FacebookTwitterGoogle Bookmarks

فن التصوير عند السريان وإنجيل بغديدا المصور 1220 ميلادية

06 آب/أغسطس 2018

أ. د. ابراهيم خليل العلاف

 

من أجمل الهدايا التي وصلتني منذ سنة 2008 كتاب جميل بعنوان (فن التصوير عند السريان في التاريخ الوسيط) والكتاب من تأليف الأخوين الأب لويس قصاب والدكتور يوسف جرجيس جبو الطوني، وأنا أشكرهما.. وقد سبق أن نوهت الى الكتاب -الموسوعة المطبوع بدمشق الشام 2008، وأشدت بجهود المؤلفين الفاضلين في حينه من خلال جريدة (فتى العراق) الموصلية التي توقفت سنة 2009 لوفاة صاحبها ورئيس تحريرها المرحوم الأستاذ أحمد سامي الجلبي. اليوم أعود الى الكتاب الذي يقع في (424) صفحة من القطع الموسوعي الكبير، وبإخراج رائع، وبحلة قشيبة، وبورق أرت صقيل، وبصور رائعة جداً.

الكتاب يتألف من بابين ومقدمة وفهرست وقائمة بمصورات الكتاب وأخرى بأيقونات الكتاب، وثالثة بالمصادر والمراجع. في الباب الأول الذي عنوانه: المضامين التاريخية والفنية وقف المؤلفان وعبر أربع فصول عند السريان والتاريخ والفن عند السريان وسماته والصورة والأيقونة السريانية ورموزها والعناصر المعمارية والزخرفية والفنية.

أما في الباب الثاني فقد انصرف المؤلفان لملاحقة البناء الشكلي لأيقونات القراءات الدينية المقدسة للسنة الطقسية السريانية المتمثلة في مخطوط بغديدا المصور والذي يعود الى سنة 1220 ميلادية. وفي الباب مداخل وعدة فصول هي على التوالي: أيقونات البشارة والميلاد، وأيقونة المعجزات والشفاءات، وأيقونات دروب الآلام والصلب والقيامة، وأيقونات الظهور والتجلي، والعذراء والطفل من خلال تأصيل من الكتاب المقدس ومن القرآن الكريم.

من أجمل المصورات التي ضمها الكتاب، تلك التي أنجزها باكوس البغديدي وبهنام بن موسى الموصلي وهي تحكي بالخطوط والانحناءات.. بالنور والعتمات ما قام به السيد المسيح عليه السلام من أفعال وما قاله من كلام يلبي حاجة الانسان للمعرفة، وللخلاص ومناغاة الروح. والكتاب أيضاً يتتبع انجيل بغديدا المصور وينطلق من منظور دراسة فن التصوير السرياني من خلال أيقونات القراءات الانجيلية ويقيناً ان الفن السرياني فرع من الفن الشرقي القديم ثم الأرث الهلنستي الذي تفاعل معه بعمق وما هو منشور في هذه الموسوعة يعكس أيضاً العادات والتقاليد والأدوات والملابس والشخوص ومن المؤكد ان الفنان الواسطي كان في طليعة الفنانين العراقيين الذين استقوا معارفهم ومهاراتهم الفنية من أساتذتهم السريان.

في دير الشيخ متي وجدنا أعمالاً أشار اليها الكتاب هذا واعتمدها وهذه الأعمال رائعة بكل المقاييس.. وللأسف نحن لا نعرف من هم اولئك الفنانين المجهولين ومن المؤكد انهم من الرهبان الذين فتنهم الفن، وحرك نفوسهم، وكانوا يرون ان تلك الأيقونات لها قدرات ليست فنية فحسب بل تهذيبية وإرشادية.

في معظم الأيقونات التي تضمنها انجيل بغديدا المصور جعل رهبان دير مار متي عين الرائي تنجذب نحو السيد المسيح عليه السلام وبعدها يجول الناظر بصره في بقية أجزاء الصورة وذلك لأن الفنان حسم مركز السيادة في هدفها الرئيسي وهو المسيح وقد استخدم رهبان جبل الألوف طرقاً شتى في سبيل تعزيز المركز من خلال التباين في الألوان فمثلاً جعلوا عباءة المسيح وإزاره باللون الداكن بينما بقية أجزاء الصورة كانت بألوان فاتحة في معظمها حيث الماروني والأحمر الداكن. هذا فضلاً عن ان الرهبان في رسوماتهم للسيد المسيح تفننوا في المخالفة والانعزال والحركة والسكون من خلال اختلاف شكل الخطوط أو شكل عناصر التكوين ووجدنا انهم أظهروا السيد المسيح جالساً على كرسيه وهو يبارك تلاميذه بيمينه رافعاً اصبعيه وبيساره البشارة يحيط من كل جهة ثلاثة من التلاميذ.

