FacebookTwitterGoogle Bookmarks

لتتحوّل احتجاجات العراقيين الى ثورة عارمة

04 آب/أغسطس 2018

أ. د. سيّار الجميل

 

تبرز في ظلّ التداعيات التي أفرزتها الانتخابات النيابية في العراق أخيراً، وما رافقها من إخفاقات وانحرافات خطيرة، وحالة الفوضى السياسّية، وتفاقم المشكلات الصعبة التي مسّت حياة الناس، وإغراقهم بالأزمات القاسية، وعجز الحكومة وإدارات المحافظات عن معالجتها، واستشراء الفساد لدى كلّ الطبقة الحاكمة التي تؤلفها كلّ الأحزاب والكتل والمليشيات.. تبرز ظاهرة الاحتجاجات الجماهيرية منطلقةً، هذه المرّة، من البصرة ضّد الأوضاع المأساوية القائمة التي يعيشها العراقيون منذ 15 سنة، إذ يفتقد أغلب العراقيين أبسط وسائل الخدمات، وأهمها الكهرباء والماء والدواء، مع انعدام بقية الخدمات. وفي مثل هذا الصيف، يطالب المحتجون بتحسين الأوضاع وتوفير فرص عمل، وتلبية متطلباتهم من الماء والطاقة والأدوية.. ويبدو عجز الحكومة الحالية واضحاً وفاضحاً، فهي لم تستطع معالجة التهرؤات في المؤسسات، ولم تحدّ من الفساد المستشري في كلّ مرافق الحياة العراقية، ولم تستطع منع حمل السلاح في أيدي الناس.. ناهيكم عن فقدان الأمن والنظام، كما يعرف الجميع ذلك.

هذه الاحتجاجات السلمية الساخنة يمكنها أن تتحول الى ثورة حقيقية عارمة لاقتلاع الفساد والفاسدين، بالقضاء على الأحزاب والجماعات الحاكمة والمسؤولين الذين يشكلّون طبقة فاسدة واسعة النفوذ، بوجود مليشيات منفلتة تابعة لزعماء الكتل والأحزاب، والذين نجدهم وقد سكتوا الآن، ولازمهم الصمت، متهمّين المظاهرات بوجود مندسين (!). ويؤكد أحد أبرز الكوادر قائلاً إنّ زعماء بعض الكتل قد اتفقوا على حرق بغداد بالكامل، إن استمرت الثورة، ووصل شواظها إليهم، فضلاً عن تحدّيات أخرى، تواجه المنتفضين السلميين بزرع شراذم من المدنيين المخرّبين، ليقوموا بأعمال محرمّة ومخزية، يوصم بها المتظاهرون الأحرار.

ثمّة وصايا مبدئية، مقترحة على كلّ الثائرين العراقيين، ولا بدّ من معرفتها وإدراك ما يمكن اتخاذه من إجراءات، حسب المعايير المتّفق عليها في كلّ ثورات العالم وانتفاضاتهم، وإلاّ فانّ احتجاجاتكم ستذهب سدىً، وسوف لا يلتفت إليها أحد من هؤلاء المسؤولين الذين غرقوا بالفساد والعمالة وسحق العراق. وقد اعترف أحدهم بمثل هذه الجريمة، طالباً السماح من الشعب العراقي على كلّ جناياتهم المخزية.. وكان مأمولاً أن ينهي كلمته بانسحاب نفسه من الميدان، كما يفعل غيره في العالم، ولكن يبدو أنه يمارس لعبة من ألاعيبهم في البقاء في السلطة، على الرغم من كلّ العار والشنار الذي يحملونه على كاهلهم. دعوني أحدد في أدناه المقترحات التالية من أجل مسار تاريخي جديد، إن كان العراقيون يؤمنون حقّاً بالتغيير التاريخي:

أولاً: لا يمكن لأي مؤسساتٍ متطورةٍ في هذا العالم تلبية مطالبكم بهذه السرعة، ولا يمكن لأيّة حكومة عراقية توفير آلآف فرص العمل فجأة، ولا تلبية ما تريدونه من خدمات، وليس لها القدرة على أن تقول: كن فيكون.. وعليه، ينبغي أن يكون الحل سياسياً، برفع سقف المطالب، وطرح شعار تغيير النظام السياسي الحاكم، إذ إنه رأس البلاء منذ 15عاماً. وقد ثبت عجزه التام في الأداء على كلّ المستويات بترّهاته وفساده، وانحرافات دستوره وجرائم أحزابه الحاكمة، وجرائم المسؤولين الذين تولوّا الحكم فيه. وأن ينادي كل العراقيين بدولة مواطنة ذات نظام ديمقراطي حقيقي، بدل دولة مكونات طوائفية، ذات نظام محاصصي كسيح.

