FacebookTwitterGoogle Bookmarks

قراءة في ما صرح به مار بشار وما كتبه مار ساكو

26 آب/أغسطس 2018

تيـري بطـرس

 

نيافة المطران بشار وردة معروف من خلال نشاطاته المتنوعة، وحين كان لا يزال كاهناً، كان يطل علينا بمقالات قيمة عن مختلف ‏الأمور التي تخص شعبنا الكلداني السرياني الآشوري. وبعد أن استلم أبرشية أربيل نشط وباعتقادي بشكل متميز لتقديم الخدمات ‏لأبناء شعبنا وبالأخص بعد هجمة داعش التي جعلت كل أبناء شعبنا في مدينة الموصل وسهل موصل يترك بيوته وينتقل الكثيرين ‏منهم الى عنكاوا وأربيل. قد يكون ظهر بعض الخلل ولكن يجب أن لا ننسى ان حجم المسؤولية والتي لا تكاد بعض الدول أن تقوم ‏بها، قامت الكنائس بمختلف أسماءها بتحمل العبء الكبير.

ولكن ما ظهر أخيراً من لقاءات أو نشاطات قد يثير تساؤلات محقة لدى الكثيرين، ومنها اللقاء الذي عقد مع ممثل الرئيس دونالد ‏ترامب لشؤن الإرهاب والسفير الأمريكي في العراق. وخصوصاً ما تم نقله كاماني لأبناء شعبنا أو أبناء المنطقة. في المطالبة بحل ‏مسألة المناطق المتنازع عليها وبشكل سلمي ووفق الدستور العراقي (المادة 140). في هذه النقطة باعتقادي ان هناك تساؤل كبير ‏ومحق، ويجب أن يتم طرحه وبحثه، ماذا يعني طرح نيافته، فبالرغم انه طرح سياسي بامتياز، بمعنى ان هناك ممثلون سياسيون ‏لشعبنا، هم كانوا الاولى بطرح مطلبنا السياسي، ولكن الظاهر ان ممثلينا السياسين، استهواهم الدق على طبول المهجر التي لا ‏ترغب في تقديم أي تنازل سياسي لأي جهة، لحين تحقيق أهدافنا القومية المشروعة على أرض الآباء والأجداد وإن كان بدون وجود أي شخص منا عليها. من هنا ندرك ان هؤلاء السياسين والمزايدين بالأحرى، قد عزلوا أنفسهم عن أي دور في تحديد مستقبل شعبنا، ‏لأنهم أصلاً استقالوا من السياسية وصاروا يسبحون في الرومانسيات القومية.

باعتقادي ان طرح نيافته يتسق مع طموح الأخوة الكورد أو الحد الأقصى لما يمكنهم التنازل عنه، أكثر مما يتسق مع طموح أبناء ‏شعبنا وخاصة أبناء سهل نينوى، المنقسم بحكم الأمر الواقع، وبحكم طرح الأمم المتحدة كحل توافقي دون مراعاة مشاعر ومخاوف ‏وآمال أبناء شعبنا. فالأخوة الكورد من خلال الطرح أعلاه، تقريباً يحصلون على أغلب المناطق التي يسكنها الأخوة الكورد ‏والازيدية في سهل نينوى ويتم ضمهم الى الإقليم، فيما شعبنا سيتعرض الى تقسيم آخر، نادينا كثيراً بعدم الانجرار اليه، أي تقسيم ‏سهل نينوى بين المركز وأربيل، وفضلنا علنا ضم كل سهل نينوى الى الإقليم، لكي يكون له وزن ديموغرافي مؤثر، ولكي يتمكن ‏من تطبيق كل التشريعات التي ستصدر لصالحه على جميع أبناء شعبنا. ومن خلالها يتمكن من تمتين وحدته القومية.

مشكوراً أكد نيافته على وجودب حضور قضية المسيحيين والازديين، وتقديم المساعدات المباشرة لهم، ولكن مرة أخرى، سنقع ‏في مطب أين شعبنا وتمثيله السياسي، ولماذا الغياب التام وهناك أطراف يمكن أن تنطق بإسمه وفي ظل هذا الإطار أو بالتناغم مع ‏نيافته، وبالتالي ستكون من خلال تسميتها أقله عابرة للمذهبيات.

الظاهر ان الأمريكيين لهم عنوان واحد في إقليم كوردستان، وهو حكومة الإقليم، ومنها يستقون العناوين الفرعية، أي بمن يلتقون ‏ومع من يتكلمون ومن يمثل من، أي اننا لا زلنا من المغيبين رغم تجج البعض بأنهم مستقلين وهم يمثلون الشعب. من هنا نرى بأن ‏نيافته طرح نفسه ممثلاً للمسيحيين، وإذا لم يكن لدينا اعتراض شخصي على الأمر، ولكننا نرى مخاطر مستقبلية حوله، ومنها ‏تأثيرات ذلك على هويته القومية، وصحة تمثيله من خلال رجال دين غير منتخبين لتمثيل هذه الشريحة، ومدى توافق ذلك مع الآليات ‏الديمقراطية وبناء دولة القانون في إقليم كوردستان. من هنا ومرة أخرى نرى بأن أحزابنا لم تلعب أي لعبة سياسية، أبداً، بل لعبت ‏العاب شعاراتية لكسب تصفيق، المنافقين والكذابين والمخادعين ممن يركبون الموجات لصالح بروز شخصي ليس إلا.

