FacebookTwitterGoogle Bookmarks

أميركا الخائنة

16 آب/أغسطس 2018

تيـري بطـرس

 

يقصد بالعنوان، الولايات المتحدة الأمريكية، فمن مساوئ أو من محاسن القدر، لا نعلم، ان أميركا الذي هو إسم لقارتين كبيرتين، يختصر ليعني الولايات المتحدة الأمريكية. المهم في عالمنا، عالم اللامنطق، أميركا التي هزها إسم صدام وحافظ الأسد وجمال عبد الناصر، والتي لا تزال تموت يومياً مع ربيبتها اسرائيل في ايران الثورة. كانت سبباً لمصائب القوم، من التخلف الاقتصادي والاجتماعي الى كونها العائق لبروز عظمة هذه الدول في الذبح من الوريد الى الوريد. والظاهر ان السيد أردوغان، والذي شبهته بصدام وخصوصاً في سنواته الأخيرة، انضم الى الجوقة التي تقول بأن أميركا هي سبب مصائبه، سواء على مستوى الليرة المنهارة أو المشاكل مع الجيران ومع المكونات في تركيا.

وآخر أقواله في هذا الصدد، ان أميركا قد طعنته في الظهر، أي كما نقول خانته، وهذا معنى كبير، يعني ان أميركا كانت قد اتفقت معه على أمور كثيرة ولكنها خانت الاتفاق وباعته لآخرين، قد يكونوا قدموا أكثر. طبعاً السيد أردوغان لا يصرح بهذا، بل ان قول طعنته في الظهر يوحي بذلك. والظاهر ان أميركا دائماً كانت تخون أصدقاءها، فهي قد خانت العرب في تسليم فلسطين لليهود، كما يحلو للقادة العرب أو اتباع الأيديولوجية العروبية أن يقولوا أو ينشروا. وهي خانت انتفاضة جنوب العراق عام 1991، في الوقت الذي كان المنتفضون يتنافسون مع ايران في رفع الشعارات الثورية الإسلامية الشيعية. الأمر الذي أرعب دول المنطقة، لتقنع أميركا بالتراجع عن دعم هؤلاء الثوار من أصحاب الشعارات الكاسحة والماسحة. فكان ما كان والقصة معروفة.

لا أعتقد ان أميركا تتعامل مع أردوغان كشخص، وان أوحى غروره الشخصي ذلك. فأميركا تدرك ان تركيا، اتخذت اتجاهاً جديداً، منذ زمن توركت اوزال، أي الدوران ببطء نحو الشرق، الى محيطها الذي اعتبرته المحيط الطبيعي لها، ومجالها الحيوي، الدول التركمانية، وبالأخص بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وما قام به أردوغان ليس إلا، توسيع المجال الحيوي نحو الدول العربية جنوباً، باعتبارها حديقته الخلفية، ودول إسلامية، كانت تابعة للسلطنة العثمانية. من هنا يمكن فهم الخطوات التي أقدمت عليها تركيا، من عدم فتح ممر لدخول القوات الأمريكية إبان حرب تحرير العراق. وخطوات أخرى سياسية ودبلوماسية كثيرة اعتبرتها أميركا خطوات لا تنم على الصداقة وعلاقة الحلفاء القائمة، ولعل مسألة شراء تركيا لمنظومة الصواريخ الروسية اس 400، والتي قد يؤدي إدخالها الى اختراق منظومة الأسلحة في حلف شمال الأطلسي. إذاً الطعنة في الظهر أتت من تركيا أولاً.

لقد استساغ السيد أردوغان، خطاب زعماء العالم الثالث، ممن استهوتهم عملية التهجم على أميركا، لنيل شهادة الوطنية من شعوبهم، باعتبارها الشيطان الأكبر أو رأس الامبرايالية العالمية. وحاول أن يطبقه معتقداً، ان السيد ترامب هو كباقي الرؤساء الأمريكيين ممن لا يهتمون لمثل هذه الممارسات أو التصرفات، فالمهم لديهم كان الصافي الذي يدخل الى جيب أميركا. غير مدرك ان السيد ترامب، كانسان ذو أيديولوجية شعبوية، ينافس أردوغان في الاهتمام بالرموز والمكانة الوطنية، وإن لم يتخلي عن الربح الصافي. من هنا الاصطدام القائم، بين أميركا وتركيا والذي حاولت تركيا أن تظهر بطولاتها في الصراخ والإدعاء، لم يكن في مكانه. وكان للسيد أردوغان أن يتعض من تجربتة المماثلة والمؤلمة مع اسرائيل بهذا الخصوص أيضاً ولكنه لم يفعل.

ما يمكن أن يحدث جراء التطورات القائمة، باعتقادي، هو تكرار مشهد الخمسينيات مع مصر. أي انتقال تركيا من تحالفها مع الغرب الى تحالف مع روسيا، ومع ما يجلبه هذا التحالف من تغييرات، في نوعية التسلح الذي يمكن أن تعتمد عليه تركيا. أي ان تركيا ستتحول الى رهينة لروسيا من خلال الأسلحة التي سيتم تزويدها بها، ومن خلال ربطها بالدول التركمانية، التي لها علاقات أكثر من ممتازة مع روسيا، باستثناء آذربيجان التي علاقتها مع أميركا على أفضل ما يمكن. ورغم الرسالة التي حاول إرسالها أردوغان بالقيام بأول زيارة له، بعد انتخابه الى آذربيجان، والتي تعني ان توجهنا هو تركي ونريد أن نتوسع وأن نعمل معكم، إلا ان الرسالة لم تفد آذربيجانياً على الأقل، رغن التقارب القومي القائم.

تركيا بالرغم من تحالفها مع العالم الأول، كل هذه السنوات، وبالرغم من تبنيها النظام العلماني اللاديني، رسمياً، إلا ان الدين بقى له أهمية كبيرة في الأوساط الريفية والإقطاعية. ورغم رغبتها المعلنة في دخول الاتحاد الأوروبي، إلا انها ونتيجة عدم قدرتها على تجاوز ثوابت إسلامية معينة، فانها لم تتمكن من أن تهيء نفسها لهذا الدخول، بل أرادت أن تفرض دخولها كحالة استثنائية، وهذا ما لم يرق لدول الاتحاد الأوروبي المتفقة على أمور كثيرة لكي يتمكنوا أن يبنوا سوقاً موحداً، وسياسية موحدة.

سوقت تركيا الأمر ليس على أساس التعامل مع مطالب يجب أن تتوفر، كمثال معايير كوبنهاغن، بل على أساس انها دولة إسلامية، وأوروبا تخاف الإسلام. في حين ان ملايين الأتراك يعملون في أوروبا والكثير منهم باتوا يتمتعون بجنسيات هذه الدول.

اليوم تركيا أمام مفترق الطرق، جراء السياسيات والطموحات القومية نحو الشرق والحنين الإسلامي نحو الجنوب. ولأجل ذلك حاولت أن تدعم ثورات الربيع العربي وتركب الموجة وتدفع القوى القريبة منها للسيطرة على الثورة، كالإخوان المسلمين في مصر وليبيا وسوريا. والظاهر بحسب مسار الأحداث ان تركيا لم تحصل من كل ذلك، على شئ ملموس، بل ان هناك ابتعاد لدول كبيرة ومؤثرة في المنطقة عن تركيا، ومنها مصر والسعودية.

ان الاقتصاد التركي المبني على حرية التبادل التجاري، اصيب بنكسة كبيرة، جراء العلاقة السيئة، أي لأسباب سياسية في الظاهر، ولكن هناك مؤشرات الى الضن، بأن النكسة كانت آتية، جراء الخطوات الكبيرة والتوسع الغير المنضبط في إقامة مشاريع ضخمة، تلائم طموحات أردوغان الشخصية، ولكنها لا تتوافق مع الحسابات الاقتصادية. ورغم قبضة أردوغان القوية وخصوصاً بعد الانقلاب، إلا ان هناك حدود لتمكنه من فرض حلول عالم ثالثية، أي ايجاد سوقين للعملة، سوق سوداء وسوق رسمية تسير بحسب توجهات السلطة السياسية. من هنا كان تحذير مستشارة المانيا انجيلا ميركل، من تدخل السلطة السياسية في عمل البنك المركزي، ومن هنا كان أيضاً تطمين وزير مالية تركيا من ان تركيا، تؤمن باستقلالية البنك المركزي التركي.

السؤال المطروح ليس هل تخسر تركيا مواجهتها الحالية، بل مقدار الخسارة، إن كان ممكن تحديده.

* نشر المقال في جريدة إيلاف الألكترونية، الأربعاء 15 آب 2018.