FacebookTwitterGoogle Bookmarks

حيرة المسيحيين العراقيين: بين البقاء والهجرة

23 آب/أغسطس 2018

البطريرك بويس ساكو

 

أحاول في هذا المقال تناول أبرز عوامل بقاء المسيحيين على أرضهم، في العراق أو الهجرة، معرباً في الوقت ذاته عن قلقي من الوضع الراهن والمستقبل.

المسيحيون في العراق هم أهل الأرض الاُصلاء، وليسوا جالية هاجرت اليه من أحد الكواكب، فجذورهم الدينية تعود الى القرن الأول الميلادي، والعرقية من كلدان وآشوريين وسريان وعرب، الى آلاف السنين.

لقد قدَّم المسيحيون خلال تاريخهم الطويل، خدمات بالغة الأهمية لبلدهم، اقتصادية وثقافية واجتماعية. إنهم يؤمنون بأن العراق هويتهم، وهم جزء لا يتجزأ من نسيجه الوطني، لذا يرفضون أن يهمَّش انتماؤهم للأرض وللشعب العراقي الواحد، ويتطلعون للحصول على السلام والاستقرار، والمساواة التامة، والمواطنة الكاملة، والحرية والكرامة، بالرغم من كل الذي حصل.

أسباب هجرتهم

ما تعرض له المسيحيون من ضغوط اجتماعية وسياسية، والتعامل معهم كأقلية وكمواطنين من الدرجة الثانية موجعٌ. نذكر على سبيل المثال ما تعرضوا له في الحرب العراقية الايرانية، واحتلال الكويت و13 سنة من الحصار، وسقوط النظام 2003 وإخفاق الحكومات المتعاقبة في إرساء أسس الدولة الوطنية، وفي ترسيخ ثقافة المواطنة والمساواة، بدل المحاصصة الطائفية والقبلية التي تحمي أفرادها، وتصاعد موجة الخطاب المتشدد، مستخدِماً ادبيات قديمة لتبرير العنف، بالرغم من أن الدين في أساسه رحمة، وتقبّل الآخر، ومعاملة حسنة.

هذا فضلاً عن تفاقم الوضع الأمني خلال 13 سنة الماضية، ومسلسل الاختطاف والفدية والقتل، والتفجير والاستيلاء على البيوت والممتلكات. هذه كلها أدّت الى اهتزاز ثقة المسيحيين بالمستقبل، وأرغمتهم على الهجرة.

وكانت الصدمة في سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على مدينة الموصل، وبلدات سهل نينوى سنة 2014، وإفراغها من المسيحييين (ن)، وذلك بتخييرهم بين اعتناق الإسلام، وعهد الذمة – الجزية، والتهجير، والقتل. من المؤسف أن داعش طمس المعالم المسيحية القديمة والحديثة في الموصل.

كما ان أطرافاً سياسية محلية بعد سقوط النظام، تصارعت على بلدات سهل نينوى المسيحية، بهدف إعادة رسم الخريطة الديموغرافية لصالحها. والساتر الذي يفصل بلدة بطنايا عن تللسقف والقوش هو خير شاهد، بالرغم من وعود الإقليم والمركز برفعه.

كذلك شجعت المسيحيين على المغادرة منظمات دولية، من خلال تقديم التسهيلات، كما ان الإعلام الغربي لم يقصّر في نشر مقالات تؤكد انه لن يبق مسيحيون في العراق بعد خمس أو عشر سنوات.

كل هذه العوامل جعلت المسيحيين يشعرون أن كرامتهم مهدورة، وثقتهم مكسورة، ووجودهم العريق مهدد، في انتمائهم، وتاريخهم، وهويتهم، ومعتقدهم، ولغتهم. أذكر مثلاً موضوع تعيين رئيس لجامعة الحمدانية من خارج أبناء البلدة، في حين أن الكنيسة هي التي احتضنتها، ولا يزال طلابها يداومون في قاعاتها!!! وثمة أمثلة أخرى مؤلمة ومحزنة.

كان المسيحيون يمثلون نحو 4-5 في المائة من سكان العراق، وكانوا قبل سقوط النظام نحو مليون ونصف المليون، وكانوا يمثلون نخبة وطنية وثقافية واجتماعية واقتصادية.

لقد قُتل منذ عام 2003، ما يقارب 1220 مسيحي في حوادث عنف متعددة في عموم العراق، بينهم 700 شخص قُتل على الهوية ومنهم رجال دين، وتم الاستيلاء على 23 ألف عقار، وفُجِّرت 58 كنيسة، عدا ما قام به تنظيم الدولة الإسلامية من حرق وتدنيس لكنائس الموصل وبلدات سهل نينوى. وبسبب كل هذه العوامل هاجر مليون مسيحي من البلاد من أصل 1.5 مليون.

عوامل تشجعهم على البقاء

يحتاج المسيحيون والأقليات الأخرى الى تطمينات للبقاء والتواصل مع تاريخهم ومواطنيهم. يريدون أن تنظر اليهم الحكومة، بنفس العين التي تنظر بها الى الآخرين، وأن تُشعِرهم انهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات. فالمواطنة لا تقوم على أساس الدين والمذهب، إنما على قواسم مشتركة.

ثمة أمور تحتاج الى حسم سريع وواضح: كاحترام خصوصيتهم، ومناطقهم، وحمايتهم من أي جهة تستهدفهم، أو أي قانون يظلمهم. إنهم يحتاجون الى بناء الثقة بينهم وبين جيرانهم، في المناطق المحررة من داعش، عبر إجراءات عملية: معاقبة الجناة، وتعويض الضحايا، واستعادة أملاكهم، ورفع الألغام من حقولهم، وإعمار مناطقهم وتحسين الخدمات ليعودوا الى ديارهم.

الوضع يتطلب استراتيجية مدروسة، لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وأيضاً التوعية والتنوير والتربية على ثقافة قبول الآخر، والاحترام المتبادل بين أهل الديانات، في البيت ودور العبادة، والمدرسة والمناهج، والمعلمين، ورفض أية اساءة الى أي مواطن، بسبب دينه أو مذهبه أو عرقه أو جنسه.

* نشر المقال في موقع بطريركية بابل للكلدان، الأربعاء 22 آب 2018.