FacebookTwitterGoogle Bookmarks

نحن مصباح علاد الدين في يوم الشهيد

07 آب/أغسطس 2018

تيـري بطـرس

 

الملاحظ، ان أي مقابلة تلفزيونية أو إذاعية أو لقاء أمام الجمهور أو ندوة، ثقافية أو أدبية أو دينية تقام أو تبث في وسائلنا الإعلامية ‏ومؤسساتنا الثقافية، السؤال الذي يطلب مِن مَن تم إحضاره للمقابلة أو للندوة، الإجابة عليه هو رأيه كيف يكون الخلاص من واقعنا ‏المعاش. وكان المحاظر أو الذي يتم إجراء المقابلة معه، سوبر مان عصره، وبيده كل الأدوية التي تعالج الحالة التي نعيشها.

الواقع ان هذه الحالة هي نتيجة للرغبة في الخروج من حالة الضياع التي نعيشها كلنا بلا استثناء. ولذا نريد حلاً سريعاً يغيير حالنا من ‏الواقع الراهن الى آخر نتمناه، تتوحد فيه قوانا السياسية ويكون لنا وطن خاص بنا، وتتوحد كنائسنا المتصارعة ويكون لكل شخص ‏منا وضعاً اقتصادياً جيداً. ويكون لوطننا القوة والقدرة للدفاع عن أبناءه ضد الأعداء أي كانوا. أي نحن في الغالب نطالب بمصباح ‏علاء الدين المشهور في قصص ألف ليلة ولية. وكل هذا دون أن نبذل جهداً وأن نناقش وأن نختلف في رؤانا وفي خياراتنا.

ولكن مقابل هذا التلهف للخروج من حالة الضياع التي نعيشها كأفراد وكشعب، نجد الانكفاء من المشاركة في أي عمل جماعي، ‏سياسياً كان أو كنسياً أو اجتماعياً ولا تذكر الثقافي أصلاً. والسبب ليس المؤسسات بحد ذاتها، بل الإدارات والقيادات، التي لم تتمكن ‏من أن توأم بين المطالب والواقع. نعم مطالبنا كبيرة وهي في الغالب محقة، يجب النضال من أجلها، ولكن تحقيقها في رمشة عين أمر مستحيل، فيجب خلق القدرة على التفكير المرحلي والتدريجي، والتفكير من أجل الأجيال القادمة وليس بالضرورة الجيل ‏الحالي.

ان تقسيم وتجزئة العمل القومي من كل جوانبه أمر مهم، فما نريده في المهجر قد لا يلائم الوطن، وما نطلبه في الوطن قد لا يلائم ‏المهجر أو ليس مهماً له. من هنا الأوليات قد تختلف ولكن الدعم يجب أن يستمر في الحالتين، بمعنى ان المهجر عليه أن يدرك ان ‏بقاءه واستمرارية هويته، يعتمد كثيراً على استمرارية وجودنا في الوطن، وتوفير أسس التطوير والتلاقح الفكري لهويتنا في الوطن، ‏ورفد المهجر بالمنتوج الثقافي وبالتوافقات السياسية والفكرية لترسيخ وحدة شعبنا.

ولكن لتحقيق ذلك يجب على المهجر أن يفرض أوليات محددة على الوطن، فتجربة المهجر إن كان هناك شعور حقاً بأن هناك ‏تجربة، يجب أن توصل للوطن وقواه، وسائل محددة للعمل السياسي الداخلي. فكفى انقساماً أمام الآخر، نعم للتعددية، لا للتخوين ‏الكيفي، واعتماد آليات قانونية لتحقيق ذلك. للوطن ظروفه الخاصة علينا مراعاتها كما للمهجر، فالتعايش بين أبناء الوطن في الوطن أامر ضروري، وكما تم قبولنا في بلدان المهجر وصرنا مواطنين لهذه البلدان، يجب أن ندرك ان شعبنا يتعايش مع شعوب أخرى ‏وعليه أن يبني مستقبله معها، وعلينا دعم هذا التعايش والرغبة في بناء المستقبل.

هناك صراعات ثانوية وغير مهمة، ولم يكن من المهم الدخول فيها، وتجربة الشعوب التي سبقتنا كانت كفيلة بأن تدعونا للابتعاد ‏عنها، ولكن مع الأسف عانينا مرارتها كثيراً، وعرقلت العمل القومي كثيراً، وشككت فيه في الغالب.

بالرغم من واقعية الشعارات السياسية التي يتم طرحها في بلدان المهجر من قبل القيادات السياسية لهذه البلدان، لحد ان الناس تكاد ‏لا تحس بأي تغيير في حياتها اليومية نتيجة تغيير الحكومات، إلا ان أبناء شعبنا وفي تعاملهم مع الوطن ومكوناته، لم يدركوا كم ‏للواقعية السياسية من دور في عدم الوصول الى الحالة السوداوية وفقدان الأمل التي نعيشها كلنا. ليس مطلوباً منا الدخول في ‏حروب طاحنة، مع أحد، ولكن ليس مطلوباً منا أيضاً التنازل عن حقوقنا، فكما لنا حقوق للآخرين حقوق أيضاً، وعلينا العمل من أجل التنسيق وإقامة التحالفات التي تخدم شعبنا.