ثمة ملاحظات مهمة على أيقونات انجيل بغديدا المصور منها ان المدرسة السريانية في التصوير كانت جزءاً من المدرسة الموصلية فالفنان الراهب استخدم الموروث المحلي بشكل واضح ونلاحظ هذا مثلاً في لوحة الملاك جبرائيل وهو يبشر الكاهن زكريا. وأكد الفنانون الرهبان في رسوماتهم مسألة القداسة عن طريق إغراء المشاهد على متابعة مراحل التدبير والتفكير والتنفيذ والينابيع التي استقى منها الفنان خيالاته ومبتكراته سواء كانت الدوافع عقلية أم نفسية أم وليدة النزعات والانفعالات والأحلام أو تكون رواسب كامنة في أعماق النفس.

وحرص الفنانون الرهبان وهم ينفذون هذا الانجيل المصور على أن تكون الموصل حاضرة سواء في بيوتها وبساتينها ومن خلفيات الصور نرى أجواء الموصل وبرطلة وبغديدا وسفوح جبل مقلوب أو ما يسمى بجبل الألوف أي الألوف من الرهبان غارقة في الألوان ومن شدة توهجها تأبى الغياب.

انجيل بغديدا المصور إذاً يقف انموذجاً للفن السرياني المرتكز على استخدام الألوان والتعبير الفني الرائع والنزعة الزخرفية وقد أعطت العقود والأروقة والعناصر المعمارية الأخرى تنوعاً كبيراً لأشكال الرسوم التي ضمها المخطوط.

ومن خلال الإحاطة بنتاج رهبان مار متي يمكننا الوقوف على الخصائص العامة للمدرسة السريانية في فن التصوير خاصة وان هذه المدرسة تركت تأثيرها الواضح على المصورات المسيحية في العراق ففي لوحة دخول السيد المسيح عليه السلام الى اورشليم القدس الشريف نلحظ تنوعاً في التأثير الذي أحدقه الرسامون العرب المسلمون في العراق أو بلاد مابين النهرين كما تسمى وعلى الأخص رسامو منطقة الموصل فكثير من عمل هؤلاء الرهبان يشبه ما موجود منها في المخطوطات العربية خاصة بالنسبة الى الملابس والعمائم المستعملة وفي السمة الشرقية الموجودة في الأنوف الكبيرة وفي الايحاءات الحية وهذا ينطبق بصفة خاصة على سكان اورشليم- القدس الذين يشاهدون في ناحية يسار اللوحة ومن الجهة الأمامية وحتى في سلوكهم إذ يذكرنا هؤلاء الأشخاص بجزئيات منمنمات عربية كثيرة منها مثلاً منمنمة العزة في كتاب الترياق المحفوظ في مكتبة فيينا وهناك مظهر بارز آخر وهو استعمال الهالة التي نجدها في مخطوطات إسلامية كثيرة.

الأخ الأستاذ الدكتور يوسف الطوني وهو يقدم للكتاب، تحدث عن الدراسة التي كان أتمها وطبعها الأب غليوم دي جرفانيون سنة 1940 حول كتاب القراءات الانجيلية المقدسة والذي سمي أيضاً (مخطوطة انجيل بغديدا)، والذي يعود في نسخه الى دير مار متي سنة 1220 ميلادية، والذي يحمل عنوان (منمنمات المخطوطة السريانية 559 الفاتيكانية)، والذي قام بتعريبه الأب لويس قصاب.

كتاب ممتع ورائع ولابد من الرجوع اليه والإفادة منه. بارك الله بجهود الأخوين الكريمين الأب الأستاذ لويس قصاب والدكتور يوسف الطوني.

* نشر المقال في موقع دنيا الوطن، الجمعة 3 آب 2018.