نعم أؤيد الرسالة التي أوصلها نيافته، نحن نواجه الآن حالة مأساوية، ونحن بحاجة لحل جذري، ولكن ليكن الحل أيضاً لصالحنا وإن ‏لم يخسر الكورد فيه شيئاً. أي لا يجب أن نذهب الى حدود الطموح الكوردي، فإذا كان هناك صالح لنا من تخطي الحلم قليلاً فلما لا. ‏تبقى مسألة التعايش التاريخي أنا شخصياً لا اؤمن بها، لأن التاريخ يكذبها، ولكن هذا الأمر لا يعني أن لا نصنع التعايش المستقبلي ‏المنشود. بأن نكون حلفاء ونشعر بأننا متساوون ونعمل بشراكة تامة لبناء المستقبل، وإحدى خطوات ذلك الحوار والعمل الجاد لكي ‏لا تسلخ مدن من بغديدا وكرملس من الارتباط ببقية سهل نينوى. والعمل من أجل تعديل التغيير الديموغرافي في تلكيف وكل سهل ‏نينوى وصولاً الى شرق موصل.

المثير ان إجابة الوفد على الكثير مما أثير وحتى على موقف بغداد من ((المسيحيين)) ان الوفد أكد بنقل القضايا التي تمت مناقشتها ‏الى القيادة الكوردية كونها أكثر اهتماماً وقرباً وإصغاءً لقضايا المسحيين والازدية، وأكد بحمل الهموم الى بغداد وخاصة المتعلقة ‏بسهل نينوى، أي الحل أي الاحتمال الأكبر وهو الحل السابق المقترح من الأمم المتحدة، بتقسيم سهل نينوى الى قسمين شمال ‏وجنوبي، ستذهب تلكيف مع القسم الجنوبي، مع ارتباط بحزاني وبعشيقة مع الشمالي. وهكذا سنجد أنفسنا مقسمين بين طرفين، كل ‏منهما يدعي بأننا أصل العراق، ولكننا أصل بدون فصل. أي انهم لن يحملوه الى صاحب القرار الأمريكي والدولي المؤثر، بل ‏سيترك بين يدي بغداد وأربيل. وأتمنى أن لا تعاد علينا توصية قنصل المانيا في الموصل إبان الحرب العالمية الاولى، حينما رد ‏على رسالة بطريرك كنيسة المشرق، الشهيد مار بنيامين شمعون، أن ننصاع لما تؤمرنا به الحكومة العثمانية وإن كان القتل ‏مصيرنا.

وقد نوه ماكغويرك في تغريدة له، باجتماع مثمر مع المطران بشار وردة.

أما غبطة البطريرك الكاردينال مار لويس ساكو فقد طرح وجهات نظر، قد تختلف عن ما تم طرحه من قبل نيافة المطران بشار ‏وردة، ففي الوقت الذي يركز على الحلول الوطنية والمساواة، فان مضمون ما يطالب به هو بقاء سهل نينوى مع المركز، الذي ‏وعدت السلطة في بغداد بفتح طريقه ولكنها لم تعد أو ليست بقادرة على الوعد بوحدته في ظلها.

وقد ركز مار ساكو على معاناة المسحيين، ودورهم واحتياجاتهم في إطار وطني لا يلاحظ صراع أربيل وبغداد في نظر الاعتبار، ‏كما في الفقرة المطولة أدناه من مقالته.

((كما ان أطرافاً سياسية محلية بعد سقوط النظام، تصارعت على بلدات سهل نينوى المسيحية، بهدف إعادة رسم الخريطة ‏الديموغرافية لصالحها. والساتر الذي يفصل بلدة بطنايا عن تللسقف والقوش هو خير شاهد، بالرغم من وعود الإقليم والمركز ‏برفعه.)) ((يحتاج المسيحيون والأقليات الأخرى الى تطمينات للبقاء والتواصل مع تاريخهم ومواطنيهم. يريدون أن تنظر اليهم ‏الحكومة، بنفس العين التي تنظر بها الى الآخرين، وأن تُشعِرهم انهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات. فالمواطنة لا تقوم ‏على أساس الدين والمذهب، إنما على قواسم مشتركة.

ثمة أمور تحتاج الى حسم سريع وواضح: كاحترام خصوصيتهم، ومناطقهم، وحمايتهم من أي جهة تستهدفهم، أو أي قانون يظلمهم. ‏إنهم يحتاجون الى بناء الثقة بينهم وبين جيرانهم، في المناطق المحررة من داعش، عبر إجراءات عملية: معاقبة الجناة، وتعويض ‏الضحايا، واستعادة أملاكهم، ورفع الألغام من حقولهم، وإعمار مناطقهم وتحسين الخدمات ليعودوا الى ديارهم.

الوضع يتطلب استراتيجية مدروسة، لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وأيضاً التوعية والتنوير والتربية على ثقافة قبول ‏الآخر، والاحترام المتبادل بين أهل الديانات، في البيت ودور العبادة، والمدرسة والمناهج، والمعلمين، ورفض أية إساءة الى أي ‏مواطن، بسبب دينه أو مذهبه أو عرقه أو جنسه)).

من هنا نرى بأن هناك اختلافات أساسية في ما طرحه الطرفان، متجاوزين التنظيمات السياسية لشعبنا من جهة، ومن جهة أخرى ‏مقسمين ((المسيحيين)) الى قسمين، في مؤشر قد يحمل بوادر صراع بينهما، وهو الأمر الذي سيجعل المسيحيين يخسرون أكثر ‏مما هم خاسرين أصلاً.