن للانسان أن يحيد عنها، ان من يروم أن يدخل العمل السياسي، يدرك بلا شك، انه سيخضع، لمؤثرات مختلفة، فالتحالفات لا تتحقق دون موازنة المصالح بين الأطراف المتحالفة. وهنا الضعيف يمكن أن يخضع للضغوط أو حتى للإهمال، وما يدفعه للتحالف هو عدم الإهمال، لأن الإهمال يعني إلغاء وجوده وعدم مراعاة مصالحة كليا. هذه الأمور مفهومة في العمل السياسي. وما يدفع الضعيف هو الأمل في أن يقوى، بمختلف الطرق، بعدد الأعضاء، بالأموال والموارد المادية، الإعلام، إمكانية المساومة مع أطراف أخرى لتحقيق مصالح أكبر، والمساومة مع الحليف لبناء توازن جديد. من هنا لا استقلالية في العمل السياسي بالشكل الذي يتم خداع أبناء شعبنا به. ومن هنا كنا نود أن لا تكون أحزابنا، أحزاب شعارات الليل التي يمحوها النهار، بمعنى شعارات الأمل التي يزيلها الواقع والقدرات والإمكانات.

ومن هنا كانت نظرتنا للعمل السياسي القومي في شعبنا، مبنية على محاولة تفهم ظروف الطرف الآخر، وما هي دوافعه لاتخاذ بعض القرارات أو المواقف أو السكوت عنها. لا يخفى على أحد ان الطرف الذي ظهر متكلما بإسم شعبنا في بداية التسعينيات من القرن الماضي، كانت الحركة الديمقراطية الآشورية. ورغبة منا في دعمها لم نعلن الوجود السياسي لحزبنا حينها، بل فضلنا أن نتحاور في الخطوة معهم ولكي لا تتقاطع طرقنا ونتجه توجهات مختلفة. وكانت رسالة الحزب الوطني الآشوري في ربيع 1991، والتي لم يتلقى عليها جواب، ولكن رغم ذلك دخل الحزب في حوار مع الحركة بعد الكثير من الأخذ والرد، وما دمر هذا الحوار باعتقادي هو خروج وفد الحركة بقيادة نينوس بثيو، والاستقبال الذي لقوه، في الخارج وكان الوفد قد حرر نينوى. المهم ان الحركة كانت في الجبهة الكوردستانية، وكانت في الحكومة المشكلة وكان هذا اعترافاً بكوردستانية المنطقة واعتبار الأمر مسألة واقعية والتعامل معها على هذا الأساس. من جهة حكومة المقامة حينها في المنطقة الآمنة، والمجلس الوطني الكوردستاني الذي كان يضم أربعة أعضاء من الحركة والآخر من الحزب الديمقراطي الكوردستاني كممثلين لشعبنا أو الكوتة. قدمت ومن خلال وجود المرحوم الشهيد فرنسوا الحريري والسيد سركيس آغاجان وبمبادرة منهم انضم اليهم لاحقاً الممثلين الأربعة وبعض الأخوة الكورد لتقديم مقترح الاعتراف بأعيادنا القومية واعتبارها عطل رسيمية لنا. أما مسألة التعليم السرياني، فان حكومة الأمر الواقع المقامة في المنطقة الآمنة، أقرت في قانون وزارة التربية حق أبناء الأقليات التعلم بلغتهم الأم. وكان هذا القانون حجة لقيام بعض الخيرين لفتح صفوف التعليم بلغة الأم وأعتقد ان أول من عملها كان الأب شليمون ايشو في قصبة سرسنك. وقامت مجموعة من أعضاء الحزب الوطني بالدعوة لعقد اجتماع قومي للمطالبة بالتعليم بلغة الأم لكل أبناء شعبنا وتم دعوة الحركة الى الاجتماع، وحضر وفد منهم بإلحاح من الداعين. وتم تشكيل وفد ضم بعض الأخوة وحسب ما يرد في ذاكرتي ضمت الأخ يلدا خوشابا وروميل شمشون والمرحوم شمائيل ننو والتقوا في مقر المجلس الوطني الكوردستاني وطالبوا بتطبيق الفقرة المنوه عنها في قانون وزارة التربية. في الانتخابات الاولى التي أقيمت في المنطقة لانتخاب المجلس الوطني الكوردستاني، تم تخصيص خمسة مقاعد لأبناء شعبنا وتحت تسمية الآشوريين، ولكن لمرة واحدة، ولكن في الممارسة العملية تقدمت قوائم أخرى من أبناء شعبنا ولكنها تابعة للحزب الديمقراطي الكوردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكوردستاني تحت تسميات مثل مسيحي كوردستان والحزب الشيوعي الكوردستاني تحت إسم قائمة الكلدوا آشورية. هنا كان هناك نقاش حول المشاركة في الانتخابات أم لا، وقد طالب البعض بعدم المشاركة لأن الأحزاب الكوردستانية مثل الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني يريدون تشويه الحق في أن تكون لنا خمسة مقاعد قومية، بدخولهم تحت تسمية مسيحية، إلا ان الحركة أصرت على المشاركة وقام أعضاء الحزب الوطني بدعمهم.