ثانياً: المطالبة الحقيقية برفع أيدي ايران من العراق تماماً، وحظر تدّخلاتها السافرة في الشأن العراقي، وتحديد طبيعة العلاقات الدبلوماسية والتجارية معها، كونها لا عهود لها مع العراقيين أبداً، وأنها استغلت أوضاعهم، فعبثت بمقدّراتهم الأمنية، ولعبت بجغرافيتهم، لتهريب المخدرات عبر الحدود، ولقطع الماء عنهم، وقطع الكهرباء عنهم، إذ تتقاضى سنوياً تسعمائة مليون دولار من العراق لشراء الكهرباء فقط... ايران داء العراق العضال، وما دامت هذه الطبقة السياسية على رأس حكم العراق، فانّ هذا البلد سيكون ألعوبة بيد ايران، كون هذه الطبقة من عملائها المفضوحين.

ثالثاً: على الشعب العراقي كلّه أن يهبّ هبّة واحدة في وجه هذا النظام الجائر، بالرغم من تحديات السلطات ونيرانها وخراطيم مياهها.. كي تعلم الولايات المتحدة الأميركية مدى معارضة العراقيين اختياراتها البائسة.. عليهم كلّهم مناصرة الثورة في أي مكان تنشب من العراق، ولا تبقى البصرة أو مدن أخرى عرضة للتنكيل من أزلام النظام ومرتزقته المتوّحشين.. عندما ثارت الأنبار وتكريت والموصل وديالى على عهد نوري المالكي قبل سنوات، صفّق الكلّ ضدّ اعتصاماتهم ووصفوها بأشنع الصفات، وقد وعد النظام بتلبية المطالب، ثم خان الوعد.. اليوم، يثور الجنوب، فعلى الوسط والشمال والغرب الوقوف معه، ليعلم العالم أن الشعب كلّه ضدّ هذا النظام الفاسد.

رابعاً: على العراقيين أن لا ينخدعوا بكلمات معسولة، أو خطب ناعمة، أو تصريحات مخاتلة، فكلّها وعود كاذبة، يلقيها كلّ عناصر النظام، ممثلّين بزعمائهم الذين لم تنفع معهم أبداً لغة المكر والخداع، فقد تمرّسوا على الكذب والمراوغة. وعليه، تنفع ضدّهم كلّ أساليب الثورة واقتلاعهم وعقابهم بإحالتهم الى محكمة الجنايات، وإنزال القصاص بهم جرّاء ما اقترفوه من جرائم بحقّ العراقيين. على الثوار أن يرفعوا سقف مطالبهم بمحاسبة كلّ رؤوس هذا النظام قاطبة، سواء بمن اشترك في السلطات العليا والتشريعية والتنفيذية، وساهم، بشكل أو بآخر، في خراب العراق ونهبه وسحق شعبه.

خامساً: ضرورة ولادة زعامة سياسية مواطنية جديدة، أو ايجاد قيادة سياسيّة رئيسية، تنبثق عنها هيكلية قيادات سياسية للثوار والمتظاهرين والمعارضين، تتوّحد لاحقاً من أجل معرفة فصائل الثورة، فهي مؤهّلة ضمن الظروف التي تعيشها اليوم أن تنخرط فيها عناصر مندسّة ومخربة ومأجورة لتفجيرها من الداخل، أو استلابها لصالح إبقاء هذا النظام في حكم العراق. وستفعل ايران ما في وسعها لإجهاض أيّ تغيير سياسي جذري في العراق من خلال عملائها ووكلائها، وخذلان أية حركة تحرّرية عراقيّة، تسعى الى استعادة الوطن وأهله من أبناء شعب العراق العريق الذي لا يرضى بحكم الفساد والفاسدين، ولا يرضى بأدوارهم العميلة.

سادساً: على كلّ الشرفاء وأصحاب الضمائر الحية من المثقفين ونخب الموظفين والعاملين وأساتذة الجامعات والمعلمين والإعلاميين وكلّ النقابيين والمهنيين والفنيين من الوطنيين العراقيين الوقوف مع العراق في محنته اليوم، وتخليصه من أيدي هذه الطبقة الحاكمة التي تحالف معها كلّ المرابين والفاسدين والطفيليين والسارقين وذوي المصالح الخاصة من شيوخ العشائر ورجال الدين المعمّمين. دعم هذه الاحتجاجات التي يقوم بها كلّ المناضلين العراقيين، وتحويلها الى ثورة عارمة بحاجةٍ الى وقوف كلّ العراقيين معها، كي تتحقق الأهداف السامية، وأن يجتاح صوت هذا الحراك الوطني كلّ وسائل الإعلام ليتعّرف العالم على مأساة العراق والعراقيين.

وأخيراً وليس آخراً، أقول ان أي إخفاقٍ يصيب هذا الحراك الشعبي سيمكّن الطبقة الحاكمة من البقاء، وفرض إرادتها على العراق، وتنكيلها بالعراقيين، وسينتقل الحال من سيئ الى أسوأ بوجود هذه العملية السياسية الفاشلة.

نشرت في العربي الجديد/ لندن في 22 يوليو/ تموز 2018، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل.