FacebookTwitterGoogle Bookmarks

ما أحوجنا الى قائد مثل انجلينا جولي

29 حزيران/يونيو 2018

كوهر يوحنان عوديش

 

بعيداً عن الدستور الذي يطبق حسب الأهواء والمصالح الشخصية للمسيطرين على مقاليد الحكم في العراق، وبعيداً عن الانتماء الطائفي الذي على أساسه توزع المناصب السيادية في العراق الديمقراطي!!، وبعيداً عن الارتباطات والتبعيات لنيل مباركة الدول الإقليمية لتسنم منصب رفيع بمستوى رئيس الوزراء!!، وبعيداً عن كل المزايدات الوطنية التي نسمعها من الوطنيين (حتى النخاع) الذين دمروا الوطن وساكنيه منذ تسلمهم للسلطة، وبعيداً عن كل المثاليات والشعارات الرنانة التي تلاعب مشاعر وعواطف الشعب العراقي لكسب صوته ومن ثم سرقة قوته ومستقبله، فإن العراق بحاجة الى قائد نزيه ومخلص يخرج الوطن من محنته التي يتمرغ فيها، قائد يبكي على العراق وتاريخه وحضارته قبل أن يبكي على رصيده المصرفي ولألقاب التي ترافق منصبه.

من غير المعقول أن نعمم فكرة النزاهة والوفاء والإخلاص وحب الوطن على قومية أو طائفة أو دين أو مذهب أو حزب محدد، لأن هذه الصفات ليست وراثية أو انتمائية بقدر ما هي تربوية اجتماعية لأن الفرد يكتسبها من تربيته البيتية وبيئته الاجتماعية أكثر بكثير من اكتسابه لها بانتمائه أياً كان، لذلك عند اختيار شخصية لتسنم منصب ما (خصوصاً عندما يكون هذا المنصب يحدد حاضر ومستقبل البلد) يجب معرفة تاريخها وأهوائها وليس معرفة انتماء تلك الشخصية للوثوق بها ووضعها في أعلى المناصب في الدولة، فلا يمكن أبداً أن نختار لصاً لرئاسة الحكومة أو الجمهورية أو مجرماً لرئاسة البرلمان لأن انتمائه يفرض علينا ذلك (باستثناء العراق طبعاً!!! لأن الانتماء طغى على كل المبادىء والقيم في اختيار الأفضل والأنسب، لذلك ليسا عجباً أن نرى المجرمين في أعلى المناصب)، بل يجب اختيار الأوفى والأفضل والأكثر إخلاصاً لقيادة البلد، لأن البلد ليس ورثة أو ملاك عقاري مسجل بإسم طائفة أو مذهب أو قومية أو حزب معين.

في زيارتها الأخيرة للعراق قامت سفيرة النوايا الحسنة في الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الممثلة الأمريكية انجلينا جولي بتفقد مدينة الموصل والدمار الذي لحق بهذه المدينة جراء احتلالها من قبل تنظيم داعش ومن ثم تحريرها من قبل الجيش العراقي، وفي وصفها للمدينة قالت "هذا أسوأ دمار شاهدته في كل سنوات عملي مع المفوضية..".

زيارة انجلينا جولي للعراق لم تكن لعقد صفقة أسلحة مع الحكومة العراقية، ولا للتوقيع على عقود نفطية تستمر عقود من الزمن، ولا لاستلام حصتها من الأموال المنهوبة من خزينة الدولة العراقية، ولا لتسنم منصب حكومي أو تشريعي لخداع الشعب وتضليله واستغلال معاناته ومآسيه لتحقيق مصالح ومنافع شخصية، بل زارت العراق لتقديم مساعدات أممية الى ضحايا الإرهاب والنزاعات المسلحة، وإضافة الى ذلك فانها تبرعت بمبلغ مليوني دولار من حسابها الشخصي لمدينة الموصل.

ليس هناك رابط مذهبي، طائفي، قومي أو حزبي بين الممثلة الأميريكية انجلينا جولي، التي قطعت آلاف الكيلومترات لتقديم المساعدات الانسانية، وبين الشعب العراقي لكن هناك رابط الانسانية الذي يربط هذه المرأة بالعالم وتتعامل به مع الضحايا والفقراء بغض النظر عن كل الانتماءات الجغرافية والاثنية والدينية، لذلك فإن مواقفها موضع تقدير العالم أجمع.

على قادة ومسؤولي العراق الجدد أن يتعلموا من أمثال انجلينا جولي ليس في التعامل مع كوارث العالم وفقرائه، بل على الأقل في التعامل مع أبناء شعبهم، فمنذ استيلائهم على السلطة بعد 2003 والعراق يخطو الى الوراء من جميع النواحي إضافة الى السلب والنهب والاستيلاء على المال العام وهدر الدماء والتقامر بحاضر ومستقبل الشعب من قبل كل من تسنم وظيفة ما في أجهزة ومؤسسات ودوائر الدولة (الرشوة والاختلاس والنهب والسرقة وخيانة الأمانة ليست مقرونة ومرتبطة بمنصب معين دون غيره بل تشمل الجميع من أدنى وظيفة الى أعلى وأسمى وظيفة في البلد)، فلو كان من بين جميع الذين تقاسموا السلطة والغنائم واحداً فقط!!! بتفكير وانسانية وروح انجلينا جولي في التعامل مع الضحايا والفقراء لما وصل حال العراق الى ما هو عليه الآن.

جاءت حكومات وذهبت أخرى الى غير رجعة وأسست مجالس وبرلمانات بأعضاء انتهازيين وبيادق شطرنج همهم الأول والأخير تمرير منافعهم وتحقيق مصالهم الشخصية، وجرب الشعب كافة الأنواع والألوان من السياسيين والقادة و... ورغم ذلك لم يذق العراق طعم الاستقرار ولم يتهنى الشعب بخيراته أبداً، والسبب لم يكن في الذين حكموا فقط بل في الذين صفقوا وطبلوا وزمروا، والخلل كان في التسيب وسيادة قانون الغاب في البلد.

الوطنية وحب الوطن لا يكمنان في الانتماء الى بلد ما بالهوية والولادة بل يكمنان في ما يستطيع الانسان تقديمة لبلد ما، فما فائدة أن يحكمنا عراقي الهوية والمولد يدمر وينهب ويشرب بكؤوس من ذهب من دماء العراقيين لا تربطه بالوطن إلا ما يدخل جيبه وخزائنه من غلات الحرام؟

همسة: انجلينا جولي ليست عراقية ولم تنهب أو تستفد من أموال العراق سنتاً واحداً لكنها قطعت آلاف الكيلومترات لتفقد الضحايا والدمار وتبرعت بمليوني دولار لمدينة موصل، أما العراقيين الذين يحكموننا نهبوا مئات المليارات وضحكوا على عقولنا كل هذه السنين لم يجهدوا نفسهم يوماً بزيارة عائلة مهجرة أو طفل يتيم أو مدينة مدمرة لتقديم الدعم المعنوي وليس للتبرع!.