في ذلك الوضع والذي كانت كل المقاييس تقول بأن وزن شعبنا السياسي، ضعيف، وكان من المفترض في قيادة الحركة فتح الأبواب للحوار والنقاش، ولو من خلال هيئة تحاور في العمل المشترك وآلياته والشعارات المرفوعة ودور التعدد السياسي في دعم تجربة شعبنا والدفاع عنه، افترضت الحركة الديمقراطية الآشورية انها الممثل الوحيد لشعبنا وليس هناك أي طرف آخر له وجود. ولذا سريعاً ما دخلت صراعات مع أطراف متعددة، وهي لم تكن متهيئة أصلاً لذلك. فبعض تلك الأطراف ومن منطلقات خاصة لم تمانع أن تمد يدها الى الأقوى، وأن تعلن ان الحركة لا تمثلها، منطلقة من مسألة التسمية كمثال. واضطرت الأطراف الأخرى مثل بيت نهرين والوطني الآشوري للنزول الى الساحة، وإعلان مواقفها المتطابقة أو المختلفة عن الحركة. وأشعلت الحركة ومسانديها، وخصوصاً في المهجر ممن انتشى بالأخبار والادعاءات المبالغ فيها عن قدرات الحركة وإمكانياتها. الى وصم كل أحزاب شعبنا وخصوصا الوطني الآشوري وبيت نهرين بالعمالة والخيانة ومحاولة العزل من الساحة القومية وحتى الاجتماعية ومن الساحة الوطنية. وصار من التحق بالحركة وإن كان أول مرة يعمل في العمل القومي، مرجعاً وقاضياً وموجهاً، مما أدخل المجتمع في صراعات تمحورت حول الخيانة، لأن المنتشين الذي تناسوا أو لم تثرهم مشاركة الحركة في حكومة كوردستان العراق أو الجبهة الكوردستانية حينها، كما هو الآن، وكأنهم صحوا وأدركوا ان الكوردستانية لا تليق بهم في ظل حالة ضعف شديد يطال أحزابنا وكل المجتمع.

لقد كانت محاولة الاغتيال التي أقدمت عليها الحركة والتي طالت أحد أعضاء اللجنة المركزية للحزب الوطني الآشوري، أحد المفاصل لأنها دخلت في محرمات العمل السياسي القومي وتجاوزت كل ذلك الى ان الحركة تريد أن تفرض رأيها أو نظرتها وبالحقيقة ان تحول الجميع الى الطاعة وإلا، أي البديل الآشوري للدكتاتورية. والتي لم يكن لها أي دعائم حقيقة على الأرض، لأن السلطة الحقيقة كانت بيد الأحزاب الكوردية. ولأن هذه الأحزاب كانت منشغلة بصراعاتها، فتركت الحركة تتعامل مع أبناء شعبنا وتحاول أن تفرض إرادتها والتي فشلت فيها، لأنها كانت إرادة واهنة يكذبها واقع ما يعيشه شعبنا، وخصوصا ما تعرض له الفوج الآشوري، وحوادث طالت أبناء شعبنا وبحالات إجرامية حقيقية لم يتم إحقاق حقوق المظلومين فيها، مثل حادثة هيلين ساوا، وأدور خوشابا والعائلة من شقلاوة ومقتل بعض أبناء مانكيش. وهؤلاء القتلى الدين يمكن اعتبارهم شهداء لأن قتلهم كان لأنهم مستضعفين ومن غير الكورد أو المسلمين. من هنا بدأت الصراعات التي أشعلتها الحركة في المجتمع الآشوري بالدخول الى بيتها الخاص من خلال استقالة بعض من قياديها وكوادرها ممن لم ترتضيهم توجهات وسياسة الحركة. علماً ان الحركة في كل هذه الحوادث بقت صامته ولم تثر حتى أي نقاش أو حوار حولها معلله بأنها طرف ضعيف بين وحوش هذه صورة قلمية لبعض ما حدث وكيف بدأت حالة تسميم فضاء ثقافتنا. فنحن ضحايا نظام دكتاتوري، ورافعين شعار الديمقراطية، لم نتمكن من أن نتحاور بل فرض على الجميع إما الصمت أو إلصاق التهم به من العمالة الى التهم الأخلاقية وغيرها. واستسهل البعض هذا العمل حينما رأى ان البعض يسارع الى الابتعاد وترك الساحة ان تم التعرض له بأي تهمة من قبل أنصار الحركة. ولكنهم تناسوا ان البعض ممن يتعرضون لذلك، أناس لهم تجاربهم القومية وتاريخهم النضالي وقدرتهم على المقاومة وعدم ترك الساحة للكذبة والمنافقين وخصوصاً ممن وجدها فرصة مناسبة لكي يظهر وكأنه قائد قومي بدون أن يدرس ولو كتاب في تاريخ الأمة أو أن يخط ولو قصيدة في حب أمته، أو أن يتبرع ولو بدولار من جيبه لصالح العمل القومي. وسارع كل من كان في ماضيه شائبة الى الالتحاق بالحركة لكي يزايد الآخرين في انتماءهم وعملهم. وصارت الحركة هي معمل تعميد الناس قومياً، وخصوصاً من كان له ماض أسود. ولم ندرك أبعاد هذه التحولات إلا لاحقاً، حينما ظهرت أسماء البعض وهي ترفل بأنها كانت تعمل مخبرة لدى سلطات صدام وأجهزته القمعية.