للحالة القومية أو أي حالة تعصبية في ظل الخوف الذي يتلبسنا من الضياع، جاذبية كبيرة ومفهومة. ولكنها جاذبية الهارب الى النار ‏من الرمضاء. ففي أي تحليل سياسي وثقافي ندرك ان الحالة القومية والتعصب القومي، يصيبهما الكثير من الرخاوة واللين في ظل ‏دولة القانون والعدالة الاجتماعية. هذا ناهيك ان إمكانية فرض النصر في حرب أو صراع قومي ليس خياراً لصالح شعبنا أبداً. لأن ‏كل موازين القوى تكاد أن تكون لغير صالحنا.

إذاً ان رفع سقف المطالب القومية، في أحياناً كثيرة هو عامل مهم في تراجع العمل القومي على المدى البعيد، بل ان هذا الرفع يظهرنا بمظهر ‏الشعب العدواني، علماً انه لا يملك أي مقدرات حقيقية لذلك حتى. بل يجب أن يكون سقف المطالب متوائم مع رؤيتنا لإمكانية ‏تحقيقه في مديات قصيرة. مثلاً سقف المشاركة في القرار السياسي على مستوى العراق أو اقليم كوردستان أو سوريا، هو مطلب ‏محق ويمكن تحقيقه من خلال آليات متعددة. (وجود وزراء فعالين، يشاركون في صياغة السياسة اليومية للبلد، وجود قيادات و‏كوارد فنية وفي مختلف المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية). أن تحقق ذلك يعني خطوات واسعة الى الأمام. ومنها ‏الانطلاق الى خطوات أخرى. ولكن كمثال، طرح مطلب لتغيير أو رفض تسمية كوردستان، هو مزايدة سخيفة ولا معنى لها، لأنه إن أردنا أن نحقق ذلك بالأساليب الديمقراطية، فان خمسة ممثلي لشعبنا وممثل للأرمن وخمسة ممثلين للتركمان لن يغيروا شيئاً، في ‏حالة توحدوا. بل يحتاجون الى أكثر من ستون صوت أخرى من الأخوة الكورد. والمجتمع والأحزاب الكوردية ليست مهيئة ‏للدخول في مثل هذه المغامرة، بل كل من يدخل في ظل الحالة الراهنة سيقضي على مستقبله السياسي، إذاً كيف يريدون تغيير هذه ‏التسمية؟؟ انها مزايدة وكل من يزايد في ظل عدم الإمكانية فهو بالتاكيد، عينه ليست لخدمة الشعب، بل لكسب الكراسي فقط. أما ‏الطريق الآخر وهو فرض التغيير بالقوة، فلا يحتاج للمناقشة، إلا إذا كنا نؤمن ان صراخنا في المهجر سيجعل الآخرين يرتعبون منا ‏وينصاعون لمتطلباتنا وأوامرنا.

في يوم الشهيد، هل يمكننا ان نقول ايها الشهيد، ولأجل دمك الزكي، ولأجل ما تمنيته وتأملته، ها نحن نجلس جلسة مشتركة، نطرح ‏خلافاتنا وما يوحدنا وآمالنا، ونناقش بروح الرغبة لبناء مستقبل آخر، من أجل عودة الحياة لقرانا ومدننا، من أجل المشاركة في بناء ‏مستقبل العراق وسوريا وإقليم كوردستان. لنطرح ما نريده من حقوق لم نتمكن من أن نتمتع بها وهي حق لنا، ولن يضر أحد أن ‏تمتعنا بها. لنحقق دولة مدنية، دولة قانون، دولة المساواة.

هل يمكن أن ندرك ان التنوع السياسي الموجود في شعبنا صار جزء من الحقيقة، تأثراً أو نتيجة لمصالح فئات واسعة منه مع ‏الآخرين، وهي حقيقة سياسية ولا يمكن التهرب منها. فكل الأحزاب والأفراد لها مصالح خاصة يمكن تفهمها، ويمكن أن نعي ان ‏مصلحة الأمة بالنتيجة هي مجموعة مصالح مكوناتها. عدى المتعلقة بالهوية القومية، مثل اللغة والديموغرافيا والأرض.

ان افتراض أطراف محددة انها تمثل العمل القومي والشعب هو افتراض ذاتي وشخصي وليس افتراضاً حقيقياً ولا سياسياً، فكل ‏طرف يمثل جزء من الشعب، أو رأي شائع فيه، أو كما قلنا مصالح مرتبطة مع الآخر. فليس من حق أحد محاكمة الآخر، إلا في ‏حالة الاتفاق على مبادئ معينة ومحددة وواضحة، فحينها كل من يخرج عن تلك المبادئ يمكن على ضؤها محاسبته.