وعندما بدأ الانترنيت والبال تاك بالانتشار، تم استغلالها أبشع استغلال من قبل طرف أنصار الحركة، فقاد أنصارهم هجمات لم تشمل فقط الوطني الآشوري وبيت نهرين، بل امتدت لتشمل كل من حاول ولو أن ينتقد جزيئة بسيطة من ممارسات الحركة. فشمل الانتقاد بطاركة الكنائس والكثير من المثقفين، ولو كان الانتقاد بصورة حضارية لهان الأمر بل لرحب به، ولكنه كان سباباً علنياً. ونباح كلاب أكثر منه حوار يفهم. ودخلت المجاميع المنشية باللباس القومي الذي لبسته فجاءة مواقع شعبنا وحولتها من حوار ثقافي ونشاط للبناء الى مواقع للابتذال في أحياناً كثيرة.

وفي كل مفصل من مفاصل العمل السياسي كانت الحركة الديمقراطية تقود حملة تشويه كبيرة ضد الآخرين وتختلق تجمعات وهمية تؤيدها وهكذا نرى في مسألة إقرار الدستور العراقي وقضية التسمية وكيف تحولت بفضلهم وبفضل بعض من أعجبته لعبتهم والتي سميتها حينها بالعرضحالجية. الى مهزلة أدت الى تشويه سمعة اهتزاز مكانة شعبنا ونظرة الجميع على اننا شعب يتفهم الحوار الديمقراطي والحريات الفردية.

ولو مررنا بمفاصل أخرى سنجد عين المحاولات سواء في مؤتمر نيويورك أو مؤتمر لندن، أو تشكيل مجلس الحكم أو مؤتمر بغداد لعام 2003. ولا زالت محاولات تسميم فضاءنا الثقافي مستمرة من خلال الحركة ومؤيدوها وأنصارها ممن لم تعد لهم خطوة للتراجع لأنهم انغمسوا في القذارة والتهجم على الناس بحجة الدفاع عن الحركة الديمقراطية الآشورية التي تلوثت بفعل أعضاءها وعلاقاتهم. والتي كنا نرى بعدم إثارة الكثير منها إلا من خلال الإشارة لكي يفهم البعض ويدرك اننا نرمي الى بناء حوار حضاري قائم على تبادل الأفكار والآراء للوصول الى حلول معقولة وليس مسلوقة تنبت في رأس شخص واحد ومن ثم يحاول أن يسوقها على أعضاء قيادته على انها الأفضل لأنها الوحيدة التي كانت متاحة.

لم يعد مقبولاً أن يصمت الجميع ويعتقد انها معركة كسر العظم، بين هذا الشخص وهذا التنظيم، بل على الجميع أن يدرك ان مسألة تصحيح المسار وإقامة أسس الحوار البناء مسؤولية الجميع، وعليهم أن يشاركوا فيها بإدانة كل هذه الممارسات الغبية والتي لا تزال مستمرة لحد الآن. لقد سكت الكثيرين حينما عملت الحركة على تقسيم كنيسة المشرق الآشورية، برغم من علمهم ان المسألة ستكلف شعبنا الكثير وسنقدم الكثير من التضحيات. فالسؤال الى متى السكوت إذاً، ونحن لا نزال نقدم هذه التضحيات من خلال تسميم كل مجالات نقاشات شعبنا؟